في أواخر يناير الماضي، أعلنت "بي بي" حصول تطورات في هذا المشروع الضخم،
تقاطرت العقود الغازية والنفطية على موريتانيا خلال السنوات الأخيرة- تعبيرية

تقاطرت العقود الغازية والنفطية من شركات الطاقة العالمية على الحكومة الموريتانية، خلال السنوات الأخيرة، وسط توقعات بأن يتحوّل البلد من مستورد إلى مُصدّر صافي للمحروقات التي تثقل - منذ عقود - كاهل ميزانية الدولة.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، انضمت شركة "قطر للطاقة" إلى عملاق النفط العالمي شركة "شل" لاستكشاف البترول بسواحل هذا البلد المغاربي، مقابل الحصول على حصة 40 في المئة من المشروع الجديد. 

وتتمتع "شل" بأغلبية 50 في المئة من الحصص بالمنطقة C10 البحرية، بينما ظلّ نصيب موريتانيا في حدود 10 في المئة.

ويأتي هذا توازياً مع تحضيرات رسمية لمرحلة الإنتاج الفعلي للغاز في مشاريع قائمة، مثل مشروع "السلحفاة - آحميم الكبير" للغاز الطبيعي المسال، الذي يقوده عملاق النفط البريطاني "بي بي"، والذي لا تتجاوز فيه أيضا حصص موريتانيا 10 في المئة. 

ويتساءل البعض عن العائدات الملموسة التي ستجنيها البلاد من هذه العقود، خاصة في ظل وضع الحصص الموريتانية "المتواضعة" بهذه المشاريع، وعن آثار تلك العائدات على دخل ومعيش المواطنين.

"عائدات معتبرة"

في هذا الصدد، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة نواكشوط، عبد الله ولد أواه، بأن هناك نمطين من العقود، أحدهما "استغلالي" والآخر "استكشافي"، مؤكدا أن العقود الأخيرة مع "شل" و"قطر للطاقة" تدخل ضمن الصنف الأخير، الذي "لن تظهر نتائجه إلا بعد أن تدخل المشاريع حيز الاستغلال الفعلي".

أما بالنسبة للعقود الاستغلالية، فتنحصر - وفق المتحدث نفسه - على "السلحفاة - آحميم الكبير"، مردفا أن موريتانيا لديها بالفعل "حصة أتوماتيكية" في هذا المشروع بعائدات 10 في المئة، لكن "هذه النسبة خالصة لا تضم فوائد اقتصادية أخرى ستعود بالنفع أيضا على الاقتصاد من ناحية تشغيل الطاقات المحلية المؤهلة وجباية الضرائب، والمساهمة بعقود مع الشركات المحلية".

وأضاف ولد أواه، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن العقد الاستغلالي الفعلي الذي سيدخل حيز التنفيذ هذا العام هو "آحميم"، وأن باقي العقود "مؤجلّة ولن نعرف أثرها بعد".

وفي أواخر يناير الماضي، أعلنت "بي بي" حصول تطورات في هذا المشروع الضخم، الذي تتقاسمه مع السنغال منذ أن وقّع البلدان في 2020 اتفاقية، في دكار، بعد سنوات من الخلاف.

واكتُشف الحقل عام 2016، ويعتبر أضخم حقل للغاز في غرب أفريقيا باحتياطات تصل إلى 450 مليار متر مكعب من الغاز المسال.

وفي هذا السياق، لفت ولد أواه إلى أن موريتانيا ستبدأ استخراج هذا الغاز في ديسمبر المقبل، وأن هناك تقديرات بأن تصل عائداته إلى ملياري دولار.

ووصف هذه العائدات المالية بـ"المعتبرة" لبلد مثل موريتانيا، الذي يقوم حالياً باستيراد معظم حاجياته الغازية من الخارج. 

وعاد ولد أواه ليؤكد أن هذه العائدات "مباشرة"، لكن البلد سيستفيد أيضا من عائدات "غير مباشرة، مثل الجبايات"، التي يمكن أن يكون أثرها أكبر على الاقتصاد الوطني. 

وقال إن هذه الأموال ستدخل خزينة البلاد بداء من 2024.

وتابع: "أنا متأكد أن موارد مالية معتبرة ستأتي من هذه العقود، يجب فقط فرض الحكامة اللازمة لصرفها بطريقة شفافة حتى تصل إلى عامة الشعب". 

وبدءا من العام المقبل، توقّع أن "تنعكس آثار معظم هذه الموارد على حياة المواطنين الموريتانيين شريطة ترشيد النفقات وضخها في قطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية". 

"ليست كافية"

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الموريتاني، أمم ول انفع، أن الحصص الموريتانية في هذه العقود "ليست كافية" لخلق أثر مباشر وسريع، لأن "مدونة المحروقات تسعى إلى منح إغراءات كبيرة للمستثمرين، لكن يأتي على حساب حصص الدولة الموريتانية".

غير أنه استدرك قائلا إن هذا الوضع لم تخلقه الحكومة، إنما هو وضع طبيعي لبلد يحاول استجلاب رؤوس الأموال الأجنبية "في ظل وضع سياسي غير مناسب ووضع اجتماعي هش، وغياب للبنى التحتية". 

ومضى قائلا "من أجل جلب الاستثمار لا يكفي أن يتمتع البلد بمؤشرات في مجال الغاز والنفط، إنما يحتاج بيئة سياسية مناسبة ووضعا اجتماعيا مستقرا وبنى اقتصادية مساعدة تُخفّض من تكاليف الإنتاج".

وتابع: "كلما توفرت هذه الظروف للمستثمر الأجنبي كلما كان البلد قادرا على فرض شروطه، وليس العكس".

ويرى المتحدث بأن "المستثمر الأجنبي هو الذي يفرض شروطه حالياً، لأن موريتانيا لا تتمتع بالظروف المناسبة للاستثمار"، وقال إن "هناك مخاطر في الدخول إلى موريتانيا، وهذا ما يجعل المستثمر الأجنبي يلجأ إلى طلب حصص عالية". 

وأردف: "بما أن الحكومة لا تمتلك موارد تستطيع الدخول بها كمستثمر مباشر لاستغلال ثرواتها، والقطاع الخاص لدينا تجاري بحت ولا يتمتع بعقلية استثمارية، فإن هذا يجعل موريتانيا تضطر إلى الذهاب في اتفاقيات تُحدد نسب لا ترقى إلى طموحات الرأي العام". 

وأضاف أن "الاستفادة الحقيقة لن تتحقق سوى بتوفر بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مناسبة تجعل موريتانيا في موقف قوي أثناء التفاوض مع الشركات الكبرى".

وبشأن الانعكاسات الإيجابية لهذه العقود على حياة الموريتانيين، قال "من أجل أن يتحقق ذلك بسرعة يجب أن تكون نسب موريتانيا في هذه المشاريع بحدود 30 في المئة أو 40 في المئة على الأقل، وليس 10 في المئة". 

ومن أجل المرور إلى هذه النسب، قال إنه "يجب إصلاح الاختلالات البنيوية والتشوهات الهيكلية في الجانب السياسي والاقتصادي". 

وخلص إلى القول إن "الأثر الربحي لمشاريع الغاز على المواطن ستكون بعيدة المدى، ليس بسبب اختلالات تسييرية، إنما بسبب وضع البلد بشكل عام". 

  • المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

عسكريون تونسيون في عملية إجلاء حطام طائرة تحطمت في وقت سابق
عسكريون تونسيون في عملية إجلاء حطام طائرة تحطمت في وقت سابق

شيّع تونسيون، بمشاركة رئيس أركان جيش الطيران، السبت، جنازة الطيار الرائد قيس الطيب الذي لقي مصرعه في سقوط مروحية بمحافظة قفصة جنوب غرب البلاد.

وجدت حادثة سقوط المروحية، الجمعة، أثناء مناورة الهبوط بالقاعدة الجوية بقفصة، ليتم نقل الطاقم المكون من عسكريين اثنين إلى المستشفى قبل أن يتم الإعلان عن وفاة أحدهما.

حوادث متكررة

وليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها تونس عن سقوط مروحيات عسكرية أسفرت عن مقتل عدد من الجنود والكوادر بجيش الطيران.

ففي7 يونيو من العام الفائت، لقي أربعة عسكريين مصرعهم إثر سقوط مروحيتهم في البحر قرب سواحل محافظ بنزرت، شمال البلاد.

وتطلبت عملية البحث عن جثث جميع القتلى في تلك الحادثة عدة أيام، قبل أن تعلن السلطات في 15 من الشهر ذاته انتشال جثة العسكري الرابع.

وفي أكتوبر 2021، أعلنت السلطات عن  مقتل 3 عسكريين في حادث تحطم مروحية للجيش أثناء تمرين ليلي في محافظة قابس جنوب البلاد.

كما تحتفظ ذاكرة التونسيين بعدد آخر من هذه الحوادث من ذلك سقوط مروحية عسكرية في منطقة بوفيشة بسوسة عام 2018  أسفر عن مقتل عسكري وإصابة آخرين.

وكان الرئيس قيس سعيد، قد أكد في خطاب سابق على "ضرورة تجديد العتاد العسكري لأن مثل هذه الحوادث... نتيجة لتآكل عدد من المعدات وهو ما أدى ولا زال إلى مثل هذه الفواجع".

رهان تجديد الأسطول العسكري 

يطرح تكرر هذه الحوادث أسئلة حول أسباب "بطء عمليات تجديد الأسطول العسكري التونسي خاصة في الجوانب المتعلقة منه بجيش الطيران".

إجابة على هذا السؤال، يقول المحلل السياسي عبد الجليل معالي إن "تكرر حوادث سقوط المروحيات العسكرية مرتبط بالأزمات الاقتصادية التي مرت بها تونس ما ساهم في عجز الدولة عن تحديث أسطولها العسكري المتقادم"، مشددا على "ارتفاع كلفة تحديث الأسطول خاصة مع تراجع قيمة العملة المحلية".

كما لفت معالي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إلى أن "تهالك المعدات العسكرية  يعود أيضا إلى أسباب تاريخية خصوصا في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان يراهن على الصحة والتعليم أكثر من رهانه على الجيش، وهو ما يفسر صغر نصيب وزارة الدفاع من ميزانية الدولة، مقارنة بما تحظى به وزارات أخرى".

وكان تقرير سابق لمركز "كارينغي" قد ذكر أنه "على عكس جيوش الدول المجاورة، كان الجيش في تونس تاريخيا ضعيفا من الناحيتين العسكرية والسياسية. فقد سعى الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس، إلى إفقاد الجيش التونسي القدرة على القيام بانقلاب ضدّه، بعد أن شهد موجة الانقلابات في مرحلة مابعد الاستقلال التي عجّت بها المنطقة في خمسينيات القرن الماضي".

تفسير تقني

من جهته، يقول الخبير العسكري علية العلاني في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن "الأمر ليس خاصا بتونس، فقد  شهدت معظم دول العالم المتقدم حوادث سقوط طائرات ومروحيات عسكرية"، مستدركا أن "ذلك لا ينفي تأثير الأزمة الاقتصادية على المقتنيات العسكرية في ظل سعي تونس لخفض العجز التجاري".

كما أشار إلى تأثير "تراجع المساعدات العسكرية الغربية التي كان من المفترض تعزيزها بدل خفضها أو تجميدها في مستويات سابقة تحت ضغط السياسيين الذين أثاروا القضايا الحقوقية والسياسية".

وفي يونيو 2023، حصلت تونس على أربع طائرات تدريب (تي 6 سي) من الولايات المتحدة الأميركية في إطار مساعيها لتحديث أسطولها العسكري الجوي.

وكان الرئيس سعيد قد دعا بمناسبة إحياء الذكرى الـ67  لانبعاث الجيش "المجموعة الوطنية  إلى أن تنخرط في برنامج متكامل لتطوير قدرات قواتنا المسلحة العسكرية بعد أن تمّ وضع مخطط لهذا التطوير يشمل العدة والعتاد".

 

المصدر: أصوات مغاربية