Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام
لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام

ابتهال الخطيب

كتبت غدير أحمد على موقع vicearabia مقالاً بعنوان "هل نكره الرجال حقاً؟" متناولة موضوعا غاية في الحساسية بشأن ما يطلق عليه "العنصرية أو التمييز الجنسي المعكوسين" أي حين تمارس النساء عنصرية على أساس الجنس ضد الرجال بإطلاق أحكام مطلقة عليهم على أنهم، تعميماً، عنيفون أشرار.

وعلى حين أننا كلنا نعرف مرمى التعميم، فندرك في وعينا أن القول "بكل الرجال" لا يعني كل رجل على سطح الكرة الأرضية وإنما يعني أغلبية كافية من الرجال بما يشكل ظاهرة سائدة، إلا أن غدير، كما أي منا حين تتعامل مع هذا الموضوع الشائك، تجد نفسها مضطرة لتفسير ما لا يحتاج تفسيرا أو إيضاحا.

تقول غدير "إن التعميم، الذي هو في محله تماماً، هو أداة نسوية في هذا السياق، والهدف انتفاضة القلة الباقية من الرجال الذين لا يمارسون العنف، والحساسين تجاه هويتهم الاجتماعية وهويتها التاريخية."

تؤكد غدير على فهمنا في الواقع للتصنيفات الرجولية المختلفة، وأننا حين نشير "للرجل" فنحن في الغالب نعني "الرجل النمطي" الذي يمارس العنف على كل من هم في نطاق هيمنته، و"الرجل غير الحساس لموقعه الاجتماعي" كصاحب امتيازات جندرية، و"الرجل غير المدرك للمسؤولية التاريخية تجاه هويته الاجتماعية"، التي تتحدد على أساس جنسه الذي ينتمي إليه أغلب مرتكبي أعمال العنف في الجنس البشري. 

ورغم أن تجربتي تبدو مختلفة إلى حد كبير عن تجربة غدير، إذ أنني بضربة حظ خالصة أنتمي لأسرة الكثير من رجالها يقدمون نماذج صالحة وإنسانية، إلا أنني أتفهم تماماً ما تقوله، لربما لأنني، كإنسانة تمتلك ولو حد أدنى من المنطق، أفهم المعنى الضمني للتعميم أنه لا يعني كل فرد على سطح هذه الأرض ولكن بأغلبية كبيرة تشكل ظاهرة خطيرة، كما أفهم العمق الحقيقي لهذا التعميم الذي يتناول مجموعة بشرية تنتمي لجنس مهيمن، مثل مثلاً الحديث عن الطبقة البيضاء من المجتمع أو الطائفة السنية في الخليج أو الطائفة الشيعية في إيران أو المسلمين في الصين أو عديمي الجنسية في ميانمار إلى آخرها من الأقليات (السياسية وليس بالضرورة العددية) للبشر الذين يعانون من تمييز.

كل من لديه حس منطقي ولا يود التعلق بالشكليات اللغوية، سيتفهم تماماً هذا التعميم، وسينطلق منه إلى معالجة المعضلة الأخلاقية الإنسانية لا الغضب و"الحرن" من طريقة التعبير عنها. 

إلا أن ما يجمعني بغدير أبعد من مجرد المنطق، يجمعنا أنا وهي وكل نساء العالم على اختلاف ظروفنا وبيئاتنا ومفاهيمنا أننا كلنا مولودات لزاوية محددة من هذا العالم، زاوية لن يقف فيها الرجال في يوم ولذا لن يكونوا قادرين على رؤية المشهد منها أبداً. كنساء، نأتي نحن للحياة بحس دائم من الوصاية علينا، وحتى منا من يحالفها الحظ بأسرة أكثر انفتاحاً، سيلقنها المجتمع وتقاليده وفي الغالب قوانينه الدرس المطلوب. كنساء، نحن لا نختبر فعلياً تجربة التحرر الكامل والاختيارات الشخصية البحتة، نتنقل من ظل وصاية إلى ظل أخرى، إن لم تكن أسرية، فستكون مجتمعية، إن لم تكن مجتمعية، فستكون قانونية، إن لم يكن الأب، كان الزوج، وإن لم يكن الأخ، كان الجار، ومن منا تستطيع أن تنسى قصة الطبيبة المصرية التي ألقى بها جيرانها من شرفة شقتها التي تعيش فيها وحيدة عقاباً على "سوء سلوكها" كواحدة من ملايين القصص للنساء في وقتنا المعاصر المستمر في غبنه لجنسنا؟

بالتأكيد لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام، كما ولا تنحو لتعميم الشر على كل رجل على سطح الأرض، ولكن حين تكبر النزعة لتشكل  ظاهرة بين أفراد فئة بشرية ضخمة، يصبح الحديث المعمم مفهوما ومستحقا.

تذكر غدير في مقالها حقائق مرعبة، منها أنه، في عام 2018، "92% من ضحايا جرائم الاتجار بالبشر كن من النساء والأطفال، 10 مليون فتاة معرضة لخطر الزواج المبكر بسبب وباء كوفيد-19. على الأقل، 200 مليون امرأة وفتاة تعرضت لجريمة تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية (الختان)، في 31 دولة فقط. 82% من النساء البرلمانيات يتعرضن لعنف نفسي ذي طبيعة جنسية، 65% منهن تعرضت لهذا النوع من العنف الجنسي بواسطة زملائهن الرجال البرلمانيين".

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصل نسبة المتعرضات للعنف الجنسي من الرجال في الأماكن العامة إلى 60%". وكما تؤكد غدير هذه مجرد إحصاءات رسمية وبكل تأكيد غير شمولية ولا أتصورها تقترب من الأرقام الحقيقية ولا تأخذ بعين الاعتبار الجرائم التي تقع داخل الحدود المنزلية مثل جرائم التعنيف الأسري وجرائم اغتصاب الزوجات وجرائم العنف اللفظي والنفسي والتي كلها يصعب حصرها والتقنين لها، دع عنك أصلاً التبليغ عنها.

لربما تبرر هذه الأرقام لغة التعميم التي تتكلم بها النسويات والنساء حول العالم، إن لم تكن فكرة التعميم أصلاً مفهومة من حيث أنها لا تشمل كل شخص من الفئة المذكورة. يبقى أن نؤكد على أن الحراك النسوي هو حراك إنساني بالدرجة الأولى وأنه يمر، له قرون الآن، بمرحلة تنفيس تؤهل لما بعدها من مرحلة التعافي، وفي هذه المرحلة، تماماً كما مر حراك السود على سبيل المثال، سيكون الخطاب قاسي وتعميمي ومفترض أن يكون مفهوم بكل تطرفاته تلك. وعليه، لا يحث الحراك النسوي، في مجمله، على عنف أو كراهية أو قسوة غير مبررين، لكنها مرحلة إنسانية طبيعية، وستستمر إلى أن يعتدل الميزان.

وقد اختلف مع الكاتبة من حيث أنني لا أتوقع ألا يؤثر هذا الخطاب في الرجال ولا يضايقهم، فإن نتوقع أن يقطعوا الحق من أنفسهم تماماً ويتقبلوا هذه الهجمة حتى على أفضلهم هو غير عقلاني.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

رستم محمود

غالبا، ستشكل عملية استهداف البرلماني التركي رئيس "حزب التعاون/الابتكار"، أوزتورك يلماز، تحولا في الحياة السياسية التركية. فليماز الذي تلقى 3 طعنات من آلة حادة في مكتبه الأسبوع الفائت، سارع إلى اتهام من اسماهم "رجال إردوغان"، وذلك عبر بث مباشر من المستشفى، حيث يتلقى العلاج. 

ستشكل العملية تحولا نوعيا في الحياة السياسية التركية. لأنها تدل، وبوضوح تام، فيما لو أثبتت التحقيقات الموضوعية وقوف إردوغان أو مقربين منه وراء العملية، كيف أن الأخير صار مستعدا لواحد من خيارين: الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو الاستعداد لقلب الطاولة وتحطيم كل شيء، فيما لو تبين أن النتيجة ستكون العكس. 

فالخسارة تعني تبدلا جذريا في مصيره الشخصي، ومعه كامل طيف السلطة والقوة في البلاد، بعد مراكمة أموال وقوة طوال عقدين ماضيين، بأساليب شديدة المخاطرة ومن خلال أقبية غير مُعلنة.

يمكن اعتبار حدث استهداف السياسي التركي أوزتورك في مكتبه، بشكل علني ومن قِبل مهاجم مسلح وسط مدينة مكتظة (اعتقلته السلطات بعد الاعتداء)، دلالة واضحة على ذلك المستوى من الاستقطاب، لأسباب عدة.

فهذه من الحوادث النادرة التي يُستهدف فيها سياسي أو شخصية مدنية من غير أعضاء التنظيمات الكردية أو أبناء الأقليات الأهلية في البلاد. فليماز هو دبلوماسي سابق، وسياسي منحدر من حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي"، وزعيم لحزب تركي حديث من طبقة "يمين الوسط". أي أنه من العصب التكويني والنخب السياسية "المتسيدة" في الدولة التركية، التي ما كان لأية سلطة تركية حاكمة أن تستهدفها جنائياً في أي وقت كان، طوال التاريخ السياسي التركي. وحدوث هذا الأمر راهناً، دلالة على تجاوز الكثير من الخطوط التي كانت تبدو حمراء. 

كذلك لأن الجريمة نُفذت "بكامل الأريحية". إذ توجه الفاعل مباشرة إلى مكتب الضحية، وأثناء النهار، وسط مدينة سياحية مزدحمة. أصاب الضحية بعدة طعنات غير مميتة، ودون أي مسعى لتغليف الجريمة، حتى أن المعتدي لم يخف ملامح وجهه.

في دائرة كاملة تقول وتُثبت أن المعتدي يتسند إلى شبكة تنظيمية واسعة ومستقرة، أدارت الحدث وكأنه جزء من استراتيجية كبرى ستنفذها في المستقبلين القريب والبعيد، وحسب الحاجة. إلى جانب الاعتقاد من قِبل الفاعل بأن المؤسسات الأمنية والقضائية التي ستشرف على متابعة الملف، ستكون متعاطفة ومتفهمة لفعلته، كما فعلت في مرات لا تُحصى حينما اُستهدف ساسة ومثقفون وقادة رأي أكراد وغيرهم من أبناء الأقليات في تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، وبدلالة الفضاء الكلي للجريمة، من حيث كون الضحية من أهم الخصوم السياسيين المُعلنين لإردوغان، بعد اتهامه لهذا الأخير بالتواطؤ مع تنظيم داعش الإرهابي أثناء عملية احتلاله لمدينة الموصل، حينما كان الضحية قنصلاً عاماً لتركيا هناك، وتم احتجازه مع العشرات من أفراد القنصلية من قِبل التنظيم في مقره القنصلي، بالرغم من استنجاده أكثر من مرة بالحكومة وأجهزة الاستخبارات، التي ما استجابت قط؛ فاتهم يلماز الرئيس التركي بالتواطؤ مع تنظيم داعش، لاستغلال الأمر سياسياً فيما بعد. 

بهذا المعنى، فإن الحادثة هي محاولة متقصدة لإزاحة الخصوم المباشرين للرئيس، بالذات من أعضاء الجهازين الحكومي والسلطوي، انطلاقاً من الأكثر إثارة للحرج، أياً كانت الأثمان.

في النتيجة، الحادثة تُظهر محصلة ما ركنت إليه السلطة الحاكمة للبلاد بعد عشرين عاماً من الحُكم. السلطة قضمت بالتقادم مختلف مراكز والرموز والمؤسسات والاعتبارات، التي من المفترض أن تكون مستقلة عن بعضها ومتوازنة فيما بينها، وبذلك صارت تملك استعداداً مادياً ونفسياً لفعل أي شيئ، وحتى أبعد الحدود، فقط للحفاظ على سلطتها هذه، لأن فقدانها يعني خسارة مكتسباتها، بشكل أقرب ما يكون لانقلاب. 

فطوال الشهور الماضية، تغيرت تماماً نوعية الخطاب الذي صار إردوغان والمحيطين يتناولون به قادة وقوى المعارضة التركية، إذ باتوا يعتبرون المعارضين متآمرين على البلد، متحالفين مع الإرهابيين وخاضعين لأوامر الدول والقوى العالمية المعادية لتركيا. وصارت منابر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية الموالية والمرتبطة بالسلطة الحاكمة مجرد جبهات لتخوين مجموع هؤلاء، حتى أن طبقة واسعة من الموالين لإردوغان وحزب العدالة والتنمية صاروا يعتبرونهم "الشر المطلق"، وتالياً مستعدين لتفهم وتبرير كل ما سيتعرضون له.

على المنوال نفسه، مجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما في ذلك أعضاء من طبقة كبار ضباط الجيش والشرطة، صاروا موالين تماماً لإردوغان، أكثر من ارتباطهم بمؤسساتهم ووظائفهم العمومية، وغالباً جزء من شبكة المصالح التي تربطهم بالرئيس ونخبة حزب العدالة والتنمية، باتوا مستعدين تماماً لفعل ما قد يناقض شروط وأطر مؤسساتهم، في حال رغب إردوغان بذلك. 

المؤسسات القضائية والنقابية واتحادات رجال الأعمال والصناعيين والتجار ليست أقل من ذلك، فغالبها الأعم بات موالٍ وتربطه مصالح ذاتية مباشرة مع إردوغان ونظامه السلطوي، مثل كل ما في تركيا، المنقسمة إلى حيزين متقابلين، متخاصمين ومختلفين في كل شيء. 

لكن القسم الموالي لإردوغان من هذه المؤسسات والجهات والتنظيمات، مستعد لفعل الأشياء بأبعد مدياتها، فقط للحفاظ على مواقعه ومصالحه المرتبطة ببقاء هذه السلطة بالذات.

فما فعله إردوغان طوال السنوات الماضية، غيّر جذرياً من طبيعة "اللعبة السياسية" في تركيا، محطما، عبر أي ملامح للديمقراطية عبر حكمه الشخصي والعائلي والحزبي المديد المركزي. 

كذلك لأن مستويات الأفعال التي ارتكبها إردوغان ومختلف الجهات الموالية له، وتم السكوت عنها وتجاوزها بآليات هذه السلطة وعبر نفوذها، هي انتهاكات يستحيل على أي سلطة مقبلة تجاهلها، لاسيما في حال تولي سلطة جديدة مناهضة لإردوغان جذرياً، مستعدة لفتح الملفات وإعادة طرح الأسئلة الكبرى عن مرحلته المديدة. هذا الهاجس الذي يدفع إردوغان ومواليه لأن يتحسسوا رقابهم بيد، وتكون اليد الأخرى على الزناد.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).