علاقات مضطربة بين الجزائر وفرنسا
التاريخ لايزال يحكم العلاقات بين الجزائر وباريس

عاد موضوع العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى واجهة الأحداث على خلفية التقرير الأوروبي الأخير حول وضعية الحريات والاتهامات التي وجهها إلى هذا البلد المغاربي بخصوص ممارسات التضييق على الصحافيين.

وقد أثار التقرير غضبا رسميا في الجزائر ترجمته "حرب البيانات" التي دخلت فيها جهات رسمية وشعبية أدانت جميعها ما تضمنه التقرير الأوروبي واعتبرته "تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة سيدة".

ولم تتردد السلطة الجزائرية في إخفاء انزعاجها من الموقف الفرنسي بخصوص بيان الاتحاد الأوروبي من خلال توجيه الاتهام إلى حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مما تعتبرها "حملة مقصودة موجهة ضد بلادها".

اتهامات مباشرة

وجاء في قصاصة نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية، لاحقا، إن "هذه الحملة الصادرة على ما يبدو من برلمانيي حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تدعو للتساؤل حول المغزى من هذا المسعى والعلاقات التي برغب هذا التوجه السياسي في بنائها مع الجزائر، فهذا الحزب الذي يرغب ظاهريا في تعزيز علاقاته مع الجزائر يضاعف من جهة أخرى الضربات الدنيئة لمسار بناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة، والواضح أنه لا يمكن بناء علاقة على أساس خطاب مزدوج".

ويأتي الاتهام الجزائري لنواب حزب الرئيس الفرنسي قبل أيام قليلة فقط من الزيارة الرسمية المتوقعة للرئيس عبد المجيد تبون إلى باريس منتصف شهر يونيو المقبل، ما دفع عدة أطراف للتساؤل عن تأثير "التشنج الجديد" الحاصل في العلاقات على هذا الحدث المنتظر، وهل سيعطل مجددا مشروع التقارب بين الطرفين.

ودخلت العلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا، خلال العامين الأخيرين، في جو مكهرب طغى بشكل كبير على التعاطي الدبلوماسي بين البلدين، وبدأ بعد التصريحات الشهيرة التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون وشكك خلالها في وجود "الأمة الجزائرية".

ولم يمض وقت طول على تسوية هذا الخلاف حتى ظهرت قضية جديدة، مؤخرا، تتعلق بملف الناشطة أميرة بوراوي التي سافرت عبر الأراضي التونسية إلى باريس، بطريقة غير قانونية، وفق التعبير الرسمي في الجزائر، الأمر الذي أعاد التوتر في العلاقات إلى الواجهة.

لوبي يتحرك

وحسب الأستاذ الجامعي والبرلماني السابق، إدريس فاضلي، فإن "ما صدر مؤخرا عن الاتحاد الأوروبي، مع إمكانية تورط طرف فرنسي نافذ فيه، جاء ليؤكد حالة الاضطرابات التي تعرفها العلاقات الفرنسية الجزائرية منذ أمد بعيد".

وقال المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "صحيح أن الطرفين حاولا ترميم العلاقات فيما بينهما في أكثر من مناسبة، ودفعا إلى فتح ورشات جديدة للتنسيق الثنائي، لكن لا شيء يوحي بإحراز تقدم كبير في هذا الجانب".

وتابع "الاتهامات الموجهة إلى حزب الرئيس إيمانويل ماكرون تحمل إشارة قوية إلى إصرار الطرف الجزائري على تحميل باريس مسؤولية ما وقع في الاتحاد الأوروبي، وهو أمر وارد جدا بالنظر إلى الدور الذي يلعبه تيار قوي في باريس كاره لأي تقارب جزائري فرنسي".

وسبق لرئيس المخابرات الفرنسية الأسبق، إيف بونيه، أن أكد في تصريح خاص بـ"أصوات مغاربية"، وجود "لوبي قوي داخل وزارة الخارجية الفرنسية يعمل على إفساد العلاقات بين الطرفين وعرقلة أي تطور قد يحصل بين الجزائر وباريس".

لكن فاضلي يشير إلى أن "العديد من الأطراف الأجنبية لا يخدمها وجود علاقات قوية بين الجزائر وفرنسا، من بينها بعض الدول العربية والأوروبية على خلفية مجموعة من المصالح".

وبخصوص تأثر الزيارة المرتقبة للرئيس الجزائري إلى باريس بالنظر إلى المعطيات الجديدة، استبعد المتحدث ذاته |إمكانية حدوث أي تغيير بخصوص هذا الحديث على اعتبار أن السلطات في الجزائر تدرك جيدا بأن عديد النواب المنتمين إلى التشكيلة السياسية للرئيس الفرنسي الحالي يخضعون لتأثيرات أخرى تفوق الإطار الحزبي".

استمرار "الابتزاز"

وبعيدا عن السياسة والدبلوماسية، شهد التبادل الاقتصادي بين الجزائر وفرنسا في السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا، خاصة في مرحلة ما بعد الحراك الشعبي، حيث قررت سلطات هذا البلد المغاربي تغيير وجهة شراكتها نحو بلدان أوربية أخرى مثل إيطاليا أو آسيوية مثل الصين وتركيا.

ويربط فاروق طيفور، الباحث الجامعي والعضو في المكتب السياسي لحركة المجتمع السلم، الحزب الإسلامي الجزائري، بين التورط الفرنسي في بيان الاتحاد الأوروبي وبين المتغيرات الكبيرة التي طرأت على خارطة التعاون الاقتصادي التي رسمتها الجزائر في السنوات الأخيرة، خاصة في شقها التجاري.

ويقول في الصدد "العديد من الدول، ومن بينها فرنسا، تأثرت بشكل كبير مع المعطيات التي قفزت إلى المشهد الاقتصادي العالمي خاصة مع التقدم الكبير الذي أحرزه القطب الجديد المتنامي في شرق آسيا، وهي الآن تحاول جاهدة لاستعادة دورها، أو على الأقل تحاول البحث عن وضع مستقر لحالها".

وأضاف في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "ما تقوم به فرنسا يدخل في هذا السياق، وهو نوع من الابتزاز الذي يسبق زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس شهر يونيو القادم".

وأكد المتحدث ذاته "مصدر الإشكال المطروح في العلاقة بين الطرفين هو وجود تيار نافذ يتصرف مع الجزائر بعقلية المستعمر القديم ويرى فيها وسيلة لتحقيق العديد من المصالح الاقتصادية والتجارية التي تضررت في السنوات الأخيرة".

انطلاقا من ذلك، يؤكد طيفور أن "الزيارة المرتقبة للرئيس الجزائري إلى فرنسا سوف لن تخرج عن إطار الرسميات ومحاولة لتطبيع العلاقة المتصدعة، كما أنها لن تكون بنفس عمق الزيارات والأنشطة الرسمية التي طبعت العلاقات بين البلدين في وقت سابق".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

  انضمت موريتانيا مطلع مارس الماضي لـ "منتدى الدول المصدرة للغاز" لتكون بذلك العضو الـ 13 في المنظمة بعد شهور من حصولها على صفة عضو مراقب.
انضمت موريتانيا مطلع مارس الماضي لـ "منتدى الدول المصدرة للغاز" لتكون بذلك العضو الـ 13 في المنظمة بعد شهور من حصولها على صفة عضو مراقب.

وقعت موريتانيا اتفاقية هامة مع شركة "تي جي إس" (TGS) النرويجية العملاقة، تهدف إلى تعزيز جهود البحث واستكشاف النفط والغاز في البلاد. 

وتُعزّز هذه الاتفاقية آمال موريتانيا في التحول إلى قطب نفطي إقليمي يُنافس كبار الدول المنتجة في شمال أفريقيا، بعد اكتشافات هامة لحقول بترولية جديدة في الجنوب.

ما الذي تُقدّمه الاتفاقية لموريتانيا؟

ووقعت الشركة الرائدة عالميًا في مجال بيانات الطاقة وأبحاث السوق، اتفاقية هامة مع وزارة البترول والمعادن والطاقة الموريتانية، وتهدف هذه الاتفاقية إلى دعم جهود الاستكشاف عن النفط والغاز في البلاد عبر "دمج وتعزيز وترخيص البيانات تحت السطح الإضافية"، وفق بيان صادر عن الشركة. 

ويُعدّ هذا الترخيص بمثابة إذن قانوني لاستخدام أو توزيع البيانات. 

وبمنح "تي جي إس" ترخيصا لبيانات إضافية تحت السطح، تُصبح الشركة قادرة على استخدام مجموعات بيانات جديدة أو مُوسّعة لم تكن متاحة لها سابقا، وقد يتضمن ذلك التفاوض مع أصحاب البيانات على شروط الاستخدام أو الحصول على بيانات جديدة من خلال جهود الاستكشاف والبحث.

وقالت الشركة النرويجية في بيان على موقعها الإلكتروني إن الاتفاق يفتح آفاقا واسعة أمامها لتوسيع نطاق بيانات الاستكشاف عن النفط والغاز في موريتانيا، حيث تشمل البيانات الجديدة مسوحات تغطي مساحات هائلة لفهم جيولوجية المنطقة.

وتشمل هذه البيانات مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد متقدمة توفر دقة عالية، بالإضافة إلى بيانات زلزالية ثنائية الأبعاد مكثفة تغطي مساحات كبيرة.

وتساهم هذه البيانات في تكوين صورة شاملة عن الطبقات الجوفية في موريتانيا، ممّا يُعزّز قدرة الشركة على تحديد مواقع محتملة لحقول النفط والغاز.

وفي السابق، اتجهت عمليات الاستكشاف البحري في موريتانيا بشكل رئيسي نحو حقول القنوات المغطاة بالملح في حقبة الحياة الحديثة، بعد اكتشاف حقل شنقيط الضخم عام 2001، وقد ساهم هذا الاكتشاف في تركيز جهود الحفر على مناطق مشابهة. 

ويشهد قطاع الاستكشاف في موريتانيا حاليا توسعا ملحوظا ليشمل مناطق جديدة ذات إمكانيات واعدة، مثل حقول رمال القنوات الطباشيرية. وتعود هذه الرواسب إلى العصر الطباشيري (منذ حوالي 145 إلى 66 مليون سنة) وتُثير اهتماما كبيرا لاحتمال احتوائها على احتياطيات ضخمة من النفط والغاز.

وفي هذا الصدد، يقول نائب الرئيس التنفيذي للعملاء المتعددين في "تي جي إس"، ديفيد هاجوفسكي، إن "موريتانيا تتمتع بإمكانات هيدروكربونية كبيرة، وستوفر مجموعات البيانات المهمة هذه رؤى شاملة تحت السطح، وتربط بين الآفاق المحفورة والمناطق غير المستكشفة مثل المياه العميقة". 

وأوضح هاجوفسكي أيضا أن دمج هذه البيانات مع قاعدة بيانات الشركة لحوض "أم أس جي بي سي" (MSGBC) سيُتيح إجراء تحليلات إقليمية شاملة، ممّا سيساعد على فهم توزيع الموارد الهيدروكربونية بشكل أفضل على طول الحوض.

ويُعدّ حوض MSGBC، المعروف أيضًا باسم حوض موريتانيا-السنغال-غامبيا-بيساو-كوناكري، منطقة جيولوجية هامة في غرب إفريقيا تمتد عبر موريتانيا والسنغال وغامبيا وغينيا بيساو وغينيا. 

ويكتسب هذا الحوض أهمية كبيرة لاحتوائه على موارد هيدروكربونية واعدة، ممّا يجعله وجهة رئيسية لأنشطة استكشاف النفط والغاز في المنطقة.

تحركات حكومية 

وتعمل الحكومة الموريتانية على تطوير قوانين الاستثمار في مجال الطاقة التقليدية والبديلة، بالإضافة إلى تشريعات أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب.

وتحاول الحكومة تقديم التسهيلات اللازمة للمستثمرين الأجانب، مثل الإعفاءات الضريبية وتوفير الأراضي والبنية التحتية.

وفي هذا الصدد، صادق مجلس الوزراء الموريتاني، خلال اجتماعه الأسبوعي الثلاثاء على مشروع قانون جديد حول الصناعات الاستخراجية والطاقية.

ويأتي هذا المشروع في ظلّ الأهمية المتزايدة لقطاعي الصناعات الاستخراجية والطاقة الهيدروجينية الخضراء في اقتصاد البلاد، حيث يسعى إلى تنويع الاقتصاد وخفض اعتماده على الموارد الطبيعية غير المتجددة.

وصادق مجلس الوزراء أيضا على مدونة الهيدروجين الأخضر.

تُشكّل هذه المدونة الجديدة إطارا قانونيًا وتنظيميا لجذب الاستثمارات اللازمة لتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر في البلاد. 

وتُعدّ هذه الخطوة الأولى لتنظيم الأنشطة الصناعية المختلفة في سلسلة قيمة الهيدروجين الأخضر، بدءًا من الإنتاج حتى الاستهلاك، بما في ذلك عمليات الاستخراج والتكرير، وفقا لبيان نشرته وزارة البترول والمعادن والطاقة عبر صفحتها على فيسبوك.

ويأتي هذا في ظل اهتمام متزايد من قبل المستثمرين الدوليين بإمكانيات الهيدروجين الأخضر في موريتانيا، نظرا لتوفر مقومات النجاح لهذا القطاع، مثل وفرة أشعة الشمس والمساحات الشاسعة. 

وتهدف مدونة الهيدروجين الأخضر إلى تعزيز ثقة هؤلاء المستثمرين وخلق بيئة جاذبة للاستثمار في مشاريع الهيدروجين الأخضر في هذا البلد المغاربي.

وكانت موريتانيا انضمت مطلع مارس الماضي لـ"منتدى الدول المصدرة للغاز" لتكون بذلك العضو الـ13 في المنظمة بعد شهور من حصولها على صفة عضو مراقب.

وتعمل البلاد منذ سنوات، لاستخراج الغاز من حقل "السلحفاة/ آحميم الكبير" المشترك مع السنغال (جنوب). 

ووصلت نسبة اكتمال الأشغال في المشروع الغازي نسبة 95 في المائة، بحسب بيان سابق لوزارة الطاقة والمعادن الموريتانية.

وتعقد الحكومة الموريتانية آمالا اقتصادية كبيرة على تصدير الغاز، إذ تتوقع أن يصل حجم التصدير خلال المرحلة الأولى لاستغلال الحقل إلى نحو 2.5 مليون طن سنويا، تشمل إنتاج البلدين، بينما سيتم تخصيص نحو 70 مليون قدم مكعب يوميا من الغاز للاستهلاك المحلي.

وتم اكتشاف هذا الحقل الذي أدخل موريتانيا نادي منتجي ومصدري الغاز عام 2016، ويعتبر أضخم حقل للغاز في غرب أفريقيا باحتياطات تصل إلى 450 مليار متر مكعب من الغاز المسال.

بجانب "آحميم" الذي يعتبر الحلقة الأولى في سلسلة مشاريع الغاز الموريتانية، تعول نواكشوط في إطار استراتيجيتها الطاقية المعلنة أواخر 2022، على حقل "بير الله" الذي تقدر احتياطاته بنحو 80 تريليون قدم مكعب لتعزيز مكانتها في سوق الدول المصدرة للغاز.

ويقع حقل "بير الله" على بعد 60 كلم عن "أحميم" ويتوقع أن يسهم في تحويل موريتانيا مستقبلا إلى إحدى الفاعلين الرئيسيين في سوق الغاز الدولية بعد اتخاذ القرار النهائي بشأن الاستثمار فيه عام 2025.

وفي هذا السياق، وقعت موريتانيا منتصف أبريل الماضي، عقدا لاستكشاف وإنتاج الغاز بالمقطع "باندا وتفت" من الحوض الساحلي للبلد مع شركة "غو غاز هولدينغ" الإماراتية المصرية.

ويقع "باندا"، على مسافة تقارب 60 كيلومتراً من العاصمة نواكشوط وسط المحيط الأطلسي، وتقدر إمكاناته بـ 1.2 تريليون قدم مكعب، وستخصص كميات منها لإنتاج الكهرباء وفقا لخطة تحويل الغاز إلى طاقة بحسب بيانات حكومية.

  • المصدر: أصوات مغاربية/ موقع شركة "تي جي إس" (TGS)