طوارق ليبيا
"الطوارق" سكان الصحراء الكبرى في أفريقيا

مع تركز الصراع السياسي في ليبيا بين أطرافه الرئيسية الحالية في شرق البلاد وغربها، ظل دور الجنوب الليبي غائباً على مدار العقد الأخير  على الأقل، بالرغم من حساسية موقعه ودفعه فاتورة باهضة للأزمة الحالية بحسب أبنائه. 

ويمثل الجنوب الليبي المعروف تاريخيا بإقليم "فزّان" ثلث المعادلة السياسية والجغرافية والديمغرافية للبلاد التي تأسست على أساس اتحاد الأقاليم التاريخية الثلاثة "برقة" في الشرق و"طرابلس" في الغرب و"فزان" في الجنوب.   

شريك أساسي

ويجمع أغلب الليبيين عن أن الجنوب، الذي يوصف بالمنسي، هو المنطقة الأقل حظوظاً فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك رغم مساحته الكبيرة وأهمية موقعه الاستراتيجي لأمن البلاد، كما أن صوت أبناءه لايكاد يسمع وسط صخب الأزمة التي تشهدها ليبيا منذ 2011.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب والمحلل السياسي من جنوب ليبيا، إبراهيم بلقاسم، إن إقليم فزان شريك أساسي في توحيد وتأسيس الدولة عند استقلالها في إطار "شبه اتفاق" على أن هذه الدولة دولة "مثالثة" في كل شي وهي "مثالثة شراكة وليست مثالة محاصصة"، بحسب تعبيره. 

 ويلفت بلقاسم في حديث لـ "أصوات مغاربية" إلى أن الجنوب الليبي هو اليوم بعيد عن دوره المفترض في القضايا الوطنية لعدة أسباب منها الصراعات بين الفاعلين هناك، والذي دفع ببعضهم لعقد تحالفات مع أطراف أحد المعسكرين السياسيين التقليديين في الشرق والغرب من أجل الحصول على مكاسب ضيقة.  

ونتيجة لذلك، يتابع بلقاسم، هناك مكونات اجتماعية جنوبية انقسمت على بعضها أو تصارعت مع مكونات أخرى من أجل نيل مكان في حالة "الاستقطاب الثنائي التقليدية" في ليبيا مما عقد الوضع بشكل أكبر بعد أن أصبح هؤلاء محسوبين على أطراف في صراع لا يمس قضيتهم المباشرة وهي الجنوب. 

أهمال وفساد وأزمة ديمغرافيا

ونالت مسألة حصول أبناء الجنوب على حقوقهم جانباً من تركيز المبعوث الأممي إلى ليبيا عبدالله باتيلي، الذي طالب في زيارة للمنطقة قبل يومين، بتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات الوطنية وتعزيز المصالحة والسلام  بتلك المنطقة.

وشدد باتيلي على ضرورة مشاركة "فزان" بشكل ملائم في أعمال إعادة البناء وضرورة أن يتمكن أبناؤها من "التمتع بالخيرات التي تزخر بها أرضهم وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً للتمتع الكامل بالمواطنة المتساوية"، بحسب تغريدة له على تويتر.

بدوره كان رئيس الحكومة الليبية الأسبق، علي زيدان، وهو من  أبناء الجنوب الليبي، عرج في تصريح أدلى به في وقت سابق هذا الشهر على أن إقليم فزان لم يشهد تطويراً حقيقياً منذ عهد المملكة الليبية في خمسينيات القرن الماضي. 

وألقى زيدان باللائمة في "دمار" البنية التحتية الحالية للجنوب على قيادات سابقة من فزان في العهدين الملكي وعهد معمر القذافي، إضافة للفساد الإداري والمالي المستشري في الفترة الحالية، بحسب تصريحاته.

ويرجع الكاتب إبراهيم بلقاسم أهمية التركيز على جنوب ليبيا إلى مسائل من أهمها أن الإقليم تقع فيه حقول النفط والغاز وتوجد به منابع النهر الصناعي، كما أنه يمثل العمق الإفريقي لليبيا.

هذه الأسباب وغيرها جعلت من الجنوب الليبي ، بحسب بلقاسم، "ملفاً ساخناً" محلياً، كما أنه كذلك بالنسبة لبعض الدول مثل فرنسا "التي  تستخدم أدوات سياسية فاعلة جداً من أجل تعزيز تواجدها في الجنوب". يضيف إلى ذلك أن الجنوب هو المنطقة الذي تتواجد فيه المرتزقة الذين ترسلهم بعض الدول إلى ليبيا. 

مكونات الجنوب الليبي 

ويتكون الجنوب الليبي من عدة مكونات عرقية تميزه عن غيره من بقية مناطق البلاد، أهمها الطوارق والتبو إضافة إلى مكون العرب سواء من سكان المجتمعات المحلية الذين يعرفون أيضاً بـ "الأهالي" أو ممن ينتمون لقبائل عربية كبيرة في الجنوب. 

ويصف بلقاسم  الجنوب الليبي بمكوناته المختلفة بأنه "أعرق وأجمل صورة للتعايش السلمي"  على مر السنين، لكن هذه الصورة أصبحت مهددة بسبب مشاكل ومعاناة كل مكون عرقي في الإقليم.

ويوضح اللمتحدث أن هناك مكونات "محرومة من حقوقها المدنية"  مثل الطوارق والتبو، إذ أن هناك أكثر من 150 ألف تارقي لم يحصلوا على حقوقهم المدنية الكاملة حتى الآن، ومن بينها الجنسية الليبية.

أما مكون "التبو" فإنه دخل في صراع مزدوج، الأول للمحافظة على هويته الليبية في مواجهة تبو آخرين من غير الليبيين، والثاني مع الدولة الليبية التي "يشيطن" بعض سياسييها المكون التباوي ويضيّقون عليه. 

ويتابع الكاتب الليبي أن "أوضاع التبو المدنية أسوأ من مثيلاتها لدى الطوارق الذين لديهم أرقام إدارية على الأقل (وهي أقل درجة من الأرقام الوطنية)، أما بالنسبة للبتو فلا يملكون تلك الأرقام، بحسب بلقاسم.  

وبخصوص العرب والأهالي فإن الإقليم، يرى بلقاسم أن يشعرون بأن دولتهم أصبحت "مخترقة" بسبب النازحين نحو الجنوب الليبي من دول إفريقية، وهو ما يهدد ديموغرافيا عدد من مدن الجنوب من بينها "مُرزق" التي  التي تركها سكانها من العرب أو الأهالي تماما الآن. 

 ويشير المتحدث إلى معضلة أخرى تتمثل في "موجات الهجرة غير الشرعية"، بسبب أن ليبيا بلد عبور وأن أغلب المهاجرين إليها يتدفقون عبر الحدود الجنوبية للبلاد بمئات الآلاف وبعضهم يبقى في الجنوب الليبي. 

 "إعادة إحياء فزان"

ورغم تعقد مشاكل الجنوب الليبي وتشعبها يرى بعض من المراقبين والمهتمين بالشأن العام في البلاد أن الفرصة مازالت سانحة لإعادته  إلى حاضنة الوطن وأن يلعب دوراً يتناسب مع أهميته وحجمه. 

وفي هذا الصدد دعا بلقاسم إلى "إعادة إحياء فزان" من خلال توفير خدمات حقيقية واستئناف المشاريع المتوقفة وعودة الأهالي لمناطقهم وحفظ الأمن، مؤكداً أن من شان ذلك أن يؤدي إلى نتائج  أخرى غير مباشرة منها التضييق على المرتزقة الذين استغلو حالة الفرقة والصراع الداخلي وتغلغلوا في جنوب ليبيا. 

وبخصوص المساواة في المشاركة السياسية، يشير بلقاسم إلى أن المحاصصة تكون تبعا للثقل السكاني لكل إقليم، إذ يتركز التكتل السكاني الأكبر في غرب البلاد ثم بعد ذلك في الشرق ثم في الجنوب وهو الأقل من حيث عدد السكان. 

ونوه المتحدث بحضور أبناء فزان في المشهد السياسي الحالي بالفعل وذلك من خلال عدة مناصب منها نواب الرؤساء في مجالس النواب والدولة والمجلس الرئاسي إضافة للحكومة. 

المصدر : أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

عسكريون تونسيون في عملية إجلاء حطام طائرة تحطمت في وقت سابق
عسكريون تونسيون في عملية إجلاء حطام طائرة تحطمت في وقت سابق

شيّع تونسيون، بمشاركة رئيس أركان جيش الطيران، السبت، جنازة الطيار الرائد قيس الطيب الذي لقي مصرعه في سقوط مروحية بمحافظة قفصة جنوب غرب البلاد.

وجدت حادثة سقوط المروحية، الجمعة، أثناء مناورة الهبوط بالقاعدة الجوية بقفصة، ليتم نقل الطاقم المكون من عسكريين اثنين إلى المستشفى قبل أن يتم الإعلان عن وفاة أحدهما.

حوادث متكررة

وليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها تونس عن سقوط مروحيات عسكرية أسفرت عن مقتل عدد من الجنود والكوادر بجيش الطيران.

ففي7 يونيو من العام الفائت، لقي أربعة عسكريين مصرعهم إثر سقوط مروحيتهم في البحر قرب سواحل محافظ بنزرت، شمال البلاد.

وتطلبت عملية البحث عن جثث جميع القتلى في تلك الحادثة عدة أيام، قبل أن تعلن السلطات في 15 من الشهر ذاته انتشال جثة العسكري الرابع.

وفي أكتوبر 2021، أعلنت السلطات عن  مقتل 3 عسكريين في حادث تحطم مروحية للجيش أثناء تمرين ليلي في محافظة قابس جنوب البلاد.

كما تحتفظ ذاكرة التونسيين بعدد آخر من هذه الحوادث من ذلك سقوط مروحية عسكرية في منطقة بوفيشة بسوسة عام 2018  أسفر عن مقتل عسكري وإصابة آخرين.

وكان الرئيس قيس سعيد، قد أكد في خطاب سابق على "ضرورة تجديد العتاد العسكري لأن مثل هذه الحوادث... نتيجة لتآكل عدد من المعدات وهو ما أدى ولا زال إلى مثل هذه الفواجع".

رهان تجديد الأسطول العسكري 

يطرح تكرر هذه الحوادث أسئلة حول أسباب "بطء عمليات تجديد الأسطول العسكري التونسي خاصة في الجوانب المتعلقة منه بجيش الطيران".

إجابة على هذا السؤال، يقول المحلل السياسي عبد الجليل معالي إن "تكرر حوادث سقوط المروحيات العسكرية مرتبط بالأزمات الاقتصادية التي مرت بها تونس ما ساهم في عجز الدولة عن تحديث أسطولها العسكري المتقادم"، مشددا على "ارتفاع كلفة تحديث الأسطول خاصة مع تراجع قيمة العملة المحلية".

كما لفت معالي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إلى أن "تهالك المعدات العسكرية  يعود أيضا إلى أسباب تاريخية خصوصا في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان يراهن على الصحة والتعليم أكثر من رهانه على الجيش، وهو ما يفسر صغر نصيب وزارة الدفاع من ميزانية الدولة، مقارنة بما تحظى به وزارات أخرى".

وكان تقرير سابق لمركز "كارينغي" قد ذكر أنه "على عكس جيوش الدول المجاورة، كان الجيش في تونس تاريخيا ضعيفا من الناحيتين العسكرية والسياسية. فقد سعى الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس، إلى إفقاد الجيش التونسي القدرة على القيام بانقلاب ضدّه، بعد أن شهد موجة الانقلابات في مرحلة مابعد الاستقلال التي عجّت بها المنطقة في خمسينيات القرن الماضي".

تفسير تقني

من جهته، يقول الخبير العسكري علية العلاني في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن "الأمر ليس خاصا بتونس، فقد  شهدت معظم دول العالم المتقدم حوادث سقوط طائرات ومروحيات عسكرية"، مستدركا أن "ذلك لا ينفي تأثير الأزمة الاقتصادية على المقتنيات العسكرية في ظل سعي تونس لخفض العجز التجاري".

كما أشار إلى تأثير "تراجع المساعدات العسكرية الغربية التي كان من المفترض تعزيزها بدل خفضها أو تجميدها في مستويات سابقة تحت ضغط السياسيين الذين أثاروا القضايا الحقوقية والسياسية".

وفي يونيو 2023، حصلت تونس على أربع طائرات تدريب (تي 6 سي) من الولايات المتحدة الأميركية في إطار مساعيها لتحديث أسطولها العسكري الجوي.

وكان الرئيس سعيد قد دعا بمناسبة إحياء الذكرى الـ67  لانبعاث الجيش "المجموعة الوطنية  إلى أن تنخرط في برنامج متكامل لتطوير قدرات قواتنا المسلحة العسكرية بعد أن تمّ وضع مخطط لهذا التطوير يشمل العدة والعتاد".

 

المصدر: أصوات مغاربية