Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

FIFA World Cup Qatar 2022 - Round of 16 - Morocco v Spain
أصبح المغرب رابع دولة أفريقية تصل إلى ربع نهائي كأس العالم

سناء العاجي الحنفي

- ليس ضروريا أن تذكروننا بترتيبنا في سلم التنمية البشرية مقارنة مع الدول التي انتصر منتخبنا المغربي على منتخباتها... نعرف أن كندا وإسبانيا وكرواتيا وبلجيكا دول متقدمة اقتصاديا وديمقراطيا وحقوقيا واجتماعيا.. لكننا نعرف أيضا أن المنتخب المغربي حقق في كأس العالم انتصارات رهيبة واستثنائية تستحق أن نحتفي بها (بانتظار مباراة ربع النهاية في مواجهة المنتخب البرتغالي). اتركوا لنا حقنا في الفرح والزهو.. مشاكلنا وأعطابنا نعرفها، ونناقشها، وننتفض ضدها. فعلنا وسنفعل.. لكننا، الآن، نستحق أن نفرح وأن نفتخر بمنتخب صنع لنا فرحا لم نعرفه منذ عقود؛ والتحاما شعبيا جميلا حول الوطن ومعنى الوطن. أم أنكم صناع القهر.. حتى في لحظات الانتصار؟ 

- نعم، معظمهم وُلد في بلدان أوروبية وتدرب واحترف هناك. بعضهم الآخر تدرب واحترف أساسا في المغرب. لكن، في النهاية، حتى الأبطال المحترفون في النوادي الأوروبية، اختاروا الانضمام لمنتخب بلدهم الأم، المغرب. فهل هناك إحساس بالانتماء أكثر من هذا؟ المغرب لم "يشتر" انتماء محترفين من بلدان أخرى.. هم أبناء هذا الوطن. أمهاتهم وآباؤهم نقلوا لهم حبه في نبضهم وشرايينهم. تقاتلوا رغم إصابات بعضهم. زأروا. وفعلوا كل هذا من أجل المغرب والمغاربة. أليس هكذا يكون الانتماء للوطن؟ أم أن البعض يفضل تبخيس كل شيء، ما عدا بحثه الحثيث عن كل ما يعتبره نواقص ممكنة؟  

- سيييير يا وليد! شعار المرحلة. وليد الركراكي أثبت لكل المغاربة أن الريادة (leadership) ليست سلطة نفرضها من فوق، بل هي مشروعية تكسبها ممن تعمل معهم. في بضعة أيام، صنع من "سير" (سِرْ) شعارا شعبيا للمرحلة. كلمة مفتاحية تقودنا للأمام وتصنع الأمل في معجزة. معجزة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة صراع وقتال ومجهود يصنعه أمرابط وبونو وبوفال وزياش وحكيمي وبانون والمحمدي وأوناحي وغيرهم من أبطالنا وأبناء وطننا. 

- محمد السادس وهو يحتفل في شوارع الرباط بتأهل المنتخب المغربي لربع النهائي، بعد فوزه الأسطوري على نظيره الإسباني، مرتديا كآلاف المغاربة قميص المنتخب المغربي وفي يده علم البلاد.. يذكرنا فعليا، خارج كل لغات الشعبوية والتصنيف والخندقة، بالتحام هذا الشعب بذاك الملك!

- الجزائريون، بحبهم الجميل للمنتخب المغربي، كرسوا بصدق شعار "خاوة خاوة" حين كانوا يعلنون، بكل فرح، تشجيعهم ودعمهم للمنتخب المغربي، وحين اهتزت مقاهيهم وشوارعهم فرحا بتأهل المنتخب المغربي... رغم إصرار النظام الجزائري على تغييب إنجازات المنتخب المغربي من إعلامه الرسمي. وهل يهم التلفزيون الرسمي، حين تصدح أصوات الجزائريين بالحب والدعم و"الجورة" والثقافة المشتركة؟

- بينما صفق لتأهل المنتخب المغربي صحفيون كثر من الولايات المتحدة وإيطاليا وهولندا ودول أخرى، بعض الإعلام الأجنبي، كقناة الـBBC ، تحدثت عن "تضييع المنتخب الإسباني لثلاث ركلات ترجيحية"، في تغييب تام لاسم المنتخب الخصم الذي فاز باستحقاق بالتأهل للدور المقبل. بالنسبة لصحفيي الـBBC، فهذا مجرد فريق عربي إفريقي...! وإلا، فهل تحدثت الـBBC  بنفس اللغة عن إقصاء المنتخب الأسترالي بعد فوز خصمه البرتغالي؟ هل ألغت البرتغال من خريطة المونديال كما ألغت المغرب؟ بالتأكيد لا.. فالبرتغال ليست عربية ولا إفريقية، والمغرب ليس أوروبيا! عنصرية مقيتة مضمرة! 

- جميلة ومبهجة كانت الاحتفالات بتأهل المنتخب المغربي: فرحت البلدان الإفريقية لأن المغرب إفريقي، واحتفت بنا الدول العربية لأن المغرب ينتمي إليها. احتفت بنا الدول المغاربية للانتماء الموحد ثقافيا وجغرافيا. احتفى بنا أهل غزة ومغاربة تل أبيب.  ونحن في المغرب، كنا نعيش لحظة كالحلم...

- هل نحن عرب أم أمازيغ أم أفارقة؟ ولماذا علينا أن نختار؟ لماذا لا نكون كل هذا، بكل بساطة وغنى وجمال وتنوع؟

- السياسيون يعدوننا بالسعادة وبالإنجازات، ووليد الركراكي ينفذ، من قلب الملعب! "وزير السعادة" كما سمته مواقع التواصل عن جدارة. وليد الركراكي خلق الفرحة. عزز الإحساس بالانتماء كما لم يفعل ذلك أي سياسي. جعلنا نعيش الحلم المغربي. The Moroccan dream.... وليد الركراكي صنع ما لم يفعله مئات البرلمانيين والوزراء والأمناء العامون للأحزاب: وليد الركراكي، ومعه كل أعضاء المنتخب، صنعوا تلك الملحمة، وذلك الإحساس بالفخر وبالانتماء لوطن اسمه المغرب. فشكرا وليد الركراكي ومن معك. وسيييير أوليد!

==========================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).