علما الجزائر والمغرب
علما الجزائر والمغرب

منذ أعلنت الجزائر عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع جارتها المغرب، شهر أغسطس 2021، دخلت العلاقات الثنائية بين الطرفين في نفق مظلم ارتفعت فيه نبرات التهديدات المتبادلة وسط مخاوف عديدة من أن ينجر الوضع إلى "حرب" بين الطرفين.

وتجدد الحديث عن الصراع "القديم الجديد" بين هذين البلدين المغاربيين في ذكرى التوقيع على بيان مشترك في 16 ماي 1988، تم على أساسه استئناف العلاقات الثانئية  بعد 12 سنة من الجفاء والقطيعة.

لكن قطار المصالحة بين الجارين المغاربيين توقف مجددا في صيف سنة 1994، عندما قررت الجزائر مرة أخرى غلق حدودها البرية مع جارتها الغربية على خلفية تفجير فندق "أطلس أسني" بمدينة مراكش المغربية، واتهام الرباط لبعض الأشخاص، من جنسية جزائرية، بالتورط في الحادث.

مساع للصلح..

ومنذ ذلك العهد، ظلت العلاقات تراوح مكانها دون أن يتمكن الطرفان من إذابة الجليد بينهما إلى غاية إعلان الجزائر، قبل حوالي عامين، عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مجددا مع الرباط.

وتجدد الحديث عن الخلاف بين بين البلدين مؤخرا، تزامنا مع الزيارة التي قادت، الأسبوع الماضي، وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان إلى الجزائر، حيث أشارت وسائل إعلامية إلى أن هدفها لا يتصل فقط بالتحضيرات الجارية للقمة العربية، ولكن أيضا بمحاولة تقريب وجهات النظر بين الرباط والجزائر.

ولم يصدر أي تصريح رسمي من الطرفين حول حقيقة ما تم تسريبه حول زيارة مسؤول الدبلوماسية السعودية إلى الجزائر، لكن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نفى في وقت سابق "وجود أي وساطة عربية في هذا الشأن"، مؤكدا أن "قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب جاء بهدف تجنب الحرب".

بحث عن الشرعية

وتختلف تفسيرات المتابعين للصراع الجزائري المغربي في تحديد أسبابه والتكهن بمستقبله في ظل تضارب وجهات النظر وتعدد التفسيرات للأحداث التي وقعت منذ بداية ستينات القرن الماضي.

ويتهم رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، المغربي رشيد لزرق، النظام الجزائري بالتسبب في  إطالة عمر هذه الأزمة من خلال البحث عن مسوغات ومبررات وهمية لا ترقى إلى درجة المنطق السياسي ولا التاريخي.

ويقول في تصريح لـ"أصوات مغاربية"،"المشكل مطروح في الجزائر وبالأخص عند القادة العسكريين المسيطرين على الحكم منذ الاستقلال، حيث سعوا دائما إلى تعكير صفو العلاقات مع المغرب في محاولة للبحث عن المشروعية التي يفتقدون إليها".

وأضاف "هذا التوجه  لا يعبر حتما عن إرادة شعبي البلدين الراغبين في إقامة علاقات قوية مبنية على أسس التعاون والتنسيق المشترك"، مشيرا إلى أن "أكبر شعبين مغاربيين يتشابهان في العادات والتقاليد والعديد من القصص التاريخية المشتركة هم الجزائريون والمغاربة".

ويعود الصراع بين الجزائر والمغرب إلى بداية الستينات، حيث انطلق بسبب خلافات حول الحدود، قبل أن يتطور ويتعمق أكثر بسبب ملف الصحراء الغربية منذ منتصف السبعينات إلى غاية الآن.

مشروع توسعي

لكن المحلل السياسي وأستاذ التاريخ بجامعة وهران، رابح لونيسي، يؤكد أن "صراع الجزائر والمغرب لم يظهر في سنوات  السبعينات بسبب قضية الصحراء الغربية، كما تدعي الرابط، بل يمتد إلى قرون خلت".

وأعطى المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، مثالا على ذلك بما "وقع للأمير عبد القادر قائد المقاومة الجزائرية ضد المستعمر في القرن ما قبل الماضي والحصار الذي فرضه عليه السلطان المغربي آنذاك قبل أن يأتي الهجوم الغادر الذي تعرضت له الجزائر في 1963 من طرف الجيش الملكي".

وأضاف لونسي "جهات في المغرب تتهم العسكر عندنا بالتسبب في هذا الوضع، لكنها تخفي الحقيقة المتعلقة بالمشروع التوسعي الجغرافي في المنطقة لتحقيق حلم المغرب الأقصى الكبير الذي يستهدف ضم جزء كبير من الأراضي الجزائرية والسنغالية".

"أمل معطل"

ويعتبر الصراع الجزائري المغربي من أقدم الخلافات الدبلوماسية في المنطقة الأفريقية والعربية حاليا، بحيث لم يجد طريقا إلى الحل بعد في وقت تتساءل فيه العديد من الجهات عن تأثيرات هذا الوضع على المنطقة المغاربية، وهل نحن فعلا أمام صراع أبدي أم توتر زائل؟

ردا على التساؤل يقول رشيد لزرق، "نحن أمام شبه صراع وهمي لا يقوم على أي مبرر سياسي أو تاريخي، ويتحمل مسؤوليته الأولى والأخيرة النظام القائم في الجزائر".

ويعتبر لزرق أن "الحل الوحيد لتعبيد الطريق أمام حل يجمع بين الدولتين والشعبين معا هو ضرورة حدوث انتقال ديمقراطي في نظام حكم البلد الجار ينتهي بتجريد العسكر من مقاليد الحكم".

وأضاف بأن "مقاربة السلطة المدنية لأي صراع في العالم تختلف كثيرا عن نظيراتها العسكرية التي عادة ما تفضل المشي بالسرعة الخامسة لتأزيم الأمور".

في المقابل يستبعد المحلل السياسي الجزائري  رابح لونيسي التوصل إلى حل شامل للصراع بين الطرفين "دون أن تقدم الرباط اعترافا رسميا بالحدود الموروثة عن المستعمر الفرنسي والتخلي نهائيا عن فكرة التوسع الجغرافي".

وقال في هذا الصدد "هذه الخطوة قد تزيل الكثير من العقبات وقد تدفع الطرف الجزائري إلى قبول وساطات جديدة والدخول في اتصالات من أجل الشروع في إعادذة بناء مغاربي على أسس صحيحة".

وأفاد المصدر ذاته "مشروع إنهاء الصراع الجزائري المغربي يرتبط أيضا بمتغيرات دولية تقوم بالدرجة الأولى على مصالح الدول الكبيرة المسيطرة على العلاقات الدولية والمؤثرة فيها".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

تقارير

في اليوم العالمي لمكافحتها.. هذه وضعية عمالة الأطفال بالدول المغاربية

12 يونيو 2024

يُحيي العالم الأربعاء (١٢ من يونيو) اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، تحت شعار "دعونا نتصرف وفقا لالتزاماتنا من أجل القضاء على عمالة الأطفال". 

وتأتي هذه المناسبة لتسليط الضوء على التحديات المستمرة والجهود المبذولة للقضاء على هذه الظاهرة المدمرة التي تُعيق نمو وتعليم وصحة الأطفال. 

وفقا لتقديرات منظمة العمل الدولية، فإن 160 مليون طفل ما زالوا يمارسون مهنا تحرمهم من حقوقهم الأساسية. 

وتحتل أفريقيا المرتبة الأولى من حيث نسبة الأطفال العاملين. ففي هذه المنطقة، يعمل واحد من كل خمسة أطفال، أي ما يعادل 72 مليون طفل، بينما يوجد نحو مليون طفل (3 في المئة من إجمالي الأطفال العاملين) داخل الدول العربية. 

رغم الإنجازات الملموسة التي حققتها الدول المغاربية في مكافحة عمل الأطفال، إلا أن هناك تحديات كبيرة تعترض جهودها في هذا المجال.

المغرب 

أعادت حادثة مقتل قاصر مغربي داخل وحدة صناعية في مدينة الدار البيضاء، في ديسمبر الماضي، الجدل حول عمالة الأطفال في المغرب والتزام أصحاب المصانع بتطبيق قوانين العمل وحماية الطفولة.

وكشفت بيانات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية) في الصيف الماضي، عن وجود ما يقارب 110 ألف طفل مغربي يعملون، وأن 60 في المئة منهم يمارسون أعمالا خطيرة.

ووفقا للمصدر نفسه، فإن 89 ألف أسرة مغربية معظمها تتمركز بالوسط القروي معنية بظاهرة تشغيل الأطفال، بحيث أكدت أن ما يعادل 48.4 في المائة من الأطفال المشتغلين ينحدرون من أسر يسيرها عاملون في الفلاحة، و17.1 في المائة يسيرها عمال يدويون، و20.7 في المائة يسيرها مستخدمون وتجار.

وتنص مدونة الشغل على عدم جواز تكليف الأطفال الذين لم يبلغوا سن الثامنة عشر بأداء الألعاب الخطرة أو الحركات البهلوانية أو الأعمال التي تشكل تهديداً على سلامتهم أو صحتهم أو قيمهم الأخلاقية، كما أنها تعاقب توظيف الأطفال الذين لم يبلغوا سن السادسة عشر بغرامة تتراوح بين 2500 و3000 دولار، وتتضاعف هذه الغرامة في حالة تكرار المخالفة.

الجزائر

تُؤكد السلطات الجزائرية التزامها التام بالقضاء على ظاهرة عمل الأطفال، مُشددة على أن نسبتها لا تتجاوز 0.001 في المئة، وهو رقم ضئيل للغاية.

وقد أكد وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، فيصل بن طالب، العام الماضي، أن ما تم تحقيقه في مجال مكافحة عمل الأطفال وحماية حقوقهم، يجعل الجزائر "نموذجا يحتذى به"، وفق ما نقلته الوكالة الرسمية. 

لكن أرقام وزارة العمل الأميركية بشأن الجزائر تشير إلى "تقدم ﺿﺌﯿل ﻓﻲ الجهود اﻟﺮاﻣﯿﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻀﺎء ﻋﻠﻰ أﺳﻮأ أﺷﻜﺎل ﻋﻤﺎﻟﺔ اﻷطﻔﺎل" في هذا البلد المغاربي، رغم إقرار ترسانة قانونية آخرها صياغة ﺗﺸﺮﯾﻊ جديد يحمي الأطفال من الاتجار في 2023. 

وأضافت: "ﯾﺘﻌﺮض اﻷطﻔﺎل ﻓﻲ اﻟﺠﺰاﺋﺮ إﻟﻰ أﺳﻮأ أﺷﻜﺎل ﻋﻤﺎﻟﺔ اﻷطﻔﺎل ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻻﺳﺘﻐﻼل اﻟﺠﻨﺴﻲ اﻟﺘﺠﺎري، وﯾﺮﺟﻊ ذﻟﻚ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺣﯿﺎن للاتجار ﺑﺎﻟﺒﺸﺮ واﻟﺘﺴﻮل اﻟﻘﺴﺮي. وﯾﺸﺎرك اﻷطﻔﺎل أﯾﻀﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﯿﻊ ﻓﻲ اﻟﺸﻮارع". 

وأشارت الوزارة الأميركية أن "اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﺠﺰاﺋﺮي ﻻ ﯾﻔﺮض ﻋﻘﻮﺑﺎت ﻣﺘﺰاﯾﺪة ﻋﻠﻰ اﻧﺨﺮاط اﻷطﻔﺎل ﻓﻲ إﻧﺘﺎج أو ﺗﺠﺎرة اﻟﻤﺨﺪرات وﻻ ﯾﻘﻮم ﺑﺘﺼﻨﯿﻒ ذﻟﻚ ﻛﺠﺮﯾﻤﺔ ﻣﻨﻔﺼﻠﺔ"، كما أن سلطات التفتيش "لا تقوم ﺑﺎﻟﺘﺤﻘﯿﻖ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ أﻣﺎﻛﻦ اﻟﻌﻤﻞ، ﻣﺜﻞ اﻟﻤﻨﺎزل أو ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺒﻨﺎء ﻏﯿﺮ اﻟﺮﺳﻤﯿﺔ، دون ﺷﻜﻮى، ﻣﺎ ﯾﺆدي إﻟﻰ ﻋﺪم اﻛﺘﺸﺎف ﺣﺎﻻت عمالة الأطفال".

تونس

وتسجل تونس أيضا استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال، إذ أكدت أرقام وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، العام الماضي، أن عدد الإشعارات المتعلقة بالاستغلال الاقتصادي للأطفال في تونس قد بلغ 468 حالة خلال عام 2022.

لكن المسح الوطني الذي أعده معهد الإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية رصد وجود 215 ألف طفل عامل في تونس، وهي آخر الأرقام المتوفرة عن الظاهرة على المستوى الوطني. 

حينها، أكدت السلطات أن عدد الأطفال العاملين يساوي 9.5 بالمائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة، وأن أكثر من 136 ألف منهم يشتغلون في مهن خطرة، أو في ظروف صعبة يمنعها القانون.

ويستأثر القطاع الزراعي، وفقا للمصدر ذاته، بالقسم الأكبر من عمالة الأطفال، إذ يشتغل فيه نحو 48.8 في المئة، مقابل 20.2 في المئة يشتغلون في مجال التجارة وتتوزع النسب الباقية على مجالات الصناعة والإنشاءات وغيرها.

وسعى البرلمان التونسي، بعد ثورة 2011، إلى الحدّ من عمالة الأطفال من خلال سنّ مجموعة من القوانين، كان أبرزها قانون الاتجار بالبشر الصادر في 3 أغسطس 2016، الذي يُجرم استغلال الأطفال اقتصاديا أو جنسيا أثناء عملهم. 

ليبيا

يعيش أكثر من ثلث أطفال ليبيا في فقر متعدد الأبعاد بحسب منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة (يونيسف)، كما أن أسرة واحدة من كل عشر أسر تعتمد على عمالة الأطفال من أجل العيش.

وفي وقت سابق، أكد بحث ميداني للجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا انتشار ظاهرة تسول الأطفال في طرابلس وضواحيها، مشيرا إلى أن التسول بالأطفال وتوظيفهم كباعة جائلين يشكل "انتهاكا" للتشريعات الوطنية والدولية، منتقدة كون هذه الممارسات تتم بحضور ذويهم.

وسبق للجنة الوطنية لحقوق الإنسان أن نبهت إلى تصاعد مؤشرات عمالة الأطفال في عدد من مناطق البلاد، بسبب الصراعات المسلحة التي أدت إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين من مناطقهم. 

وتعيش البلاد فراغا تشريعيا وغير المراقبة لظاهرة تشغيل الأطفال بسبب الانقسام الحكومي والأمني منذ الانتفاضة ضد النظام السابق في 2011. 

وليس التشغيل المشكل الوحيد الذي يواجهه الأطفال في البلاد، إنما أيضا ظاهرة الاختطاف والاعتداء الجسدي، إذ تفيد إحصائيات متداولة في الأوساط الإعلامية الليبية بأن "عدد الأطفال الذين خطفوا عام 2016  بلغ 8، وارتفع إلى 11 عام 2017، ثم تراجع إلى 6 عام 2018. وجميعهم عادوا إلى أسرهم بعد دفع أموال للعصابات الخاطفة".

موريتانيا 

تحاول موريتانيا تكثيف جهودها لمحاربة مختلف أشكال "العنف" الذي يتعرض له الأطفال من خلال برامج حكومية وبالتعاون مع جهات دولية، بينما يرى نشطاء أن الأطفال في البلاد مازالوا "الحلقة الأضعف" ولا يحظون بالاهتمام الكافي.

ووقعت وزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة الموريتانية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الصيف الماضي، اتفاقية تعاون حول حماية الأطفال.

ويؤكد صندوق الأمم المتحدة للطفولة أن الفقر وعدم المساواة وسوء التغذية ومحدودية الوصول إلى الخدمات الجيدة ما تزال تؤثر على العديد من الأطفال في هذا البلد المغاربي.

وكانت أرقام صادرة عن اليونيسف تحدثت عن أنه في موريتانيا يعيش طفل من بين كل أربعة أطفال في فقر مدقع، كما يعاني 80 في المائة من الأطفال شكلاً واحدًا على الأقل من العنف.

ولا تتوفر أرقام رسمية بخصوص عمالة الأطفال في البلاد، لكن وزارة العمل الأميركية تؤكد بأنهم يقومون بمهام خطرة في مجالات الزراعة ورعي المواشي، وأن "الحكومة لم تبذل جهودا كافية لإنفاذ بعض القوانين ذات الصلة بأسوأ أشكال عمالة الأطفال".   

المصدر: أصوات مغاربية/ وسائل إعلام مغاربية