صورة للقذافي يقرأ الكتاب الأخضر - وكالة رويترز
"البيت لساكنه" كان تطبيقا أحد الشعارات التي رفعها القذافي منذ استيلائه على السلطة عام 1969

في 6 ماي 1978، صدر في ليبيا قانون عرف باسم "البيت لساكنه" وهي مقولة شهيرة وردت في "الكتاب الأخضر" للعقيد الليبي معمر القذافي، وبموجبه  جُرّد الكثير من الليبيين من أملاكهم وعقاراتهم وهو ما خلق شرخا اجتماعيا ما يزال قائماً حتى اليوم. 

وبحسب ذلك القانون (رقم 4) لم يكن مسموحا لأي ليبي بأن يمتلك أكثر من بيت واحد يسكنه أو قطعة أرض صغيرة يسمح ببناء مسكن فيها، وتبعا لذلك تم انتزاع آلاف العقارات من أصحابها وإعادة توزيعها بداعي تمكين المحتاجين من مساكن. 

خلفيات القانون 

وجاء القانون في ظاهره كتطبيق لأحد الشعارات التي رفعها القذافي بداية حكمه عام 1969، وهو "الاشتراكية" وكان من عواقبه فيما بعد اتخاذ إجراءات أدت إلى تقليص الملكية الفردية إلى حد بعيد، وعلى رأس تلك الإجراءات إصدار القانون المتعلق "بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالملكية العقارية - الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام"

 

ونصت المادة 3 من القانون على أن "تؤول للدولة ملكية المباني المعدة للسكن ولو كان استعمالها في غير هذا الغرض، وكذلك المباني غير المعدة للسكن ويستثنى مما تقدم ما يستعمله الملاك المواطنون لأغراض مهنهم أو حرفهم أو صناعتهم، كما تؤول للدولة ملكية الأراضي المعدة أو الصالحة للبناء وذلك بقصد إعادة تمليكها إلى المواطنين المستحقين".

وبالرغم من المبررات التي قدمها القذافي لإصدار ذلك القانون، فإن أكثر الليبيين يرون أن العدالة الاجتماعية لم تكن حقيقة الهدف من وراء إصدار ه، وإنما كان المراد هو خلق نوع من الفوضى في المجتمع وزيادة عدد مؤيدي النظام في مواجهة من يعارضون توجهه الاشتراكي آنذاك.  

ويصف حقوقيون قانون "البيت لساكنه" بأنه "من أخطر القوانين" التي أصدرها القذافي وأكثرها تأثيراً في المجتمع الليبي على المدى الطويل، بسبب استمرار آثاره السلبية دون أن تتمكن محاولات حكومات ما بعد 2011 من الوصول إلى حلول نهائية بخصوصه حتى اليوم.

وفي وصفه لآثار القانون المذكورـ يقول محمد المقريف، رئيس المؤتمر الوطني العام (أول برلمان بعد ثورة فبراير  2012 - 2014) إن أخطرها هو "تجرئة الليبيين على بعضهم البعض وتعدي بعضهم على أملاك البعض دون وجه حق".

ووصف الكاتب الأميركي، ماثيو غالتير ، في مقال بصحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" عام 2013، حجم الأضرار التي لحقت بالعائلات الليبية التي صودرت أملاكها بسبب ذلك القانون بالهائلة، مضيفاً أن عدد العائلات التي فقدت أملاكها بسبب قانون "البيت لساكنه" بلغت  80 ألف عائلة.  

محاولة فاشلة للتراجع 

ورغم تمسك القذافي حتى النهاية بالدفاع عن كل الإجراءات التي اتخذها طيلة فترة حكمه (1969-2011)، حاول نجله سيف الإسلام القذافي عام 2006 التخفيف من آثار القانون رقم 4 من خلال تشكيل لجنة لتعويض المتضريين منه، وذلك ضمن التسويق لمشروعه الإصلاحي التوريثي "ليبيا الغد".

وقامت تلك اللجنة باستلام نحو 25.000 ملف تعويض وتم البت في نحو 8.000 منها قبل اندلاع ثورة فبراير عام 2011.

وفي هذا الصدد يقول الباحث القانوني، سليمان إبراهيم، إن تلك التعويضات "لم تكن مجزية برأي الكثير من الملاك، وشهادة رئيس اللجنة ذاته، وهو ما أدى ببعض الملاك إلى رفض اللجوء إلى اللجنة أساسا أو قبول التعويض الذي قررته لاحقا".

وبعد ذلك شكلت لجنة أخرى، في إطار  ذات المشروع، انتهت إلى التوصية بإلغاء القانون رقم 4، بحسب مقال نشره الباحث  عام 2015، ويضيف فيه أن حجة تلك اللجنة كانت أن القانون "قد كان ضمن حزمة تشريعات عالجت حالات مؤقتة وظروفا آنية، وأن العمل بها انتهى بتحقيق أغراضها. وينبغي لذلك العودة إلى القواعد الراسخة في المعاملات كما قررها القانون المدني".

ويصف الكاتب تلك التوصية بـ "محاولة ذكية لإيجاد مخرج مشرف للنظام يستطيع من خلاله التخلص من القانون رقم 4، ومثيلاته من القوانين الثورية، ولكن النظام لم يتبنّ توصية اللجنة".

ويستخلص أن نظام القذافي لم يكن مستعداً على ما يبدو للوصول بمشروعه للإصلاحي إلى هذا الحد، "لم تكن مراجعات القانون رقم 4، إذن، كافية، وكان على الملاك السابقين انتظار تغيير حقيقي فتحت آفاقه ثورة فبراير".

المصالحة وجبر الضرر مابعد فبراير 2011

ومن بين أوائل القضايا التي أثيرت بعد سقوط نظام العقيد القذافي في عام 2011، كانت قضية المتضررين من قانون "البيت لساكنه" وشكل هؤلاء رابطات وتجمعات للضغط على الحكومات المتتالية من أجل رد المظالم وإيجاد حل لهم إما بالتعويض أو بإرجاع أملاكهم.

وأسس هؤلاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر معلومات عن أملاكهم التي يقولون أنها نهبت منهم وتوحيد جهودهم للمطالبة باستردادها، وفي المقابل يدافع قاطنون تلك العقارات عن أنفسهم بالقول إن القانون هو من سمح لهم ولآبائهم بالسكن فيها وأنهم يملكون أوراق ملكية ومستندات رسمية بذلك.

بدورها سعت حكومات ما بعد الثورة إلى إيجاد حلول للمتضررين من القانون رقم 4 كونه يمثل عائقاً أمام تحقيق المصالحة الوطنية في ليبيا بسبب عدد المتضررين منه.

وفي هذا السياق قامت حكومة "الوفاق الوطني" برئاسة فائز السراج في 2020 بتشكيل لجنة لرد أو تعويض المتضررين من القانون، كما نظمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قبل ذلك، عام 2018،  اجتماعاً بشأن العقارات والأراضي وحقوق الملكية في ليبيا وذلك في إطار مشروع "نحو مصالحة وطنية في ليبيا".

 على ذات المنوال قامت "حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة عبدالحميد الدبيبة، بإعادة تشكيل "اللجنة العليا للإشراف على رد أو استكمال التعويضات عن العقارات الخاضعة لأحكام القانون رقم 4 لسنة 1978".

وتعليقاً على الإجراءات المذكورة يرى الباحث القانوني الليبي سيف الدين أبوحماري، أن من أسمى مبادئ المصالحة الوطنية المزمعة في ليبيا اليوم هي مسألة جبر الضرر.

وأضاف في حديث مع "أصوات مغاربية" إن من أهم تجليات جبر الضرر المطلوبة اليوم هو إنصاف المتضررين من القانون رقم 4 لسنة 1978 الذي "اغتصب حقوقهم"، بحسب تعبيره.   

وتدل المحاولات المتكررة طيلة السنوات الماضية على استعصاء المشكلة وتعقيدها نظراً لتشكل "مراكز قانونية" كنتيجة لتطبيق القانون على مدى أكثر من 40 سنة، بحسب خبراء قانونيين. 

ومن بين الآثار القانونية، بحسب هؤلاء، إجراءات التمليك الرسمية والبيع لطرف ثالث وغيرها من مسائل من شأنها أن تصعب من إصدار أحكام قضائية بطرد المستفيدين من تلك العقارات التي استقر فيها معظمهم بموجب إجراءات سليمة.

المصدر : أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

الانتخابات الجزائرية
الانتخابات الجزائرية- تعبيرية

أعلن العقيد السابق في جهاز المخابرات الجزائرية، عبد الحميد العربي، الأربعاء، ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة شهر سبتمبر المقبل، مشيرا في منشور على صفحته بفيسبوك، إلى أنه قام بإيداع ملف ترشحه لدى السلطة الوطنية المستقلة الانتخابات كما قام بسحب الاستمارات.

وعبد الحميد العربي، هو واحد من الضباط السابقين القلائل في جهاز المخابرات الذي يتمتع بحضور قوي في المشهد السياسي والإعلامي بالجزائر، وعرف بدفاعه عن الطريقة التي تبناها القائد السابق للجيش الجزائري، القايد صالح في تسيير مرحلة ما بعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

تجارب سابقة

وأعاد ترشح العقيد السابق، عبد الحميد العربي،  لرئاسيات سبتمبر المقبل النقاش حول مشاركة شخصيات عسكرية  في عدد من المحطات الانتخابية التي عرفتها الجزائر.

ففي عام 1995 أعلن قائد الدرك الوطني السابق، العقيد أحمد بن شريف، نيته  خوض غمار رئاسيات تلك السنة، وبدوره أعلن الأمين العام الأسبق لوزارة الدفاع الجنرال رشيد بن يلس ترشحه في استحقاقات 2004.

وقد كان الجنرال المتقاعد والمسجون حاليا، علي غديري من أوائل من أعلنوا ترشحهم للانتخابات الرئاسية التي كانت  مقررة في شهر أبريل عام 2019 والتي تم تم إلغاؤها لاحقا تحت تأثير الحراك الشعبي الذي دفع الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى التخلي عن السلطة.

وحكم الجزائر ثلاثة رؤساء كانوا عسكريين في الأصل، وهم هواري بومدين (1965- 1978)، الشاذلي بن جديد (1979-1992) وليامين زروال (1999-1998).

"عامل محفز"

تعليقا على الموضوع، يقول النائب الأسبق لرئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة التشريعية السفلى) ، بن يوسف زواني، إن "الترشح للانتخابات الرئاسية في الجزائر هو حق مضمون بالنسبة لجميع الشخصيات التي تتوفر فيها الشروط الدستورية المطلوبة".

وتابع زواني موضحا في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "العسكريين مثلهم مثل باقي أطياف المجتمع الجزائري، أدوا ما عليهم من خدمات للدولة ومن حقهم المشاركة في العملية السياسية، فهم مواطنون جزائريون".

وأضاف "أية دولة في العالم تقوم على خبرات سياسية واقتصادية، لكنها تحتاج أيضا إلى كفاءات عسكرية ملمة بشكل جيد بقضايا الأمن والدفاع الوطنيين، وهو عامل يعد محفزا بالنسبة للعديد من الضباط المتقاعدين حتى يشاركوا في بناء الدولة من باب المشاركة في الرئاسيات".

"دعم الجيش"

من جانبه، يقول المحلل السياسي رابح لونيسي إن "منصب رئيس الجمهورية في الجزائر ليس منصبا عاديا، والوصول إليه لا يقترن بإعلان المشاركة في الانتخابات الرئاسية، بقدر ما هو مرتبط بعوامل تحددها تحالفات تقام في الصف الأول من النظام السياسي في البلاد".

وأضاف لونيسي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" "حاليا يحق لأي كان المشاركة في الاستحقاقات الرئاسية، لكن الذي يصل إلى قصر الجمهورية يجب أن يلقى دعما قويا من أكبر مؤسسة في البلاد وهي الجيش"، معتبرا في السياق أن "اللواء ليامين زروال لم يكن لينجح في انتخابات 1995 لو لم يلق الدعم المباشر والمطلوب من قيادة الجيش آنذاك".

في المقابل، يرى المتحدث ذاته أن "اللواء علي غديري لم يكن يتمتع بأية مساندة من طرف المؤسسة العسكرية في استحقاقات 2019، رغم كل ما قيل عن العلاقة الذي كانت تجمعه بمدير المخابرات السابق، الجنرال محمد مدين، المدعو توفيق".

  • المصدر: أصوات مغاربية