متظاهرون تابعون لدار الإفتاء يطالبون الحكومة بتنحية رئيس هيئة الاوقاف في طرابلس
متظاهرون تابعون لدار الإفتاء يطالبون الحكومة بتنحية رئيس هيئة الاوقاف في طرابلس

تسبب الخلاف حول رؤية "هلال عيد الفطر" في ليبيا في تأجيج الصراع بين دار الإفتاء الليبية والهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في طرابلس، في مؤشر جديد على حدة التجاذبات التي امتدت من المجال السياسي إلى الساحة الدينية.

وتجسدت مظاهر الخلاف بين الطرفين في خروج مؤيدين لدار الإفتاء الثلاثاء الماضي في مظاهرة أمام مقر الحكومة الليبية في طرابلس، مطالبين بإقالة رئيس "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في طرابلس" محمد العباني.

وألقى المتظاهرون بياناً نددوا فيه بالعباني وبالمسؤولين عن هيئة الاوقاف متهمينهم بأنهم "متطرفون ومخالفون لمذهب البلاد"، وبأنهم "يتنكرون لعلمائها بل ويسبونهم ويشتمونهم على المنابر".

كما اتهم البيان المسؤولين عن هيئة الأوقاف بإثارة الفتن في المواسم والأعياد
وبـ"الولاء والطاعة للخارج وإقصاء أبناء البلد من علماء ومحفظين" وبإرضاء "دولة أجنبية" على حساب مصالح البلد.  

من جانبه هاجم سهيل الغرياني، نجل رئيس دار الإفتاء (غير المعترف به من سلطات شرق ليبيا) الصادق الغرياني، حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج، بوصفها  "أول حكومة بعد الثورة حاربت دار الإفتاء".

وقال الغرياني الإبن، الذي يشغل منصب مدير قناة "التناصح" التلفزيونية التابعة لدار الإفتاء،  إن حكومة الوحدة الوطنية الحالية في "امتحان"، مضيفاً في منشور على فيسبوك "هل ستسمح ببقاء موظف لديها على رأس هيئة أوقافها بقية عهد المفسد السراج ومن معه، ويمتهن سب شيوخ دار الإفتاء وعلماءها ويمسخ هوية البلد وهوية مساجدها على خلاف ما تعارف عليه أهل البلد؟".

أصل الخلاف

وتعليقا على تلك التطورات، يقول الباحث والناشط الليبي أحمد الساعدي إن "أزمة هلال العيد" كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بين دار الإفتاء التي يرأسها الصادق الغرياني، وهيئة الأوقاف، برئاسة محمد العباني، مشيراً إلى أن الصراع بينهما عميق ومبني على خلاف مذهبي في الأساس.

ويضيف الساعدي في حديث لـ "أصوات مغاربية" أن جوهر الخلاف الحقيقي يكمن في كون القيادات المسيطرة على هيئة الأوقاف الليبية في طرابلس منتمية للتيار السلفي "المدخلي"، بينما تحرص دار الإفتاء على إظهار تمسكها بالمذهب المالكي الذي تسير عليه ليبيا وسائر المنطقة المغاربية.

ويوضح أن دار الإفتاء ومؤيديها يتهمون رئيس هيئة الاوقاف في طرابلس، محمد العباني، بالتبعية لمشائخ السعودية خاصة مؤسسي وأتباع المذهب السلفي المدخلي (نسبة إلى الداعية المعروف ربيع المدخلي)، كما يتهمونهم بتأييد الحكام والعسكر.

ويتابع الساعدي "بينما يتهم أتباع السلفية المداخلية الشيخ الصادق الغرياني بأنه منتمٍ لجماعة الإخوان المسلمين وبتأييد أفكار سيد قطب".

ويرى أن محرك الخلاف بين الطرفين هو "النفوذ والسيطرة على مقاليد الفتوى والدعوة والشؤون الدينية في البلد." ويستدل على ذلك بخلاف الطرفين حول موعد العيد، إذ أيد غالبية "المداخلة" الإعلان عن رؤيا الهلال وأن العيد كان يوم الجمعة، بينما أصرت دار الإفتاء على موقفها بعدم الرؤية وأن الجمعة هو المتمم لرمضان.

وشهدت ساحة الشهداء بطرابلس جلبة وفوضى خلال صلاة عيد الفطر في 22 أبريل بسبب اعتراض مصلين على الإمام، بينما ذكرت مصادر أن المعترضين كانوا من مؤيدي دار الإفتاء والمفتي الصادق الغرياني وأن الإمام "المغضوب عليه" من اتباع للمذهب السلفي المدخلي ولكنه لم يكن مكلفاً من هيئة الأوقاف.

ولم تتحقق أصوت مغاربية من هذه المعلومة كما أن محاولاتنا التواصل مع هيئة الأوقاف ودار الإفتاء لم تكلل بالنجاح.  

وفي هذا الصدد يؤكد الساعدي وهو، باحث مستقل، أن بدايات الصراع بين كل من دار الإفتاء وهيئة الأوقاف في طرابلس تعود لموقف الطرفين من الحرب على طرابلس التي قادها المشير خليفة حفتر في 2019.

وتابع "أغلب السلفيين المداخلة مؤيدون لحفتر بينما يكن رئيس دار الإفتاء الصادق الغرياني عداءً علنيا ومستمراً لحفتر منذ حملته العسكرية على الجماعات المسلحة المتطرفة التي كانت مسيطرة في بنغازي ودرنة".

مدرسة مشرقية وأخرى مغاربية

وبينما يتمسك كل طرف ومؤيدوه بوجهة نظرهم، تتعالى بعض الأصوات بالدعوة لتخفيف حدة الخلاف من مشائخ ليبيين من بينهم الداعية الليبي المعروف ونيس المبروك الذي يرى أن  الخلاف القائم بين المؤسستين " قضية علمية منهجية".

ودعا المبروك في منشور على صفحته بفيسبوك من وصفهم بـ " الإخوة السلفيين في ليبيا خاصة وفي المغرب العربي عامة، وممن تأثر بالمدرسة الدينية في المملكة السعودية وغيرها، أن يتدارسوها بتجرد وموضوعية مع العلماء والفقهاء في ليبيا والمغرب.

وأوضح في موضوع آخر  أن "إقليمنا المغاربي - وليبيا جزء منه- قد استقر على حالة عامة في فهم الدين والتديّن به، منذ نهاية القرن الثاني للهجرة"، داعياً إلى التعامل مع ذلك "بموضوعية علمية متجردة، واستخدام الأدوات المنهجية في التشخيص والتحليل للوصول إلى فهم ما يحدث".

يذكر  أن مجلس النواب الليبي (مقره شرق البلاد) أصدر عام 2014 قرارا بحل دار الإفتاء الحالية في طرابلس وبالتحقيق مع رئيسها الصادق الغرياني، بينما تتبع الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية حكومة الوحدة الوطنية الحالية في طرابلس.

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

تقارير

في اليوم العالمي لمكافحتها.. هذه وضعية عمالة الأطفال بالدول المغاربية

12 يونيو 2024

يُحيي العالم الأربعاء (١٢ من يونيو) اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، تحت شعار "دعونا نتصرف وفقا لالتزاماتنا من أجل القضاء على عمالة الأطفال". 

وتأتي هذه المناسبة لتسليط الضوء على التحديات المستمرة والجهود المبذولة للقضاء على هذه الظاهرة المدمرة التي تُعيق نمو وتعليم وصحة الأطفال. 

وفقا لتقديرات منظمة العمل الدولية، فإن 160 مليون طفل ما زالوا يمارسون مهنا تحرمهم من حقوقهم الأساسية. 

وتحتل أفريقيا المرتبة الأولى من حيث نسبة الأطفال العاملين. ففي هذه المنطقة، يعمل واحد من كل خمسة أطفال، أي ما يعادل 72 مليون طفل، بينما يوجد نحو مليون طفل (3 في المئة من إجمالي الأطفال العاملين) داخل الدول العربية. 

رغم الإنجازات الملموسة التي حققتها الدول المغاربية في مكافحة عمل الأطفال، إلا أن هناك تحديات كبيرة تعترض جهودها في هذا المجال.

المغرب 

أعادت حادثة مقتل قاصر مغربي داخل وحدة صناعية في مدينة الدار البيضاء، في ديسمبر الماضي، الجدل حول عمالة الأطفال في المغرب والتزام أصحاب المصانع بتطبيق قوانين العمل وحماية الطفولة.

وكشفت بيانات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية) في الصيف الماضي، عن وجود ما يقارب 110 ألف طفل مغربي يعملون، وأن 60 في المئة منهم يمارسون أعمالا خطيرة.

ووفقا للمصدر نفسه، فإن 89 ألف أسرة مغربية معظمها تتمركز بالوسط القروي معنية بظاهرة تشغيل الأطفال، بحيث أكدت أن ما يعادل 48.4 في المائة من الأطفال المشتغلين ينحدرون من أسر يسيرها عاملون في الفلاحة، و17.1 في المائة يسيرها عمال يدويون، و20.7 في المائة يسيرها مستخدمون وتجار.

وتنص مدونة الشغل على عدم جواز تكليف الأطفال الذين لم يبلغوا سن الثامنة عشر بأداء الألعاب الخطرة أو الحركات البهلوانية أو الأعمال التي تشكل تهديداً على سلامتهم أو صحتهم أو قيمهم الأخلاقية، كما أنها تعاقب توظيف الأطفال الذين لم يبلغوا سن السادسة عشر بغرامة تتراوح بين 2500 و3000 دولار، وتتضاعف هذه الغرامة في حالة تكرار المخالفة.

الجزائر

تُؤكد السلطات الجزائرية التزامها التام بالقضاء على ظاهرة عمل الأطفال، مُشددة على أن نسبتها لا تتجاوز 0.001 في المئة، وهو رقم ضئيل للغاية.

وقد أكد وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، فيصل بن طالب، العام الماضي، أن ما تم تحقيقه في مجال مكافحة عمل الأطفال وحماية حقوقهم، يجعل الجزائر "نموذجا يحتذى به"، وفق ما نقلته الوكالة الرسمية. 

لكن أرقام وزارة العمل الأميركية بشأن الجزائر تشير إلى "تقدم ﺿﺌﯿل ﻓﻲ الجهود اﻟﺮاﻣﯿﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ أﺳﻮأ أﺷﻜﺎل ﻋﻤﺎﻟﺔ اﻷطﻔﺎل" في هذا البلد المغاربي، رغم إقرار ترسانة قانونية آخرها صياغة ﺗﺸﺮﯾﻊ جديد يحمي الأطفال من الاتجار في 2023. 

وأضافت: "ﯾﺘﻌﺮض اﻷطﻔﺎل ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ إﻟﻰ أﺳﻮأ أﺷﻜﺎل ﻋﻤﺎﻟﺔ اﻷطﻔﺎل ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻻﺳﺘﻐﻼل اﻟﺠﻨﺴﻲ اﻟﺘﺠﺎري، وﯾﺮﺟﻊ ذﻟﻚ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺣﯿﺎن للاتجار ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ واﻟﺘﺴﻮل اﻟﻘﺴﺮي. وﯾﺸﺎرك اﻷطﻔﺎل أﯾﻀﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﯿﻊ ﻓﻲ اﻟﺸﻮارع". 

وأشارت الوزارة الأميركية أن "اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺠﺰاﺋﺮي ﻻ ﯾﻔﺮض ﻋﻘﻮﺑﺎت ﻣﺘﺰاﯾﺪة ﻋﻠﻰ اﻧﺨﺮاط اﻷطﻔﺎل ﻓﻲ إﻧﺘﺎج أو ﺗﺠﺎرة اﻟﻤﺨﺪرات وﻻ ﯾﻘﻮم ﺑﺘﺼﻨﯿﻒ ذﻟﻚ ﻛﺠﺮﯾﻤﺔ ﻣﻨﻔﺼﻠﺔ"، كما أن سلطات التفتيش "لا تقوم ﺑﺎﻟﺘﺤﻘﯿﻖ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ أﻣﺎﻛﻦ اﻟﻌﻤﻞ، ﻣﺜﻞ اﻟﻤﻨﺎزل أو ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺒﻨﺎء ﻏﯿﺮ اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ، دون ﺷﻜﻮى، ﻣﺎ ﯾﺆدي إﻟﻰ ﻋﺪم اﻛﺘﺸﺎف ﺣﺎﻻت عمالة الأطفال".

تونس

وتسجل تونس أيضا استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال، إذ أكدت أرقام وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، العام الماضي، أن عدد الإشعارات المتعلقة بالاستغلال الاقتصادي للأطفال في تونس قد بلغ 468 حالة خلال عام 2022.

لكن المسح الوطني الذي أعده معهد الإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية رصد وجود 215 ألف طفل عامل في تونس، وهي آخر الأرقام المتوفرة عن الظاهرة على المستوى الوطني. 

حينها، أكدت السلطات أن عدد الأطفال العاملين يساوي 9.5 بالمائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة، وأن أكثر من 136 ألف منهم يشتغلون في مهن خطرة، أو في ظروف صعبة يمنعها القانون.

ويستأثر القطاع الزراعي، وفقا للمصدر ذاته، بالقسم الأكبر من عمالة الأطفال، إذ يشتغل فيه نحو 48.8 في المئة، مقابل 20.2 في المئة يشتغلون في مجال التجارة وتتوزع النسب الباقية على مجالات الصناعة والإنشاءات وغيرها.

وسعى البرلمان التونسي، بعد ثورة 2011، إلى الحدّ من عمالة الأطفال من خلال سنّ مجموعة من القوانين، كان أبرزها قانون الاتجار بالبشر الصادر في 3 أغسطس 2016، الذي يُجرم استغلال الأطفال اقتصاديا أو جنسيا أثناء عملهم. 

ليبيا

يعيش أكثر من ثلث أطفال ليبيا في فقر متعدد الأبعاد بحسب منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة (يونيسف)، كما أن أسرة واحدة من كل عشر أسر تعتمد على عمالة الأطفال من أجل العيش.

وفي وقت سابق، أكد بحث ميداني للجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا انتشار ظاهرة تسول الأطفال في طرابلس وضواحيها، مشيرا إلى أن التسول بالأطفال وتوظيفهم كباعة جائلين يشكل "انتهاكا" للتشريعات الوطنية والدولية، منتقدة كون هذه الممارسات تتم بحضور ذويهم.

وسبق للجنة الوطنية لحقوق الإنسان أن نبهت إلى تصاعد مؤشرات عمالة الأطفال في عدد من مناطق البلاد، بسبب الصراعات المسلحة التي أدت إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين من مناطقهم. 

وتعيش البلاد فراغا تشريعيا وغير المراقبة لظاهرة تشغيل الأطفال بسبب الانقسام الحكومي والأمني منذ الانتفاضة ضد النظام السابق في 2011. 

وليس التشغيل المشكل الوحيد الذي يواجهه الأطفال في البلاد، إنما أيضا ظاهرة الاختطاف والاعتداء الجسدي، إذ تفيد إحصائيات متداولة في الأوساط الإعلامية الليبية بأن "عدد الأطفال الذين خطفوا عام 2016  بلغ 8، وارتفع إلى 11 عام 2017، ثم تراجع إلى 6 عام 2018. وجميعهم عادوا إلى أسرهم بعد دفع أموال للعصابات الخاطفة".

موريتانيا 

تحاول موريتانيا تكثيف جهودها لمحاربة مختلف أشكال "العنف" الذي يتعرض له الأطفال من خلال برامج حكومية وبالتعاون مع جهات دولية، بينما يرى نشطاء أن الأطفال في البلاد مازالوا "الحلقة الأضعف" ولا يحظون بالاهتمام الكافي.

ووقعت وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة الموريتانية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الصيف الماضي، اتفاقية تعاون حول حماية الأطفال.

ويؤكد صندوق الأمم المتحدة للطفولة أن الفقر وعدم المساواة وسوء التغذية ومحدودية الوصول إلى الخدمات الجيدة ما تزال تؤثر على العديد من الأطفال في هذا البلد المغاربي.

وكانت أرقام صادرة عن اليونيسف تحدثت عن أنه في موريتانيا يعيش طفل من بين كل أربعة أطفال في فقر مدقع، كما يعاني 80 في المائة من الأطفال شكلاً واحدًا على الأقل من العنف.

ولا تتوفر أرقام رسمية بخصوص عمالة الأطفال في البلاد، لكن وزارة العمل الأميركية تؤكد بأنهم يقومون بمهام خطرة في مجالات الزراعة ورعي المواشي، وأن "الحكومة لم تبذل جهودا كافية لإنفاذ بعض القوانين ذات الصلة بأسوأ أشكال عمالة الأطفال".   

المصدر: أصوات مغاربية/ وسائل إعلام مغاربية