Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان
وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان

عمران سلمان

لو كانت هناك عبارة واحدة تلخص المعضلة التي تواجه معظم المجتمعات العربية والإسلامية اليوم وربما تشرح بعض أسباب تخلفها، فهي إقحام الدين في المجال العام.

وجود الدين نفسه لا يعد مشكلة بما أنه خيار شخصي للإنسان، ولذلك لا يدور الحديث هنا عن تديّن الأشخاص، ولكن الحديث هو عن هيمنة الدين على الحياة العامة، أي حين يصبح الدين هو المرجعية في السياسة والإدارة والتعليم والاقتصاد.. الخ. وبالطبع الدين لا يعمل من تلقاء نفسه، ولكنه يشتغل عبر رجل الدين ورجل السياسة ومن في حكمهما..

لنتذكر أنه طوال المائتي عام الماضية لم يقم رجال الدين باكتشاف أو اختراع واحد لخدمة البشرية!

جميع الاختراعات والاكتشافات التي نعرفها اليوم قام بها علماء ومخترعون وباحثون ولم يكن للدين أي دور فيها. فما هو المغزى في أن يحتل رجل الدين كل هذه الأهمية وعلى حساب الخبراء والمختصين والباحثين في مجتمعاتنا؟

ثمة زمن كان فيه الدين ورجاله فاعلون ومنتجون لأدوات عصرهم، لكن هذا الزمن قد انتهى منذ دخول البشرية عصر الحداثة، حيث كف رجال الدين عن الفعل وانتقلوا إلى خانة ردة الفعل وأصبح عملهم هو الرد والدفاع والمحاججة في وجه العلم ونظرياته واكتشافاته. وبالتالي أصبح دور الكثير منهم في الواقع معطل ومعرقل لتقدم الإنسانية.

لقد كف رجل الدين عن تقديم أي جديد أو طرح أي فكر أو طريقة عمل أو اجتراح مبدأ جديد في أي ميدان من ميادين الحياة الحديثة، سواء في العلوم أو الاقتصاد أو الصناعة أو الطب أو غيرها. جل النشاط الديني هو اجترار وإعادة اجترار للموروث وهذا جميعه مجرد آراء وأفكار وحشو أنتجه أشخاص ميتون (بمعنى أنه لا سبيل للوصول إليهم والاستفسار منهم) عاشوا ونشطوا في عصور غير عصرنا.  

ومع ذلك فإن رجل الدين والمؤسسة الدينية يتحكمان اليوم في جميع جوانب الحياة في هذه البلدان، وإلى الدرجة التي يشكلان فيها الوعي العام للإنسان عبر التعليم والإعلام والمسجد، على الرغم من أن نتاجهم خال من أية فائدة للبشر الذين يعيشون فيها.

ولا يملك الدين ولا رجال الدين أية إجابات على القضايا والتحديات التي نواجهها اليوم.

فهم لا يفيدوننا في حل المعضلات البيئية أو الاقتصادية أو القضايا التي تطرحها التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي ولا في الطاقة أو في القضايا الطبية ومعالجة الأمراض والأوبئة وما إلى ذلك. لأن "معرفتهم" ومنطقهم وطريقة تفكيرهم لا تنتمي إلى هذا العصر. وهذا أمر أوضح من أن أحتاج أنا أو غيري إلى التفصيل والإفاضة فيه أكثر.

ويطيب للكثيرين أن يجادلوا في أهمية العدد هنا، أي اللجوء إلى الأرقام الخاصة بأتباع رجل الدين أو أتباع الدين نفسه.

ولكن الحقيقة هي أن من يقود التغيير في المجتمعات ومن يدفع بها إلى الأمام عبر التاريخ هم حفنة فقط من الأشخاص لا غير. فبينما الملايين وربما المليارات من البشر غارقين في شؤونهم الدينية يعكف بضعة مئات أو بالكثير آلاف من الباحثين والمهندسين والمصممين والممولين والمستثمرين على اجتراح الثورة التكنولوجية التي نعيشها او تلك التي نحن بصدد عيشها في المستقبل. وكان هذا هو الحال أيضا مع جميع الاكتشافات العظيمة التي غيرت من وجه البشرية مثل الكهرباء والطاقة والانترنيت والأنسولين والمضاد الحيوي واللقاحات… الخ.

بمعنى أن الكثرة العددية ربما تصلح للأمور المتعلقة بالإحصاءات، ولكنها ليست عاملا مقررا أو حاسما أو مطلوبا في تطور البشرية. فلا عبرة في العدد هنا، إذ هو لا يقدم أو يؤخر.

أعود فأقول بأن المشكلة التي نحن بصددها هي ليست في تديّن الأفراد أنفسهم، وليس في الاعتقاد الفردي عموما، فهذه حرية ينبغي أن تكون مكفولة لكل إنسان وفي كل المجتمعات، وأيا كان الدين أو الاعتقاد الذي يتبناه، لكن المشكلة هي في المجتمعات التي يتم فيها إخراج الدين من حيزه الخاص وفرضه على الفضاء العام.

ومن عجب أن ما أقوله هنا ليس جديدا بمقياس التطور البشري، فهذا الطريق جربته العديد من المجتمعات وتخلت عنه بعدما تبين لها أن الأديان لا يمكنها أن تبني مجتمعات حديثة أو تدير دول أو تؤسس لاقتصاد أو تشرع لسياسة أو تنظيم اجتماعي. 

فهدف الدين الأساسي هو تنظيم العلاقة بين الإنسان وما يعتقده ... وبالتالي فهو يشتغل على مستوى الفرد، وكل ما عدا ذلك فهو أمر يجب أن يترك للخبراء والمختصين في كل مجال وميدان. 

للأسف فإن غالبية المجتمعات العربية والإسلامية تبدو من هذه الناحية تعيش خارج التاريخ، وبسهولة نستطيع أن نلاحظ كيف يمكن أن تحركها وتتلاعب بها فتوى أو تصريح يصدر من رجل دين! وكيف يجعل هذا الأخير أفرادها يبدون أمامه مسلوبي الإرادة والتفكير، عوض مساعدتهم على الاعتزاز بأنفسهم واحترام عقولهم والتفكير بحرية والقدرة على النقد.  

ومن كان هذا حاله فقد تقوضت آماله!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
إردوغان يسعى للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

رستم محمود

غالبا، ستشكل عملية استهداف البرلماني التركي رئيس "حزب التعاون/الابتكار"، أوزتورك يلماز، تحولا في الحياة السياسية التركية. فليماز الذي تلقى 3 طعنات من آلة حادة في مكتبه الأسبوع الفائت، سارع إلى اتهام من اسماهم "رجال إردوغان"، وذلك عبر بث مباشر من المستشفى، حيث يتلقى العلاج. 

ستشكل العملية تحولا نوعيا في الحياة السياسية التركية. لأنها تدل، وبوضوح تام، فيما لو أثبتت التحقيقات الموضوعية وقوف إردوغان أو مقربين منه وراء العملية، كيف أن الأخير صار مستعدا لواحد من خيارين: الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو الاستعداد لقلب الطاولة وتحطيم كل شيء، فيما لو تبين أن النتيجة ستكون العكس. 

فالخسارة تعني تبدلا جذريا في مصيره الشخصي، ومعه كامل طيف السلطة والقوة في البلاد، بعد مراكمة أموال وقوة طوال عقدين ماضيين، بأساليب شديدة المخاطرة ومن خلال أقبية غير مُعلنة.

يمكن اعتبار حدث استهداف السياسي التركي أوزتورك في مكتبه، بشكل علني ومن قِبل مهاجم مسلح وسط مدينة مكتظة (اعتقلته السلطات بعد الاعتداء)، دلالة واضحة على ذلك المستوى من الاستقطاب، لأسباب عدة.

فهذه من الحوادث النادرة التي يُستهدف فيها سياسي أو شخصية مدنية من غير أعضاء التنظيمات الكردية أو أبناء الأقليات الأهلية في البلاد. فليماز هو دبلوماسي سابق، وسياسي منحدر من حزب الشعب الجمهوري "الأتاتوركي"، وزعيم لحزب تركي حديث من طبقة "يمين الوسط". أي أنه من العصب التكويني والنخب السياسية "المتسيدة" في الدولة التركية، التي ما كان لأية سلطة تركية حاكمة أن تستهدفها جنائياً في أي وقت كان، طوال التاريخ السياسي التركي. وحدوث هذا الأمر راهناً، دلالة على تجاوز الكثير من الخطوط التي كانت تبدو حمراء. 

كذلك لأن الجريمة نُفذت "بكامل الأريحية". إذ توجه الفاعل مباشرة إلى مكتب الضحية، وأثناء النهار، وسط مدينة سياحية مزدحمة. أصاب الضحية بعدة طعنات غير مميتة، ودون أي مسعى لتغليف الجريمة، حتى أن المعتدي لم يخف ملامح وجهه.

في دائرة كاملة تقول وتُثبت أن المعتدي يتسند إلى شبكة تنظيمية واسعة ومستقرة، أدارت الحدث وكأنه جزء من استراتيجية كبرى ستنفذها في المستقبلين القريب والبعيد، وحسب الحاجة. إلى جانب الاعتقاد من قِبل الفاعل بأن المؤسسات الأمنية والقضائية التي ستشرف على متابعة الملف، ستكون متعاطفة ومتفهمة لفعلته، كما فعلت في مرات لا تُحصى حينما اُستهدف ساسة ومثقفون وقادة رأي أكراد وغيرهم من أبناء الأقليات في تركيا.

بالإضافة إلى ذلك، وبدلالة الفضاء الكلي للجريمة، من حيث كون الضحية من أهم الخصوم السياسيين المُعلنين لإردوغان، بعد اتهامه لهذا الأخير بالتواطؤ مع تنظيم داعش الإرهابي أثناء عملية احتلاله لمدينة الموصل، حينما كان الضحية قنصلاً عاماً لتركيا هناك، وتم احتجازه مع العشرات من أفراد القنصلية من قِبل التنظيم في مقره القنصلي، بالرغم من استنجاده أكثر من مرة بالحكومة وأجهزة الاستخبارات، التي ما استجابت قط؛ فاتهم يلماز الرئيس التركي بالتواطؤ مع تنظيم داعش، لاستغلال الأمر سياسياً فيما بعد. 

بهذا المعنى، فإن الحادثة هي محاولة متقصدة لإزاحة الخصوم المباشرين للرئيس، بالذات من أعضاء الجهازين الحكومي والسلطوي، انطلاقاً من الأكثر إثارة للحرج، أياً كانت الأثمان.

في النتيجة، الحادثة تُظهر محصلة ما ركنت إليه السلطة الحاكمة للبلاد بعد عشرين عاماً من الحُكم. السلطة قضمت بالتقادم مختلف مراكز والرموز والمؤسسات والاعتبارات، التي من المفترض أن تكون مستقلة عن بعضها ومتوازنة فيما بينها، وبذلك صارت تملك استعداداً مادياً ونفسياً لفعل أي شيئ، وحتى أبعد الحدود، فقط للحفاظ على سلطتها هذه، لأن فقدانها يعني خسارة مكتسباتها، بشكل أقرب ما يكون لانقلاب. 

فطوال الشهور الماضية، تغيرت تماماً نوعية الخطاب الذي صار إردوغان والمحيطين يتناولون به قادة وقوى المعارضة التركية، إذ باتوا يعتبرون المعارضين متآمرين على البلد، متحالفين مع الإرهابيين وخاضعين لأوامر الدول والقوى العالمية المعادية لتركيا. وصارت منابر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية الموالية والمرتبطة بالسلطة الحاكمة مجرد جبهات لتخوين مجموع هؤلاء، حتى أن طبقة واسعة من الموالين لإردوغان وحزب العدالة والتنمية صاروا يعتبرونهم "الشر المطلق"، وتالياً مستعدين لتفهم وتبرير كل ما سيتعرضون له.

على المنوال نفسه، مجموعة واسعة من الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما في ذلك أعضاء من طبقة كبار ضباط الجيش والشرطة، صاروا موالين تماماً لإردوغان، أكثر من ارتباطهم بمؤسساتهم ووظائفهم العمومية، وغالباً جزء من شبكة المصالح التي تربطهم بالرئيس ونخبة حزب العدالة والتنمية، باتوا مستعدين تماماً لفعل ما قد يناقض شروط وأطر مؤسساتهم، في حال رغب إردوغان بذلك. 

المؤسسات القضائية والنقابية واتحادات رجال الأعمال والصناعيين والتجار ليست أقل من ذلك، فغالبها الأعم بات موالٍ وتربطه مصالح ذاتية مباشرة مع إردوغان ونظامه السلطوي، مثل كل ما في تركيا، المنقسمة إلى حيزين متقابلين، متخاصمين ومختلفين في كل شيء. 

لكن القسم الموالي لإردوغان من هذه المؤسسات والجهات والتنظيمات، مستعد لفعل الأشياء بأبعد مدياتها، فقط للحفاظ على مواقعه ومصالحه المرتبطة ببقاء هذه السلطة بالذات.

فما فعله إردوغان طوال السنوات الماضية، غيّر جذرياً من طبيعة "اللعبة السياسية" في تركيا، محطما، عبر أي ملامح للديمقراطية عبر حكمه الشخصي والعائلي والحزبي المديد المركزي. 

كذلك لأن مستويات الأفعال التي ارتكبها إردوغان ومختلف الجهات الموالية له، وتم السكوت عنها وتجاوزها بآليات هذه السلطة وعبر نفوذها، هي انتهاكات يستحيل على أي سلطة مقبلة تجاهلها، لاسيما في حال تولي سلطة جديدة مناهضة لإردوغان جذرياً، مستعدة لفتح الملفات وإعادة طرح الأسئلة الكبرى عن مرحلته المديدة. هذا الهاجس الذي يدفع إردوغان ومواليه لأن يتحسسوا رقابهم بيد، وتكون اليد الأخرى على الزناد.

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).