Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا
تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا

سناء العاجي الحنفي

أشاهد صورتي على الهاتف وألمح التجاعيد الصغيرة على جانب العين.. أخاديد صغيرة تذكرني بسنوات العمر الذي مضى، بلحظات إحباط ومحطات أمل وتطلع للمستقبل. بقصص حب وخوف وأحلام جميلة تصنع الأمل وأخرى تصطدم بجدار الإحباط لتتكسر. 

لم أفكر يوما في إجراء عمليات تجميل ولا طمس لآثار العمر على وجهي. لست أفرق بين "البوتوكس" و"الفيلر" وغيرها من وسائل التشبيب القسري.

أتابع صور الفنانات الشهيرات وهن تزددْن صغرا مع تقدم العمر، وأتساءل: إلى متى؟ ما الذي يعنيه أن أنظر في المرآة فلا أراني، بتفاصيل عمري وتجاربي وأخطائي وإحباطاتي؟ ما معنى أن أمسح تاريخ أحاسيسي ومشاعري وتجاربي، بمشرط في عيادة طبية، وبكامل إرادتي؟ كيف نمسح تجاعيد الروح وأوجاع القلب؟ كيف نخفي آثار العمر من نبضاتنا المتعبة ومن ذكرياتنا، بحلوها ومرها؟

حتى على حسابي الجديد على الإنستغرام، أستغرب وأتساءل: هل وحدي أكبر؟ إذ لا أرى إلا أشخاصا يتقدمون في الشباب كلما تقدمت بنا السنوات. 

طبيعي أن ترعبنا، بين الفينة والأخرى، سنوات العمر الذي يمر. طبيعي أن نتأمل أثر السنوات على أجسادنا ووجوهنا فنشعر أحيانا بذلك الانقباض الخفيف في القلب، يذكرنا بأن العداد لا يتوقف.. وأنه يوما ما، في موعد لم يعد بعيدا، سيبدأ العد العكس. طبيعي أن ترعبنا فكرة الكهولة والعجز أحيانا.. والموت أيضا!

لذلك، فالبعض قد يهرب منها بأن لا يواجهها. بأن يبدو لنفسه وللآخرين دائم الشباب. لكن، إلى متى؟  
منذ أن عرفتني وأنا متصالحة مع سني. في أبريل من هذه السنة، سأحتفل بعيد ميلادي السادس والأربعين. منذ سنة على الأقل، أصبح بإمكاني أن أذهب للحج والعمرة بدون محرم! الدين وقوانين بعض الدول تعتبرنني امرأة غير مشتهاة لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين. امرأة لا يُخاف منها. وهذا ربما جزء مما يرعب النساء: أن تعتبر الأغلبية، مجتمعات وأفرادا وقوانين وحتى لغة (فهل هناك مرادف ذكوري لـ "سن اليأس"؟ وهل هناك مرادف ذكوري لـ "القواعد من النساء"؟)، أن للنساء تاريخ صلاحية يمكن قراءته من تفاصيل شكل الجسد ومن مدى انشداد البشرة ومحيط العينين، فتسارعن لإخفاء كل دليل يثبت تورطهن المرعب في التقدم الطبيعي في العمر. 

الحقيقة أنه خلل مشترك بين هشاشة لدى بعض النساء تجعلهن يربطن قيمتهن حصريا بشبابهن، وبين مجتمع يختزل النساء في معايير مرتبطة حصريا بالجمال وبالشباب. لنكن موضوعيين: ألا يقيم الكثيرون قيمة النساء، ليس فقط في "سوق" الزواج والحب والعلاقات، بل أيضا مهنيا، بالعمر والشكل؟ هل حظوظ الإعلاميات والممثلات ومقدمات البرامج في العالم بأسره، هي نفسها وهن في العشرينيات مقارنة مع بلوغهن الخمسينيات والستينيات من العمر؟ إذا استثنينا ميريل ستريب وجوليا روبرتس، كم عدد نجمات هوليود ممن حافظن على نجوميتهن بعد الخمسين؟ بين نجمات مصر مثلا، كم مرة صادفنا على مواقع التواصل مقارنات فجة بين صورهن وهن شابات فاتنات وصورهن في سن الستين أو السبعين؟ هل نتذكر سخرية مواقع التواصل من صورة النجمة ميرفت أمين منذ شهور قليلة وهي في عزاء، وكمّ السخرية من عمرها وشكلها؟ أليس طبيعيا أن تتقدم ميرفت أمين في السن، تماما كذاك الجالس على حاسوب يتهكم منها بخبث؟ 

نفس المجتمع الذي يسخر من فنانة أو حتى من سيدة غير معروفة بسبب ظهور علامات السن عليها، هو ذاك الذي ينتقد السيدات اللواتي يقعن في فخ التجميل والبوطوكس. أليس الضغط الرهيب الذي يمارَس على النساء بسبب الشكل والتجاعيد هو ما يدفع بعضهن إلى عيادات جراحي التجميل والمراكز المتخصصة؟ 

أتمنى أن يأتي يوما نتصالح فيه جميعنا مع عمرنا.. أن نتقبل مبدأ "العبور" بكل ما يعنيه من تفاصيل يرتبط بعضها بالتجاعيد وبالوهن الجسدي. أتمنى أن نتوقف عن اختزال النساء في بشرة مشدودة وفي مقاس معين للخصر وفي غياب تام للتجاعيد. وأتمنى أن تتوقف النساء عن الوقوع في فخ هذا الميركاتو الذي يفرض عليهن شبابا دائما للوجه.. حتى لو شاخ الجسد وشاخت الروح.

لنسعَ جميعنا لتجديد شباب الروح. لنكن مواظبين على الرياضة. لنسعَ لتغذية صحية. لنبتعد عن العلاقات السامة. لنعتنِ بصحة البشرة والشعر والجسد، ليس لكي تبدو أكثر صغرا، بل فقط لكي تكون بصحة جيدة.. لن يضمن لنا هذا أن نعيش أبد الدهر. سنشيخ وسنتعب، ويوما ما سنموت. لكن، بانتظار ذلك اليوم، لنعش كل لحظة بصحة جيدة. لنتصالح مع تفاصيلنا وعيوبنا وحتى مع تجاعيدنا. 

تجاعيدنا تذكرنا بالعمر الذي مضى. بقصص الحب الجميلة التي كانت. بسهرنا لتحقيق نجاحاتنا.. تجاعيدنا هي تاريخ أجسادنا. هي نحن. فكيف نسمح لمشرط الجراح أو لأي مركز تجميل بأن يفصلنا عن تاريخنا وعن تاريخ أجسادنا؟ كيف نصنع لنا وجها لا يشبهنا؟

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة
رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة

محمد المحمود

لا علاقة لي بكرة القدم؛ لا من قريب ولا من بعيد. لم أتابع في حياتي مباراة واحدة؛ لا مهمة ولا غير مهمة؛ لا محلية ولا عالمية؛ وذلك أنها بكل صخبها الذي يُصِمّ الآذانَ؛ لم تَسْتثر اهتمامي ـ ولو بأدنى درجة من درجات الاستثارة ـ في يوم من الأيام.

قد يمرّ بي ـ عَرَضاً ـ مشهدٌ لِسِبَاق السيارات؛ فأتابعه لدقيقتين أو ثلاث، وقد يمرّ بي أحيانا مشهدٌ لِرياضة القفز، أو التزحلق على الجليد، أو حمل الأثقال؛ فأتابعه لخمس دقائق أو حتى عشر دقائق. ولكن، وفي كل مراحل عمري، لم يستسغ مزاجي متابعة كرة القدم، ولا منح أحداثها وأخبارها شيئا من نوافل الاهتمام.

هذا يعني ـ من جُملة ما يَعني ـ أن جهلي بكرة القدم، بقوانينها وبتنظيماتها وبأنديتها وبلاعبيها وبتاريخها، يكاد يكون جهلا تاما، بل هو الجهل التام. ورغم انعدام الاهتمام، ورغم ما أورثه هذا من جهل تام بها، إلا أن ثمة ما يُثيرني ـ أشدَّ الإثارة ـ في "ما وراء المشهد الكروي"، وتحديدا: في الاهتمام الجماهيري العميق والواسع بها لدى الأغلبية الساحقة من الناس، على اختلاف اهتماماتهم ومواقعهم وثقافاتهم، إلى درجة يتحوّل فيها هذا الاهتمام ـ عند كثيرين ـ إلى ما يشبه حالة عشق وهيام يُلْهِيهم عن فرائض المَهام.

طبعا، لا مفارقة هنا بين كون هذه الرياضة لا تستثيرني إطلاقا، وبين كون المشهد التفاعلي الجماهيري معها يستثيرني جدا. بل أعتقد أن عدم اهتمامي بها إطلاقا، هو بذاته ما يجعلني أندهش جدا من هذا الاهتمام الجماهيري المبالغ فيه حسب تقديري الخاص. فأنا هنا أرى "اللاَّطبيعي" فيما يراه غيري "طبيعيا"، أرى "غير مفهوم" فيما يراه غيري "مفهوما"، وربما لو كنت متابعا لهذه الرياضة، ومتفاعلا معها؛ لكان المشهد ـ في نظري ـ طبيعيا جدا، بحيث لا يُثير أي تساؤل، ولا يستحق التعليق عليه بحال.

عموما، ليس موضوع هذا المقال مقاربة ظاهرة الاهتمام الجماهيري اللاّطبيعي بكرة القدم (فهذا موضوع كتبت عنه عِدَّة حوارات في تويتر)، وإنما موضوعي هنا هو مشهد "الاتحاد الوجداني" بين كل الشعوب العربية؛ كما تجلى في الفرح بفوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال. وإذا كنتُ كالعادة، لم أشَاهِد المباراة، فإنني قد شاهدتُ ـ مُنْدَهشا ومُتَحيّرا ـ رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة، وكأن كلَّ فَردٍ/ كلَّ فَرِحٍ من هؤلاء قد حقّق بنفسه ولنفسه أعظمَ إنجاز، وبلغ أقصى الأماني والأحلام.

ماذا يعني أن كل "عربي" في عالم العرب الواسع الممتد من المحيط غربا إلى الخليج شرقا، يشعرـ وبفرح غامر يصل حدّ البكاء أحيانا ـ أنه قد انتصر انتصارا حقيقيا في منافسة حاسمة؛ لمجرد أن منتخب المغرب فاز في مباراة رياضية عابرة؟ ما هو حَدّ الانتماء الذي شكّل بطانة هذا الشعور الطاغي؟ هل يستشعر الإنسان العربيُّ مستوى عاليا من الاتحاد الذي يربطه بشركاء اللغة، والتاريخ، والإرث الحضاري، وشركاء الدين في أغلب الأحوال؟ وإذا كان هذا الشعور يسكن الأعماق، وينفجر كالبركان في اللحظات الحاسمة؛ فلماذا يحضر في الرياضة ويضمر كثيرا في السياسية؟

في مقال الأسبوع الماضي، تحدّثتُ عن ثلاثة محاور وَهْميّة/ مُزَيَّفة، تُشَكِّل مرتكزات رؤية الإسلام السياسي، وكان منها محور: الوحدة الأممية، وهي الوحدة التي يزعم هذا النوع من الإسلام المؤدلج تَحقَّقها في الماضي، ويتطلع لتحقيقها في المستقبل. بينما هي/ الوحدة الأممية لم تتحقّق في يوم من الأيام. فالتاريخ يحكي أن العرب/ المسلمين منذ نشأتهم الأولى، ثم ظهورهم على مسرح التاريخ بالإسلام، لم يتحدوا إلا نادرا، وفي سنوات معدودة، استثنائية ظرفية عابرة، بينما بقية أيامهم على العكس منها، إذ كانوا فصائل مُتقاتلة، ودويلات مُتناحرة، وحتى إمبراطورياتهم المُتعاقبة التي يُفَاخِرون بها كثيرا، لم تكن إلا فضاءَ حروب أهلية، حروب متناسلة متواصلة؛ لا تهدأ إلا ريثما تنبعث من جديد.

إن هذا هو تاريخ العرب السياسي الذي كان مُقَسّما وصراعيا على الدوام. ولكن، مقابل هذا التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ يَستقرّ في أعماق هذا التاريخ الصراعي التناحري تاريخٌ آخر، تاريخ ثقافي وَحْدودي، تاريخ كان ينمو باستمرار، ويتوحّد باستمرار، ويتوجّه ـ بمجموعه ـ إلى مستهدفات ثقافية، ودينية، وربما سياسية حالمة/ طوباوية، واحدة في أغلب الأحيان.

عندما كان سيف الدولة الحمداني في "حَلَب" مُنافسا/ مُخَاصِما لكافور الأخشيدي في "مصر"، كان المتنبي ينتقل من بلاط الأول إلى بلاط الثاني، وتصدح قصائده هنا وهناك، وتفهم الجماهير عنه هنا وهناك بلا فرق، وتترد في بغداد وما وراءها شرقا أصاء شوارده التي ينام عنها ملء جفونه؛ حتى تصل حركة التشرد التمردي به إلى عضد الدولة في شيراز/ جنوب إيران، فينشد قصائده التي سيردّدها بلاطُ المعز لدين الله الفاطمي في تونس (قبل انتقاله لمصر)، وسيتمنّى المُعِزّ لشاعره الخاص/ ابن هانئ الأندلسي أن يضارع المتنبي؛ لولا أن اخترمته المنون. وأيضا، عندما كتب الإمام مالك "الموطأ" في المدينة الحجازية المقدسة، كان رواجه الأعظم في الأندلس والمغرب، لا في جزيرة العرب وما جاورها. وعندما كتب سيبويه، الفارسي الأصل، العراقي الموطن، أعظمَ كتابٍ في النحو العربي، أي في لغة عرب الصحراء، كان هذا الكتاب محلَّ عناية نُحاة المغرب والأندلس شرحا وتعليقا وتدريسا. وينتقل اللغوي والأديب الكبير/ أبو علي القالي من العراق إلى الأندلس؛ فيخاطب تلاميذه/ جمهوره الجديد، وكأنه لا يزال يخاطب جماهيره في بغداد. ويُنْشد ابنُ زيدون نونيته الباكية في الأندلس، فتدمع لها العيون في بغداد ومكة ودمشق والقاهرة، بل لا تزال إلى اليوم من أغاني تلاميذ المدارس في المشرق العربي كله...إلخ.

هكذا تترحّل الكَلمات؛ وكأن الجميع في دولة واحدة، متصلة في التاريخ والجغرافيا والسياسية، بينما هم في دول متصارعة على امتداد التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، دول مُتحوّلة مُتقلّبة؛ بحيث لم يكن بعضها ينشأ إلا على أنقاض بعضها الآخر، في حالة افتراس دارويني دائم يُعِيد تدوير ملاحم العرب الأولى: البسوس وداحس والغبراء.

هنا يحق لنا أن نسأل ونتساءل: ما الثابت وما المُتحوّل عربيا؟ ما الذي يؤكد "وحدة العرب"، وما الذي ينفيها في الوقت نفسه؟ المعتصم، والمتوكل، والمأمون، وعبيدالله بن طاهر، وعضد الدولة، ونظام الملك، وكافور الأخشيدي، والمُعزّ، والحاكم بأمر الله، وعبد الرحمن الناصر، وابن تاشفين...إلخ، كانوا مظاهر عابرة على السطح/ المتحوّل؛ في مقابل الثابت: "إحياء" الغزالي، و"تهذيب" ابن عبد البر، و"موطأ" مالك، و"رسالة" الشافعي، و"مِلَل" البغدادي، و"تاريخ" الطبري، و"حيوان" الجاحظ، و"كامل" المبرد، و"عمدة" ابن رشيق، و"مَثَل" ابن الأثير، و"ألفية ابن مالك"، و"مغني" ابن هشام، و"مُزْهر" السيوطي، و"زُهر" الحصري، ودواوين الأعشى، والنابغة، وزهير، ولبيد، والفرزدق، وجرير، والأخطل، وبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والمعري، وابن زيدون، وابن دراج، وابن هانئ، ولسان الدين بن الخطيب، وابن شهيد؟     

وفي الأخير، هل هذا "التوحّد العربي" الذي ظهر جليا في مشهد الفرح الجماهيري العربي بفوز منتخب المغرب يُعَبِّر عن حقيقة "الثابت الثقافي" الممتد أفقيا/ جغرافيا وعموديا/ تاريخيا، والذي يَجِد مُسْتَقرَّه في ثابتِ اللغة الواحدة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الفرز الثنائي بين السياسي والثقافي، في التاريخ كما في الراهن؟

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).