Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

رستم محمود

غالبا، ستشكل عملية استهداف البرلماني التركي رئيس "حزب التعاون/الابتكار"، أوزتورك يلماز، تحولا في الحياة السياسية التركية. فليماز الذي تلقى 3 طعنات من آلة حادة في مكتبه الأسبوع الفائت، سارع إلى اتهام من اسماهم "رجال إردوغان"، وذلك عبر بث مباشر من المستشفى، حيث يتلقى العلاج. 

ستشكل العملية تحولا نوعيا في الحياة السياسية التركية. لأنها تدل، وبوضوح تام، فيما لو أثبتت التحقيقات الموضوعية وقوف إردوغان أو مقربين منه وراء العملية، كيف أن الأخير صار مستعدا لواحد من خيارين: الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو الاستعداد لقلب الطاولة وتحطيم كل شيء، فيما لو تبين أن النتيجة ستكون العكس. 

فالخسارة تعني تبدلا جذريا في مصيره الشخصي، ومعه كامل طيف السلطة والقوة في البلاد، بعد مراكمة أموال وقوة طوال عقدين ماضيين، بأساليب شديدة المخاطرة ومن خلال أقبية غير مُعلنة.

يمكن اعتبار حدث استهداف السياسي التركي أوزتورك في مكتبه، بشكل علني ومن قِبل مهاجم مسلح وسط مدينة مكتظة (اعتقلته السلطات بعد الاعتداء)، دلالة واضحة على ذلك المستوى من الاستقطاب، لأسباب عدة.

فهذه من الحوادث النادرة التي يُستهدف فيها سياسي أو شخصية مدنية من غير أعضاء التنظيمات الكردية أو أبناء الأقليات الأهلية في البلاد. فليماز هو دبلوماسي سابق، وسياسي منحدر من حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي"، وزعيم لحزب تركي حديث من طبقة "يمين الوسط". أي أنه من العصب التكويني والنخب السياسية "المتسيدة" في الدولة التركية، التي ما كان لأية سلطة تركية حاكمة أن تستهدفها جنائياً في أي وقت كان، طوال التاريخ السياسي التركي. وحدوث هذا الأمر راهناً، دلالة على تجاوز الكثير من الخطوط التي كانت تبدو حمراء. 

كذلك لأن الجريمة نُفذت "بكامل الأريحية". إذ توجه الفاعل مباشرة إلى مكتب الضحية، وأثناء النهار، وسط مدينة سياحية مزدحمة. أصاب الضحية بعدة طعنات غير مميتة، ودون أي مسعى لتغليف الجريمة، حتى أن المعتدي لم يخف ملامح وجهه.

في دائرة كاملة تقول وتُثبت أن المعتدي يتسند إلى شبكة تنظيمية واسعة ومستقرة، أدارت الحدث وكأنه جزء من استراتيجية كبرى ستنفذها في المستقبلين القريب والبعيد، وحسب الحاجة. إلى جانب الاعتقاد من قِبل الفاعل بأن المؤسسات الأمنية والقضائية التي ستشرف على متابعة الملف، ستكون متعاطفة ومتفهمة لفعلته، كما فعلت في مرات لا تُحصى حينما اُستهدف ساسة ومثقفون وقادة رأي أكراد وغيرهم من أبناء الأقليات في تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، وبدلالة الفضاء الكلي للجريمة، من حيث كون الضحية من أهم الخصوم السياسيين المُعلنين لإردوغان، بعد اتهامه لهذا الأخير بالتواطؤ مع تنظيم داعش الإرهابي أثناء عملية احتلاله لمدينة الموصل، حينما كان الضحية قنصلاً عاماً لتركيا هناك، وتم احتجازه مع العشرات من أفراد القنصلية من قِبل التنظيم في مقره القنصلي، بالرغم من استنجاده أكثر من مرة بالحكومة وأجهزة الاستخبارات، التي ما استجابت قط؛ فاتهم يلماز الرئيس التركي بالتواطؤ مع تنظيم داعش، لاستغلال الأمر سياسياً فيما بعد. 

بهذا المعنى، فإن الحادثة هي محاولة متقصدة لإزاحة الخصوم المباشرين للرئيس، بالذات من أعضاء الجهازين الحكومي والسلطوي، انطلاقاً من الأكثر إثارة للحرج، أياً كانت الأثمان.

في النتيجة، الحادثة تُظهر محصلة ما ركنت إليه السلطة الحاكمة للبلاد بعد عشرين عاماً من الحُكم. السلطة قضمت بالتقادم مختلف مراكز والرموز والمؤسسات والاعتبارات، التي من المفترض أن تكون مستقلة عن بعضها ومتوازنة فيما بينها، وبذلك صارت تملك استعداداً مادياً ونفسياً لفعل أي شيئ، وحتى أبعد الحدود، فقط للحفاظ على سلطتها هذه، لأن فقدانها يعني خسارة مكتسباتها، بشكل أقرب ما يكون لانقلاب. 

فطوال الشهور الماضية، تغيرت تماماً نوعية الخطاب الذي صار إردوغان والمحيطين يتناولون به قادة وقوى المعارضة التركية، إذ باتوا يعتبرون المعارضين متآمرين على البلد، متحالفين مع الإرهابيين وخاضعين لأوامر الدول والقوى العالمية المعادية لتركيا. وصارت منابر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية الموالية والمرتبطة بالسلطة الحاكمة مجرد جبهات لتخوين مجموع هؤلاء، حتى أن طبقة واسعة من الموالين لإردوغان وحزب العدالة والتنمية صاروا يعتبرونهم "الشر المطلق"، وتالياً مستعدين لتفهم وتبرير كل ما سيتعرضون له.

على المنوال نفسه، مجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما في ذلك أعضاء من طبقة كبار ضباط الجيش والشرطة، صاروا موالين تماماً لإردوغان، أكثر من ارتباطهم بمؤسساتهم ووظائفهم العمومية، وغالباً جزء من شبكة المصالح التي تربطهم بالرئيس ونخبة حزب العدالة والتنمية، باتوا مستعدين تماماً لفعل ما قد يناقض شروط وأطر مؤسساتهم، في حال رغب إردوغان بذلك. 

المؤسسات القضائية والنقابية واتحادات رجال الأعمال والصناعيين والتجار ليست أقل من ذلك، فغالبها الأعم بات موالٍ وتربطه مصالح ذاتية مباشرة مع إردوغان ونظامه السلطوي، مثل كل ما في تركيا، المنقسمة إلى حيزين متقابلين، متخاصمين ومختلفين في كل شيء. 

لكن القسم الموالي لإردوغان من هذه المؤسسات والجهات والتنظيمات، مستعد لفعل الأشياء بأبعد مدياتها، فقط للحفاظ على مواقعه ومصالحه المرتبطة ببقاء هذه السلطة بالذات.

فما فعله إردوغان طوال السنوات الماضية، غيّر جذرياً من طبيعة "اللعبة السياسية" في تركيا، محطما، عبر أي ملامح للديمقراطية عبر حكمه الشخصي والعائلي والحزبي المديد المركزي. 

كذلك لأن مستويات الأفعال التي ارتكبها إردوغان ومختلف الجهات الموالية له، وتم السكوت عنها وتجاوزها بآليات هذه السلطة وعبر نفوذها، هي انتهاكات يستحيل على أي سلطة مقبلة تجاهلها، لاسيما في حال تولي سلطة جديدة مناهضة لإردوغان جذرياً، مستعدة لفتح الملفات وإعادة طرح الأسئلة الكبرى عن مرحلته المديدة. هذا الهاجس الذي يدفع إردوغان ومواليه لأن يتحسسوا رقابهم بيد، وتكون اليد الأخرى على الزناد.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).