Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة
رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة

محمد المحمود

لا علاقة لي بكرة القدم؛ لا من قريب ولا من بعيد. لم أتابع في حياتي مباراة واحدة؛ لا مهمة ولا غير مهمة؛ لا محلية ولا عالمية؛ وذلك أنها بكل صخبها الذي يُصِمّ الآذانَ؛ لم تَسْتثر اهتمامي ـ ولو بأدنى درجة من درجات الاستثارة ـ في يوم من الأيام.

قد يمرّ بي ـ عَرَضاً ـ مشهدٌ لِسِبَاق السيارات؛ فأتابعه لدقيقتين أو ثلاث، وقد يمرّ بي أحيانا مشهدٌ لِرياضة القفز، أو التزحلق على الجليد، أو حمل الأثقال؛ فأتابعه لخمس دقائق أو حتى عشر دقائق. ولكن، وفي كل مراحل عمري، لم يستسغ مزاجي متابعة كرة القدم، ولا منح أحداثها وأخبارها شيئا من نوافل الاهتمام.

هذا يعني ـ من جُملة ما يَعني ـ أن جهلي بكرة القدم، بقوانينها وبتنظيماتها وبأنديتها وبلاعبيها وبتاريخها، يكاد يكون جهلا تاما، بل هو الجهل التام. ورغم انعدام الاهتمام، ورغم ما أورثه هذا من جهل تام بها، إلا أن ثمة ما يُثيرني ـ أشدَّ الإثارة ـ في "ما وراء المشهد الكروي"، وتحديدا: في الاهتمام الجماهيري العميق والواسع بها لدى الأغلبية الساحقة من الناس، على اختلاف اهتماماتهم ومواقعهم وثقافاتهم، إلى درجة يتحوّل فيها هذا الاهتمام ـ عند كثيرين ـ إلى ما يشبه حالة عشق وهيام يُلْهِيهم عن فرائض المَهام.

طبعا، لا مفارقة هنا بين كون هذه الرياضة لا تستثيرني إطلاقا، وبين كون المشهد التفاعلي الجماهيري معها يستثيرني جدا. بل أعتقد أن عدم اهتمامي بها إطلاقا، هو بذاته ما يجعلني أندهش جدا من هذا الاهتمام الجماهيري المبالغ فيه حسب تقديري الخاص. فأنا هنا أرى "اللاَّطبيعي" فيما يراه غيري "طبيعيا"، أرى "غير مفهوم" فيما يراه غيري "مفهوما"، وربما لو كنت متابعا لهذه الرياضة، ومتفاعلا معها؛ لكان المشهد ـ في نظري ـ طبيعيا جدا، بحيث لا يُثير أي تساؤل، ولا يستحق التعليق عليه بحال.

عموما، ليس موضوع هذا المقال مقاربة ظاهرة الاهتمام الجماهيري اللاّطبيعي بكرة القدم (فهذا موضوع كتبت عنه عِدَّة حوارات في تويتر)، وإنما موضوعي هنا هو مشهد "الاتحاد الوجداني" بين كل الشعوب العربية؛ كما تجلى في الفرح بفوز منتخب المغرب على منتخب البرتغال. وإذا كنتُ كالعادة، لم أشَاهِد المباراة، فإنني قد شاهدتُ ـ مُنْدَهشا ومُتَحيّرا ـ رَدَّة فعلِ الجماهير العربية التي غمرتها الفرحة العارمة في ليلة عاصفة، وكأن كلَّ فَردٍ/ كلَّ فَرِحٍ من هؤلاء قد حقّق بنفسه ولنفسه أعظمَ إنجاز، وبلغ أقصى الأماني والأحلام.

ماذا يعني أن كل "عربي" في عالم العرب الواسع الممتد من المحيط غربا إلى الخليج شرقا، يشعرـ وبفرح غامر يصل حدّ البكاء أحيانا ـ أنه قد انتصر انتصارا حقيقيا في منافسة حاسمة؛ لمجرد أن منتخب المغرب فاز في مباراة رياضية عابرة؟ ما هو حَدّ الانتماء الذي شكّل بطانة هذا الشعور الطاغي؟ هل يستشعر الإنسان العربيُّ مستوى عاليا من الاتحاد الذي يربطه بشركاء اللغة، والتاريخ، والإرث الحضاري، وشركاء الدين في أغلب الأحوال؟ وإذا كان هذا الشعور يسكن الأعماق، وينفجر كالبركان في اللحظات الحاسمة؛ فلماذا يحضر في الرياضة ويضمر كثيرا في السياسية؟

في مقال الأسبوع الماضي، تحدّثتُ عن ثلاثة محاور وَهْميّة/ مُزَيَّفة، تُشَكِّل مرتكزات رؤية الإسلام السياسي، وكان منها محور: الوحدة الأممية، وهي الوحدة التي يزعم هذا النوع من الإسلام المؤدلج تَحقَّقها في الماضي، ويتطلع لتحقيقها في المستقبل. بينما هي/ الوحدة الأممية لم تتحقّق في يوم من الأيام. فالتاريخ يحكي أن العرب/ المسلمين منذ نشأتهم الأولى، ثم ظهورهم على مسرح التاريخ بالإسلام، لم يتحدوا إلا نادرا، وفي سنوات معدودة، استثنائية ظرفية عابرة، بينما بقية أيامهم على العكس منها، إذ كانوا فصائل مُتقاتلة، ودويلات مُتناحرة، وحتى إمبراطورياتهم المُتعاقبة التي يُفَاخِرون بها كثيرا، لم تكن إلا فضاءَ حروب أهلية، حروب متناسلة متواصلة؛ لا تهدأ إلا ريثما تنبعث من جديد.

إن هذا هو تاريخ العرب السياسي الذي كان مُقَسّما وصراعيا على الدوام. ولكن، مقابل هذا التاريخ، أو ـ بعبارة أدق ـ يَستقرّ في أعماق هذا التاريخ الصراعي التناحري تاريخٌ آخر، تاريخ ثقافي وَحْدودي، تاريخ كان ينمو باستمرار، ويتوحّد باستمرار، ويتوجّه ـ بمجموعه ـ إلى مستهدفات ثقافية، ودينية، وربما سياسية حالمة/ طوباوية، واحدة في أغلب الأحيان.

عندما كان سيف الدولة الحمداني في "حَلَب" مُنافسا/ مُخَاصِما لكافور الأخشيدي في "مصر"، كان المتنبي ينتقل من بلاط الأول إلى بلاط الثاني، وتصدح قصائده هنا وهناك، وتفهم الجماهير عنه هنا وهناك بلا فرق، وتترد في بغداد وما وراءها شرقا أصاء شوارده التي ينام عنها ملء جفونه؛ حتى تصل حركة التشرد التمردي به إلى عضد الدولة في شيراز/ جنوب إيران، فينشد قصائده التي سيردّدها بلاطُ المعز لدين الله الفاطمي في تونس (قبل انتقاله لمصر)، وسيتمنّى المُعِزّ لشاعره الخاص/ ابن هانئ الأندلسي أن يضارع المتنبي؛ لولا أن اخترمته المنون. وأيضا، عندما كتب الإمام مالك "الموطأ" في المدينة الحجازية المقدسة، كان رواجه الأعظم في الأندلس والمغرب، لا في جزيرة العرب وما جاورها. وعندما كتب سيبويه، الفارسي الأصل، العراقي الموطن، أعظمَ كتابٍ في النحو العربي، أي في لغة عرب الصحراء، كان هذا الكتاب محلَّ عناية نُحاة المغرب والأندلس شرحا وتعليقا وتدريسا. وينتقل اللغوي والأديب الكبير/ أبو علي القالي من العراق إلى الأندلس؛ فيخاطب تلاميذه/ جمهوره الجديد، وكأنه لا يزال يخاطب جماهيره في بغداد. ويُنْشد ابنُ زيدون نونيته الباكية في الأندلس، فتدمع لها العيون في بغداد ومكة ودمشق والقاهرة، بل لا تزال إلى اليوم من أغاني تلاميذ المدارس في المشرق العربي كله...إلخ.

هكذا تترحّل الكَلمات؛ وكأن الجميع في دولة واحدة، متصلة في التاريخ والجغرافيا والسياسية، بينما هم في دول متصارعة على امتداد التاريخ العربي/ الإسلامي الطويل، دول مُتحوّلة مُتقلّبة؛ بحيث لم يكن بعضها ينشأ إلا على أنقاض بعضها الآخر، في حالة افتراس دارويني دائم يُعِيد تدوير ملاحم العرب الأولى: البسوس وداحس والغبراء.

هنا يحق لنا أن نسأل ونتساءل: ما الثابت وما المُتحوّل عربيا؟ ما الذي يؤكد "وحدة العرب"، وما الذي ينفيها في الوقت نفسه؟ المعتصم، والمتوكل، والمأمون، وعبيدالله بن طاهر، وعضد الدولة، ونظام الملك، وكافور الأخشيدي، والمُعزّ، والحاكم بأمر الله، وعبد الرحمن الناصر، وابن تاشفين...إلخ، كانوا مظاهر عابرة على السطح/ المتحوّل؛ في مقابل الثابت: "إحياء" الغزالي، و"تهذيب" ابن عبد البر، و"موطأ" مالك، و"رسالة" الشافعي، و"مِلَل" البغدادي، و"تاريخ" الطبري، و"حيوان" الجاحظ، و"كامل" المبرد، و"عمدة" ابن رشيق، و"مَثَل" ابن الأثير، و"ألفية ابن مالك"، و"مغني" ابن هشام، و"مُزْهر" السيوطي، و"زُهر" الحصري، ودواوين الأعشى، والنابغة، وزهير، ولبيد، والفرزدق، وجرير، والأخطل، وبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، والمعري، وابن زيدون، وابن دراج، وابن هانئ، ولسان الدين بن الخطيب، وابن شهيد؟     

وفي الأخير، هل هذا "التوحّد العربي" الذي ظهر جليا في مشهد الفرح الجماهيري العربي بفوز منتخب المغرب يُعَبِّر عن حقيقة "الثابت الثقافي" الممتد أفقيا/ جغرافيا وعموديا/ تاريخيا، والذي يَجِد مُسْتَقرَّه في ثابتِ اللغة الواحدة؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا من هذا الفرز الثنائي بين السياسي والثقافي، في التاريخ كما في الراهن؟

======================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).