أمازيغ مغاربة خلال إحيائهم لرأس السنة الأمازيغية (2014)
أمازيغ مغاربة خلال إحيائهم لرأس السنة الأمازيغية (2014)

شهدت المسألة الأمازيغية بالمغرب تطورات مهمة خلال العقدين الماضين، بدأت بخطاب "أجدير" الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس عام 2001 وأكد فيه على أن النهوض بالأمازيغية "مسؤولية وطنية"، مرورا بدسترة اللغة الأمازيغية عام 2011 ووصولا إلى قرار ملكي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا وعطلة رسمية مؤدى عنها.

مرحلة "التجاهل"

وقبل تولي الملك محمد السادس حكم المغرب عام 1999، عاشت الأمازيغية "إقصاء" و"تهميشا" طيلة السنوات التي أعقبت استقلال المغرب (1956)، ولم تكن أبدا ضمن أولويات الحكومات المتعاقبة، بل كانت هذه الحكومات تعارض الأمازيغية ومأسستها، وفق المنظمات الحقوقية الأمازيغية.

ويبدو أن الأحداث السياسية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، كالصراع بين الملك الراحل الحسن الثاني وبعض معارضيه، وصولا إلى المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين على نظامه (1971 و1972)، جعلت الملك الراحل "يهمل" الأمازيغية، بل دفعته تلك الأحداث إلى "معاقبة الريفيين والمناطق الجبلية التابعة للأمازيغ بالتهميش لضلوع بعض قادة الجيش الأمازيغيين في تلك الأحداث"، وفق دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية عام 2017.

ومن أمثلة ذلك، استعمال النشطاء الأمازيغية لفظ "الثقافات الشعبية" عند الحديث عن المسألة الأمازيغية بالمغرب، واعتقال المفكر الأمازيغي علي صدقي أزايكو عام 1981 بعد مقال له بعنوان "في سبيل مفهوم حقيقي لثقافتنا الوطنية"، دعا فيه إلى إنصاف الأمازيغية وسجن بسببه لمدة عام بتهمة "المس بأمن الدولة"، ليصنف كأول معتقل سياسي أمازيغي في تاريخ البلاد.

وفي عام 1994، وخلال مشاركته في احتفالات فاتح ماي (عيد الشغل) بالراشيدية، رفع الناشط الأمازيغي علي إيكن لافتة "لا ديمقراطية بدون أمازيغية"، مكتوبة بحروف تيفيناغ، فاعتقلته السلطات إلى جانب نشطاء آخرين وحكمت عليه بالسجن عامين في إطار ما سمي حينها بمعتقلي جمعية "تليلي" (الحرية).

مع ذلك، يجمع نشطاء الحركة الأمازيغية بالمغرب أن تعامل الدولة المغربية مع المسألة الأمازيغية عرف انفتاحا بداية تسعينيات القرن الماضي، إذ أعلن الراحل الحسن الثاني عن إدراج "نشرة اللهجات الأمازيغية" لأول مرة في التلفزيون العمومي، لتنضاف للإذاعة الأمازيغية العمومية التي كانت تبث 12 ساعة بمعدل أربع ساعات يوميا لكل الروافد الثلاث (تاريفيت، تامازيغت وتاشلحيت) منذ 1974.

محمد السادس: دعم واعتراف 

بعد تولي محمد السادس مقاليد الحكم عام 1999، تغير حال الأمازيغية في السنوات الأولى من حكمه، لعل أبرزها خطابه التاريخي عام 2001 بمنطقة أجدير (وسط) التي تنحدر منها والدته، والذي أكد فيه على أن النهوض بالأمازيغية "مسؤولية وطنية"، وبأن جذورها "تمتد في أعماق تاريخ الشعب المغربي".

شكل ذلك الخطاب منعطفا هاما في تعامل الدولة المغربية مع الأمازيغية، وتلاه ظهير ملكي في السنة نفسها، أسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهي مؤسسة أكاديمية واستشارية، تعمل على تعزيز مكانة اللغة والثقافة الأمازيغيتين في المنظومة التربوية وفي الحياة العامة.

موازاة مع ذلك، زاد نشاط الجمعيات الحقوقية الأمازيغية ومكنت جهود المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من زيادة التأليف بالأمازيغية ومن تنظيم ورشات وندوات فكرية تتناول المسألة الأمازيغية بالمغرب دون "طابوهات".

تقرر في المرحلة نفسها، تدريس اللغة والثقافة الأمازيغتيين في المدارس الحكومية، مع الإشارة إلى استمرار التجاذبات بين الحركة الأمازيغية وبعض الأطراف السياسية منها على سبيل المثال "معركة الحرف" الشهيرة.

ويشير مصطلح "معركة الحرف" إلى النقاش الذي دار  في صفوف الحركة الأمازيغية التي كان نشطاؤها منقسمين إلى تيار دافع عن اعتماد الحرف اللاتيني وآخر طالب بكتابة اللغة الأمازيغية بحرف "تيفيناغ"، وبين تنظيمات سياسية طالبت باستخدام الحرف العربي.

انتهى الخلاف في 10 فبراير عام 2003 بعد تدخل ملكي أقر كتابة اللغة الأمازيغية بحرفها التاريخي "تيفيناغ"، في خطوة أظهرت من جديدة عزم النظام الجديد على القطع مع مرحلة "التجاهل" التي ميزت تعامل السلطات مع الأمازيغية خلال فترة حكم والده.

وفي عام 2010، أطلق المغرب أول قناة عمومية ناطقة باللغة الأمازيغية، في حدث آخر وصفته الحركة الأمازيغية بالمغرب بـ"التاريخي".

وفي عام 2011، وموازاة مع انطلاق حراك ما يعرف بـ"الربيع العربي"، أعلن العاهل المغربي الملك محمد السادس عن اعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربية، استجابة لمطالب الجمعيات الحقوقية الأمازيغية.
 


مع ذلك، ظل مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية والذي نص عليه الدستور حبيس البرلمان إلى حدود يونيو عام 2019، ما أخر تفعيل الدسترة لسنوات، وفق منظمات حقوقية.

ويحدد مشروع القانون كيفيات إدماج الأمازيغية في مجال التعليم والإعلام ومختلف مجالات الحياة العامة، بدءا بالتشريع والعمل البرلماني، مرورا بالإبداع الثقافي والفني، ووصولا إلى الإدارات وسائر المرافق والفضاءات العمومية ومجال التقاضي.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

المشهد الأمني في ليبيا يثير الكثير من الأسئلة في ظل حالة الانقسام السياسي
المشهد الأمني في ليبيا يثير الكثير من الأسئلة في ظل حالة الانقسام السياسي

عبرت هيئات حقوقية في ليبيا عن "ارتياحها" لقرار السلطات القضائية بالإفراج عن الصحافي أحمد السنوسي، أمس الأحد، بعد ساعات من الاعتقال.

وأثار القرار نقاشا جديدا في هذا البلد المغاربي حول مصير النشطاء والإعلاميين فضلا عن مسؤولين ينتسبون إلى نظام العقيد معمر القذافي، تم توقيفهم مراحل مختلفة خلال السنوات الماضية.

ويوم الخميس الماضي، أوقف جهاز الأمن الداخلي الإعلامي أحمد السنوسي، المتخصص في متابعة الملفات الاقتصادية، بعد نشره لمجموعة من المقالات تناولت موضوع الفساد في تسيير قطاعات تشرف عليها حكومة الوحدة الوطنية، وهو القرار الذي أثار استنكار منظمات حقوقية محلية وهيئات عالمية، من بينها الأمم المتحدة، قبل أن يتم الإفراج عنه.

وأثارت صحف ليبية قضايا مجموعة من النشطاء السياسيين في ليبيا جرى اعتقالهم في وقت سابق، وتساءلت عن خلفيات استمرار السلطات القضائية والأمنية في التحفظ عليهم في سجون مختلفة.

📌 " #مكتب_النـَائب_العَام ⚖️، يُصدر أمراً بالإفراج عن " الصحفي - أحمد السنوسي " منذ قليل . تُثمن الـمُؤسسَّةِ...

Posted by ‎المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا - Nihrl‎ on Sunday, July 14, 2024

وأشار موقع "بوابة الوسط" إلى حالة رئيس المجلس الأعلى لقبائل فزان، علي أبوسبيحة، المعتقل من قبل جهاز الأمن الداخلي بسبها، منذ شهر أبريل الماضي، إضافة إلى عضو هيئة صياغة الدستور، الشيخ الزين العربي الدردير، الموقوف في منطقة أوباري، نهاية شهر أبريل الماضي، حيث رجحت مصادر من عائلته أن يكون قد رحل إلى أحد السجون بمدينة بنغازي.

وينطبق الأمر كذلك على النشطاء السياسيين والإعلاميين فتحي البعجة، طارق البشري، سالم العريبي، ناصر الدعيسي، الذين اعتقلوا شهر أكتوبر من العام الماضي من طرف جهاز الأمن الداخلي ببنغازي.

تضارب في الأرقام

لا يوجد رقم رسمي يكشف العدد الحقيقي للمعتقلين في ليبيا، الذين لم تتم محاكمتهم إلى حد الساعة، وسط تضارب كبير في المعطيات حول هويتهم ومكان تواجدهم، خاصة ما تعلق بالنشطاء المحسوبين على النظام السياسي السابق.

وقال ممثل لجنة المجالس الاجتماعية لمتابعة ملفات المساجين السياسيين لقبائل ورفلة والقذاذفة والمقارحة وأولاد سليمان، عبد الله الزبيدة، في تصريح سابق لـ"أصوات مغاربية"،  إن "عدد السجناء السياسيين المحسوبين على نظام معمر القذافي يناهز في الظرف الحالي 200 فرد، العديد منهم لم تجر محاكمتهم، وبعضهم الآخر صدرت في حقهم أحكام دون أن يتمكنوا من الحضور إلى المحكمة".

بالمقابل، يؤكد أحمد حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، أن "إجمالي عدد النشطاء السياسيين والإعلاميين المعتقلين حاليا يناهز 19 شخصا فقط".

ويجري الحديث في الأوساط الحقوقية عن سجناء من جنسيات أجنبية جرى توقيفهم في مراحل سابقة، بتهم مختلفة مثل الإقامة بطريقة غير شرعية أو الانتساب إلى شبكات تنشط في مجال الهجرة غير النظامية، حيث تطرقت وسائل إعلامية، مؤخرا، لملفات مواطنين سوريين ومغاربة محتجزين في السجون الليبية.

ويقول حمزة في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "بغض النظر عن المتهمين في قضايا متعلقة بالهجرة، يوجد تعسف كبير من قبل بعض الأجهزة الأمنية في اعتقال نشطاء وإعلاميين بدون أي سند قانوني وجيه".

وأكد أن "الأغلبية من هؤلاء يتواجدون في منطقة بنغازي بعدما تم اعتقالهم من طرف جهاز الأمن الداخلي".

بين القضاء والأمن

وأضاف رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أن "أغلب التهم ترتبط بالنشاط السياسي والإعلامي لهؤلاء، ما يمثل خرقا واضحا للقانون الليبي الذي يوفر لهم كامل الحماية"، معتبرا أن "اعتقالهم يعتبر جريمة كبرى تعاقب عليها مختلف النصوص القانونية المحلية والدولية".

وأفادت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر شهر فبراير الماضي، بأنه "على مدار العام الماضي، أخضع جهاز الأمن الداخلي، الذي يتخذ من طرابلس مقرًا له، عشرات الرجال والنساء والأطفال لمجموعة من الانتهاكات، بما في ذلك الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب، ويواجه بعضهم عقوبة الإعدام".

وأضافت أن "تقاعس الحكومة الليبية عن التصدي لجرائم جهاز الأمن الداخلي الموثقة جيدًا بموجب القانون الدولي، بما في ذلك التعذيب والاختفاء القسري، قد شجع هذا الجهاز على ارتكاب المزيد من الانتهاكات، وأدى إلى حملة شرسة ومستمرة تخنق حرية الفكر والتعبير والمعتقد تحت غطاء ’حرّاس الفضيلة".

ويرى رئيس رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أن"مشكلة هذا البلد المغاربي تكمن حاليا في تغول الأجهزة الأمنية على السلطات القضائية، الأمر الذي يفتح المجال امام استمرار ارتكاب العديد من الانتهاكات في حق النشطاء السياسيين والإعلاميين".

ويعتبر المتحدث أن "الحل الوحيد لمشكل الاعتقالات في ليبيا يتمثل في تدويل هذا الملف وتحميل المجتمع الدولي مسؤوليته عما يجري من خروقات مستمرة في حق المواطنين والقانون ومختلف التشريعات الدولية والمحلية".

التدويل والمصالح

ولا تتفق آراء الحقوقيين حيال مسألة التدويل، حيث ترى بعض الأطراف أن القضاء المحلي "مؤهل للفصل في ملف المعتقلين"، في حين تربط جهات أخرى نجاح هذا المسعى بـ"لعبة المصالح" التي تتحكم في مواقف العديد من الدول، وفقهم.

وفي الصدد، يقولرئيس الائتلاف الليبي الأميركي، فيصل الفيتوري، إن "الاستناد إلى الخارج من أجل تعزيز قيم العدالة ونشر ثقافة القانون في ليبيا أمر معقول جدا، لكن نتائجه لن تكون مضمونة في جميع الأحوال، بالنظر إلى المصالح الاقتصادية التي تربط بعض الدول بليبيا".

وانتقد المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية" دور دول الاتحاد الأوروبي حيال موضوع حقوق الإنسان في ليبيا، مشددا على أن "سكوت العديد من الدول الأوروبية على ما يجري من انتهاكات في ليبيا يعود بالدرجة الأولى إلى محاولتها الحفاظ على مصالحها الاقتصادية".

وتابع الفيتوي "باستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي لم تتأخر في انتقاد ما يجري في ليبيا من انتهاكات، فإن الموقف الأوروبي يبدو متخاذلا بشكل كبير".

واعتبر رئيس الائتلاف الليبي الأميركي أن "السلطة في ليبيا تتعامل حاليا بمنطق الديكتاتوريات حيث تلجأ إلى استعمال الوسائل القمعية كلما شعرت بالتهديد حيال الحرية في التعبير وإبداء الرأي الآخر أو أي صوت ينتقد الأوضاع التي تمر بها البلاد".

 

  • المصدر: أصوات مغاربية