جانب من أحد حقول النفط الليبية
جانب من أحد حقول النفط الليبية

تتزايد مخاوف بعض الأطراف ليبية من الاعتماد المفرط لمؤسسات الدولة على عائدات النفط من أجل تسيير اقتصاد البلاد، خاصة بعد التحذيرات الأخيرة التي أطلقها البنك الدولي وأكد خلالها أن الوضع "أضحى يشكل خطرا مستقبليا على هذا البلد المغاربي".

وقد تزايدت في الآونة الأخيرة نداءات أطلقها مختصون تدعو إلى ضرورة تنويع الاقتصاد الليبي تمهيدا للخروج من التبعية المطلقة لقطاع الطاقة، المحفوف حسبهم بالعديد من المخاطر

وأكد تقرير حديث صادر عن البنك الدولي أن "الاقتصاد الليبي سيستمر في الاعتماد الكامل على مصادر الطاقة الأحفورية، وخاصة النفط في المستقبل المنظور".

تحذيرات دولية

وأشار المصدر ذاته إلى أن الأمر يشكل خطرا حقيقا على الوضع المالي لليبيا، خاصة "في حالة انخفاض الأسعار، أو تجدد الصراع، أو الاضطرابات الاجتماعية الداخلية، وتحول العالم لمصادر الطاقة المتجددة". 

وفي شهر أكتوبر الماضي أعلنت ليبيا عن استئنافها إنتاج النفط الخام في عدة حقول بعدما تم  رفع حالة القوة القاهرة عن صادرات النفط شهر سبتمبر 2022.

ووضعت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا خطة تهدف إلى إنتاج 1.2 مليون برميل يوميا، وهي نفسها الخطة التي كانت معتمدة قبل فرض حالة القوة القاهرة على الصادرات.

لكن تقرير البنك الدولى حرص على دعوة المسؤولين في ليبيا إلى "تنويع مداخيل خزينة الدولة بعيداً عن الهيدروكربونات مع وتعزيز نمو أقوى وأكثر شمولاً بقيادة القطاع الخاص".

وقال المحلل الاقتصادي، وحيد الجبو، إن "التقرير تضمن العديد من الجزئيات المطابقة للوضع الاقتصادي العام في ليبيا وتعبر بدقة عن الطريقة التي تدار بها الشؤون المالية عندنا".

وأكد، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "النفط يشكل حوالي 94 بالمائة من مداخيل الخزينة العمومية في الظرف الحالي، وهو أمر غير مقبول بكل المقاييس على خلفية ما يتوفر عليه هذا البلد من إمكانيات كبيرة".

مؤشرات إيجابية.. ولكن!

ورغم ظروف الحرب والأزمة السياسية التي تعيشها ليبيا منذ سنة 2011، إلا أن البنك البنك الدولي أبرز العديد من المؤشرات المالية الإيجابية استطاعت تحقيقها في الآونة الأخيرة، بسبب عودة نشاط الإنتاج النفطي ورفع الحظر عن الصادرات من المحروقات.

وتوقعت المؤسسة المالية الدولية تسجيل نمو في نشاط إنتاج الهيدروكربونات في ليبيا بحوالي 15 بالمائة في عام 2023 بعد زيادة إنتاج النفط من مليون برميل يومياً في عام 2022 إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً في 2023.

وأفاد الصندوق بأن مصرف ليبيا المركزي تمكن من الاحتفاظ بمخزون كبير من الاحتياطيات الدولية، مدعوماً بمزيج من سعر الصرف الثابت، وضوابط رأس المال، والعديد من الترتيبات المؤقتة الأخرى، مؤكدا  أن انتعاش أسعار النفط واستئناف الإنتاج أديا إلى حدوث فوائض في الميزانية والحساب الحالي في كل من 2021 و2022، بينما ظل الناتج المحلي الإجمالي متقلباً لاعتماده على النفط.

قراءات مستقبلية

ولم تغلق القراءات الإيجابية للوضع الاقتصادي العام في ليبيا، حاليا، الباب أمام الانتقادات التي يوجهها مختصون إلى المسؤولين الحاليين على خلفية "عدم اتخاذهم لمجموعة من الاحتياطات التي من شأنها إنقاذ اقتصاديات البلاد والمحافظة على الأجيال القادمة".

وفي الصدد أشار المحلل الاقتصادي، وحيد الجبو، إلى "مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية باتت تشكل خطرا كبيرا على البلاد في حال لم تبادر الأجهزة التنفيذية إلى وضع خطة استعجالية من أجل تصحيح الكثير من الأمور"

وأفاد الجبو، في مكالمة هاتفية مع "أصوات مغاربية"، بأن "الوضع الحالي حول البلاد إلى محطة استهلاكية كبرى بسبب تراجع نشاط الانتاج واعتماد المواطنين على النفط".

وتابع المتحدث "تجارب دولية عديدة كشفت تحول جذري في عقول المسؤولين والحكومات نحو الطاقات البديلة لأنهن يدركون حتمية زوال ثورة النفط خلال السنوات القادمة".

وأوضع المتحدث ذاته بأن "ارتباط الاقتصاد الليبي بالنفط مهدد بعوامل آنية يأتي على رأسها الصراع الدائر بين المليشيات حول الحقول المخصصة للإنتاج، وكذا الانقسام السياسي الحاصل بين مختلف الأجسام، ناهيك عن عدم استقرار أسعار النفط في السوق الدولية".

وقال المحلل الاقتصادي إن "الحل الأمثل لليبيا الآن هو التوجه عن اقتصاد بديل يقوم على موارد غنية أخرى تزخر بها البلاد في مجالات أخرى، مثل الزراعة، الصناعة والسياحة"، مشددا على "ضرورة الاعتماد على القطاع الخاص في هذا التحول لأنه يشكل قيمة مضافة حقيقية لاقتصاد البلاد".

 

المصدر: أصوات مغاربية

 

مواضيع ذات صلة

عقيلة صالح (يمين) الدبيبة (يسار)
عقيلة صالح (يمين) الدبيبة (يسار)

أعلن رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، تأييده التام لما جاء في بيان اجتماع أعضاء مجلس النواب (بنغازي) والمجلس الأعلى للدولة (طرابلس) الذي انعقد في القاهرة الخميس، واضفا إياه بـ"الخطوة الإيجابية على الاتجاه الصحيح" نحو حل الأزمة السياسية في ليبيا.

وأكد صالح على التزام مجلس النواب بتنفيذ مضامين البيان، مُشددا على "البدء في إجراءات تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة وفقا للإعلان الدستوري وتعديلاته".

وتوصّل أعضاء مجلسي النواب والدولة الليبيين، خلال اجتماعهم في العاصمة المصرية إلى اتفاق يقضي بتشكيل "حكومة كفاءات"، وتكليف مجلس النواب بالإعلان عن فتح باب الترشح لمنصب رئيس الحكومة، مع تحديد موعد نهائي لتلقي طلبات الترشح والتزكيات.

ويؤكد محللون أن الحماسة التي تلقى بها مجلس النواب وجزء من أعضاء مجلس الدولة مخرجات اتفاق القاهرة يقابلها تمنّع من جانب رئيس حكومة "الوحدة الوطنية" في طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، الذي عبر مرارا عن رفضه تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة، بينما يؤكد آخرون ألا شرعية أصلاً لدى المجلسين في إقرار حكومة ثالثة في البلاد. 

"بحاحة لتوافق واسع"

وفي هذا السياق، يشدد المحلل السياسي الليبي، إبراهيم بلقاسم، على "ضرورة حصول توافق شامل وحقيقي من كافة الأطراف الفاعلة في ليبيا، قبل الشروع في أيّ مسعى لتغيير السلطة التنفيذية".

ويرى بلقاسم أن حكومة الوحدة الوطنية قد تشكلت بناء على توافق رعته الأمم المتحدة في مؤتمر جنيف، مُنبهاً إلى أن مجلسي النواب والدولة "لا يمثلان هذا التوافق المنشود، بل أن مجلس النواب بات طرفا قوياً في الصراع الدائر".

ويضيف المحلل الليبي، في حديث مع "أصوات مغاربية"، أن خطوة المجلسين الآن ستكون شبيهة بالخطوة الماضية عندما منح مجلس النواب بالإجماع الثقة لحكومة فتحي باشاغا في مطلع مارس 2022، التي يتولى اليوم رئاستها أسامة حماد، و"هذه الخطوة لم يعترف بها العالم، وأي خطوة جديدة ستلقى نفس المصير". 

ويوضح بلقاسم أن "تغيير الحكومة ليس حلاً سحريا، بل هو خطوة ضمن مسار أوسع للإصلاح السياسي يتضمن - أولاً وقبل كل شيء - ضرورة معالجة القواعد والقوانين الانتخابية لضمان انتخابات عادلة ونزيهة، ما يُشكّل شرطا أساسيا لإرساء الاستقرار". 

ويرجّح بلقاسم أن تواجه خطوة تغيير الحكومة معارضة من الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، على الرغم من إصرار بعض أعضاء مجلس تكالة على تشكيل حكومة بديلة، مردفا "اجتماع القاهرة لن يغير الواقع السياسي قيد أنملة". 

ويعرب بلقاسم عن استغرابه مما وصفها بـ"ازدواجية معايير مجلس النواب، ففي حين يتعاونون بسلاسة مع مجلس الدولة عندما يتعلق الأمر بتغيير خصومهم السياسيين مثل عبد الحميد الدبيبة، ينكرون وجود المجلس تماما أو يتجاهلون الحوار معه عند الحديث عن قوانين الانتخابات أو الميزانية".

أهمية "الضغط الدولي"

في المقابل، يشير الخبير في الشؤون الليبية، أحمد المهداوي، إلى أن "رفض عبد الحميد الدبيبة تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة أصبح أمراً واضحاً ومعروفاً للجميع"، موضحاً أن "تعنت الدبيبة ورفضه المستميت أدى إلى نزاع مسلح عندما عين البرلمان قبل ثلاث سنوات حكومة باشاغا بديلاً عن حكومته".

لكن المهداوي يؤكد أن "المجتمع الدولي مُطالب بالضغط على الدبيبة لتسليم السلطة، خصوصا وأن كل الأصوات الدولية أصبحت تنادي بضرورة تشكيل حكومة موحدة، وفق ما نص عليه عليها التعديل الثالث عشر، لأن هذه الحكومة هي التي ستشرف على الانتخابات". 

وتابع: "ما لم تكن هناك إرادة دولية جادة لتشكيل حكومة كفاءات موحدة فإننا سنكون أمام انقسام من نوع آخر، أي تغيير حكومة أسامة حماد في الشرق فقط، بينما يبقى الدبيبة عصياً عن التغيير".

ويعتبر المهداوي أن "المفوضية العليا للانتخابات صنفت الدبيبة، في وقت سابق، بأنه أحد عناصر القوة القاهرة التي أفشلت انتخابات 24 ديسمبر 2021، وهذا الأمر سيتكرر من دون وجود ضغوطات دولية لإزاحة الرجل من السلطة".

وردا على اتهامات لمجلس النواب بـ"النفاق السياسي" و"فقدان المشروعية"، يقول الخبير الليبي إن "جميع الأجسام السياسية الليبية انتهت ولايتها ولا تملك شرعية، إلا أن الجسم التشريعي (سواء مجلس النواب أو المجلس الأعلى للدولة) ما زال يتمتع بإجماع كبير على ضرورة تشكيل حكومة جديدة، وقد حضر 110 أعضاء من كلا المجلسين اجتماع القاهرة للتوافق على هذا الأمر".

ويُحذّر الخبير الليبي من أن محمد تكالة، قد يفقد منصبه في حال تحالفه مع الدبيبة، بهدف عرقلة اتفاقات القاهرة، لافتا إلى أن "إزاحة تكالة قد تُعيد غريمه خالد المشري إلى رئاسة المجلس، ما يُعيد إلى الواجهة التوافقات السابقة التي تدعو إلى إزاحة الدبيبة وتشكيل حكومة جديدة تقود البلاد إلى انتخابات".

المصدر: أصوات مغاربية