In this Thursday, Sept. 7, 2017 photo, pharmacists Mokhtar Agrebi, left, and Latifa Trabelsi work in their drugstore in Tunis…
صيدلية في تونس- أرشيف

تعيش تونس على واقع أزمة "نقص دواء" جراء المشاكل المالية المتفاقمة في البلاد، ما يهدد حياة الآلاف من المصابين بأمراض مزمنة، فيما يكشف مختصون لموقع "الحرة"، أسباب تلك الأزمة وتأثيرها على حياة التونسيين، وتداعياتها السياسية والاجتماعية.

ومنذ شهور، اختفت مئات الأدوية من أرفف الصيدليات في أرجاء البلاد بما في ذلك علاجات مهمة لأمراض مزمنة مثل القلب والسرطان والسكري.

ناقوس خطر

في حديثه لموقع "الحرة" يدق رئيس جمعية التحدي لمكافحة السرطان في تونس، نبيل فتح الله، ناقوس الخطر بشأن "اختفاء الأدوية" من الصيدليات والمستشفيات.

ويشير إلى معاناة المرضى من "أزمة نقص دواء غير مسبوقة"، ويقول "المريض يعاني لتوفير العلاج ويدور في حلقة فارغة".

ويزور المريض الطبيب الذي يعطيه "وصفة طبية"، وعندما يذهب للصيدليات لا يجد " الدواء أو بدائله".

ويوضح أن مرضى السرطان يلجؤون للجمعية لتوفير العلاجات، والتي تتحدث بدورها للصيدلية المركزية التي تجيب بأن "هذا الدواء غير موجود ولا يمكن توفيره".

وتلجأ الجمعية لجمع طلبات المرضى، ثم يسافر بعض أعضائها إلى دول أوروبية مثل فرنسا أو إيطاليا لشراء الدواء، لكن الأمر يكون مكلفا، حيث قد يصل سعر العلاج إلى 20 ألف دينار تونسي بما يعادل 6500 دولار تقريبا، وفقا لحديث فتح الله.

ويشدد المتحدث على أن مرضى السرطان من "الفقراء" لا يستطيعون توفير المبالغ المالية اللازمة لشراء الدواء من الخارج.

ما أبعاد الأزمة؟

يكشف أمين المال بالمجلس الوطني لصيادلة تونس، الدكتور وليد بوبكر، لموقع "الحرة" أبعاد الأزمة التي يقول إنها "مستمرة منذ سنوات".

ويوضح المسؤول بالمجلس أن الأزمة مستمرة منذ عام 2016، ويقول "الوضع يتحسن في بعض الأوقات ثم يعود كما كان".

وفي تونس، هناك أدوية مصنعة محليا وأخرى مستوردة عبر الصيدلية المركزية المملوكة للدولة، والتي توفر الأدوية للمستشفيات والصيدليات في جميع أنحاء البلاد.

ويرجع بوبكر أزمة نقص الأدوية المستوردة، لوجود "ديون متراكمة على الصيدلية المركزية تجاه المزودين الأجانب".

وتناهز تلك الديون 750 مليون دينار تونسي، بما يعادل 243 مليون دولار تقريبا، ما تسبب في "اضطراب بالاستيراد"، وفقا لحديثه.

وفيما يخص الدواء المصنع محليا، يشير بوبكر إلى أن المصنعين المحليين لديهم "مشكلات تتعلق بارتفاع تكلفة المواد الأولية والشحن".

وتغطي تونس محليا 60 إلى 65 بالمئة من احتياجاتها من الدواء.

لكن هناك ضغوطات على صناعة الدواء نظرا لتحديد "أثمانها من طرف الدولة"، حسبما يوضح.

ويشير بوبكر إلى ارتفاع تكاليف المواد الأولية على النطاق العالمي، وزيادة مصاريف الشحن بين 3 إلى 4 مرات، ما تسبب في " نقص العديد من الأدوية".

وبالتالي فالأزمة "مالية" في المقام الأول، ويتعين وضع دراسة جدية حول تأثيرات وتداعيات "الغلاء" على نقص العلاجات في تونس، ومراجعة الجهات المختصة "لأسعار الأدوية"، وفقا للمتحدث.

وتواصل موقع "الحرة" مع المسؤول الإعلامي بوزارة الصحة التونسية، حافظ العلياني، للتعليق على الأزمة، لكنه طلب إرسال بريد إلكتروني للرد على الأسئلة.

وراسل موقع "الحرة" الوزارة عبر البريد الإلكتروني للحصول على رد، لكن لم يتسن ذلك حتى نشر التقرير.

ما وراء الأزمة

المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة التونسية، رياض الشعيبي، يصف أزمة الدواء بـ"مظهر جديد من مظاهر عجز السلطة عن إدارة البلاد وفشلها في رعاية مصالح التونسيين".

وتتفاقم أزمة الدواء منذ مدة في تونس، حيث ظن المواطنون أن النقص يشمل فقط المستشفيات العمومية، لكن مع مرور الوقت، تبين أن الأمر ناتج عن عدم توفره لدى الصيدلية المركزية المسؤولة على توزيع الأدوية على الصيدليات، بما في ذلك الخاصة، وفقا للشعيبي.

ويقول المتحدث لموقع "الحرة" إن المشكلة الأخطر تتعلق بـ"مس النقص أدوية حيوية مثل تلك المتعلقة بعلاج السرطان والسكري وأمراض القلب".

ويشير إلى "خطورة ظاهرة نقص الأدوية"، ويقول "العديد من المرضى يستغيثون بحثا عن أدويتهم، وأصبحت حياتهم مهددة في حال لم يتوصلوا بها في الوقت، مثل تلك المتعلقة بالإشعاع الكيماوي عند مرضى السرطان".

ويقول "هذا الوضع غير مسبوق في تونس، ولم تشهد البلاد من قبل مثل هذه الأوضاع".

ويرى أن السلطات تتحمل "مسؤولية أخلاقية وسياسية وكذلك قانونية بسبب عدم قيامها بما يتوجب عليها لتأمين ما يحتاجه المجتمع من أدوية وغذاء".

ويتهم الشعيبي السلطة السياسية بتعريض صحة المجتمع وسلامته للخطر الأكيد بتوخي سياسات "إيديولوجية عدائية" ضد شركاء تونس التقليديين، ما نتج عنه إغلاق باب التمويل الخارجي الذي تسبب في شح موارد تونس من العملة الصعبة الضرورية لتأمين وارداتها من الأدوية والطاقة وتغطية النقص الحاصل في بقية المواد الأساسية، على حد قوله.

لكن من جانب آخر، يرى المحلل السياسي التونسي، باسل الترجمان، أن هناك "محاولة لخلق أزمة" بالحديث عن نقص بعض الأدوية على مستوى السوق الطبية في تونس. 

وتحاول بعض الأطراف مدفوعة بأهداف سياسية تحويل الأمر لـ"كارثة" وكأن الناس تموت في الشوارع، وهذا ليس صحيح وغير واقعي، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن فقدان أدوية أمراض السكري والقلب والسرطان يؤدي إلى "وفاة المئات من المصابين"، لكن ذلك لم يحدث أيضا، وبالتالي محاولة تصوير الأمر كـ"أزمة"، غير واقعي أو متناسق مع حقيقة الأوضاع في تونس".

ويرى المتحدث أن هناك محاولات لتحميل الحكومة المسؤولية عن "نقص بعض الأدوية"، مشيرا إلى أن "هذا غير حقيقي وقبل 25 يوليو 2021، كان الآلاف من أبناء تونس يموتون جراء التقاعس الحكومي".

وحسب حديثه فقد كانت حكومة هشام المشيشي، التي كان يشرف عليها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، تمنع وصول اللقاحات لمواجهة جائحة كورونا، وشهدت تونس أزمة نقص أوكسجين مزمنة جراء الإهمال وقتها.

ويؤكد أن العديد من دول العالم تعاني من "نقص الأدوية" بسبب توقف الكثير من المصانع خلال أزمة كورونا، معتبرا أن هناك "مبالغة وتشويه مقصود ممنهج" للدولة التونسية.

وبحسب المحلل السياسي التونسي، تشهد البلاد إشكالا في توفير الدواء، لكنه لا يصل لحد الأزمة، ويرى أن محاولة بعض الأطراف تحويل الأمر لـ"قضية رأي عام"، يأتي في سياق "تحقيق أجندة سياسية".

أزمة مالية شاملة

منذ العام الماضي، تواجه تونس صعوبات في دفع أثمان سلع أخرى تُباع بأسعار مدعومة، مما تسبب في نقص دوري في الخبز ومنتجات الألبان وزيت الطهي والسكر والأرز، مع انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي إلى ما يكفي 93 يوما فقط من الواردات في نهاية شهر مايو الماضي، مقابل 130 يوما خلال نفس التوقيت من العام الماضي، وفقا لـ"رويترز".

وتستهدف تونس خطة إنقاذ مالي بقيمة 1.9 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

وحذرت وكالات التصنيف من أن البلاد، بدون هذه الخطة، قد تتخلف عن سداد الديون السيادية. لكن الرئيس التونسي، قيس سعيد، رفض الشروط الرئيسية للاتفاق. 

ورغم التوصل إلى اتفاق مبدئي مع الصندوق بشأن القرض في منتصف أكتوبر، تعثرت المحادثات منذ أشهر بسبب عدم وجود التزام ثابت من سعيّد بالإصلاحات التي يقترحها الصندوق، من مراجعة سياسة دعم المواد الأساسية وإعادة هيكلة العشرات من الشركات الحكومية، وفقا لـ"فرانس برس".

ويقول مانحون غربيون إن "المحادثات تعثرت".

ولذلك يشير الكاتب والمحلل السياسي التونسي، برهان العجلاني، إلى أن أزمة الدواء "ليست جديدة"، ويقول إن هناك اضطرابات في تزويد السوق التونسية بالسلع المستوردة بشكل عام.

ويعود سبب ذلك للمشكلات التي يعاني منها الاقتصاد التونسي، والتضخم وانهيار قيمة الدينار أمام العملات العالمية، وتعطل تمكين تونس من القروض اللازمة لاستكمال ميزانية الدولة، وفقا لحديثه لموقع "الحرة".

ويواجه الاقتصاد التونسي تضخما مرتفعا تجاوزت نسبته 10 بالمئة، ومعدلات بطالة تجاوزت 15 بالمئة، ونسبة مديونية في حدود 90 بالمئة، من إجمالي الناتج الداخلي.

وتفاقمت حدة نقص الدواء جراء الأزمة الاقتصادية "الخانقة" وعدم توفر المبالغ الكافية من العملة الصعبة لاقتناء المواد الغذائية والأدوية، والتي تمس حياة المواطن التونسي اليومية، حسبما يوضح العجلاني.

ويقول "هناك أزمة حقيقية مزمنة فيما يتعلق بالتزود بالأدوية المتعلقة بعلاج الأمراض المزمنة".

ويشير إلى شبكات احتكار تمنع وتعطل تزويد السوق التونسية بـ"الأدوية والمواد الأساسية" في إطار تعطيلها للحركة الاقتصادية في تونس.

ويوضح أن الأزمة المالية "تشتد يوميا" في تونس، في ظل عدم وضوح السياسة الخارجية التونسية على المستوى الإقليمي والعالمي، وهو ما يعرقل نفاذ تونس لمصادر التمويل الدولي.

تداعيات الأزمة

يؤكد أمين المال بالمجلس الوطني لصيادلة تونس، أن هناك "تداعيات خطيرة لأزمة نقص الدواء"، في ظل عدم وجود علاجات خاصة بالأمراض المزمنة في البلاد.

والمريض "لا يجد الدواء"، وأحيانا يتجه للعلاجات "البديلة"، وإذا لم يجدها يتم تغيير "البرتوكول العلاجي"، وفقا لحديثه.

لكنه يشير إلى "الإشكالية الكبيرة"، عندما لا تتوفر "البدائل العلاجية"، ووقتها يجد المرضى أنفسهم "بلا علاج".

ومن جانبه يؤكد رئيس جمعية التحدي لمكافحة السرطان أن الأزمة "متفاقمة" ولها "تداعيات خطيرة".

وفي تونس، الدواء مفقود وفي حال توفره يكون "مكلفا"، والدولة تترك المرضى لمواجهة "مصيرهم وحدهم"، ما يعني أن المريض الفقير "سيموت"، على حد قوله.

ولذلك يحذر العجلاني من "تداعيات اجتماعية" للأزمات المتصاعدة التي تشهدها تونس، ويقول "التخوف الحقيقي أن زمن الإصلاح الاقتصادي والسياسي يسير بوتيرة بطيئة جدا غير مواكبة لتطلعات التونسيين".

وفي زمن التغيير لا توجد مطابقة مع "الصبر الشعبي"، وسيكون لذلك تأثيرات اجتماعية "خطيرة"، وفقا للعجلاني.

مواضيع ذات صلة

تعاني تونس من نقص المياه بسبب موجة جفاف- أرشيف
تعاني تونس من نقص المياه بسبب موجة جفاف- أرشيف

مع حلول منتصف شهر يونيو، تراجع احتياطي المياه في السدود التونسية بنسبة 12.8 بالمئة مقارنة بالسنة الفارطة حيث لم تتجاوز نسبة الامتلاء  31.5 بالمئة من إجمالي طاقة الاستيعاب.

وذكر "المرصد الوطني للفلاحة" أن نسبة امتلاء السدود  قد تراجعت، بنسبة 24.2 بالمئة، مقارنة بالمعدل المسجل خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

ولفت المرصد، إلى وجود تفاوت في مستوى التعبئة  إذ بلغت نسبة الامتلاء في سدود الشمال 37.6 بالمئة، في حين استقرت نسبة تعبئة السدود في الوسط والوطن القبلي تباعا عند مستوى 9.4 بالمائة و 9.6 بالمائة.

ويمتلك هذا البلد المغاربي نحو 37 سدا أبرزها سد سيدي سالم، إضافة إلى البحيرات الجبلية وتقع أغلبها في شمال البلاد.

ما تداعيات أزمة المياه؟

إجابة على هذا السؤال، يقول علاء المرزوقي منسّق "المرصد التونسي للمياه" (مستقل) إن "الجفاف أدى إلى تزايد الاحتجاجات خاصة في صفوف متساكني الأرياف والمزارعين الصغار الذين تضرروا بشدة من هذه الأزمة"، مرجحا "تصاعد الاحتجاجات في الفترة المقبلة مع نفاذ صبر المواطنين من الحلول التي اتخذتها الحكومة".

ويرى أن "غضب المتضررين من هذه الأزمة في تزايد مستمر خاصة عندما يرون أن مشكلة المياه لا تتصدر الاهتمامات الحكومية التي أعطت أولوية لقطاعات الصناعة والفلاحة الموجهة للتصدير".

وخلال عام 2023 رصد "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" (مستقل) 397 تحركا احتجاجيا  من أجل المطالبة بالحق في الماء، من بينها 68 تحركا بمحافظة القيروان وسط البلاد.

من جهته، يُفسّر الخبير في التنمية والموارد المائية حسين الرحيلي "تراجع منسوب المياه بتأخر التساقطات المطرية ونقصها خاصة في منطقة الشمال الغربي التي تضم معظم السدود"، واصفا الوضع المائي بـ"المحرج ما سيؤدي إلى مضاعفة الضغط على الموارد الجوفية التي تواجه إجهادا كبيرا".

ويضيف في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "تونس ستعيش من جديد أزمة عطش ويُتوقع أن تكون الإجراءات المرافقة لها أكثر تشددا خصوصا في أوقات ذروة الطلب على الماء وذلك من منتصف يوليو إلى أواخر شهر أغسطس".

مشاريع حكومية 

ينتظر التونسيون تدشين عدد من مشاريع البنى التحتية للمياه التي تأمل الحكومة من خلالها في الحد من تداعيات أزمة الجفاف التي يعيشها هذا البلد المغاربي.

وتقدمت نسبة إنجاز مشروع سد ملاق العلوي الجديد في محافظة الكاف شمال تونس بنسبة 84 بالمئة، وينتظر انتهاء العمل به في متم السنة القادمة.

ويعتبر مشروع بناء سد ملاق العلوي من أضخم مشاريع تعبئة الموارد المائية بمحافظة الكاف، بعد سد ملاق القديم الذي أنجز أواسط القرن الماضي، حيث سيوفر حوالي 200 مليون متر مكعب من الماء.

وكانت السلطات قد أعلنت في مارس الفائت عن دخول محطة تحلية مياه البحر بالزارات في محافظة قابس بالجنوب الشرقي لتونس المرحلة التجريبية على أن يتم "الشروع في استغلالها قريبا".

وسينتفع من مشروع محطة تحلية مياه البحر بالزارات نحو 1.1 مليون ساكن، خصوصا في محافظات الجنوب الشرقي كقابس ومدنين وتطاوين.

كما تعمل تونس على تعزيز دور محطات معالجة المياه، فقد أمضت نهاية يناير الماضي مع البنك الإفريقي للتنمية على اتفاقية قرض بقيمة 89 مليون دولار لتحسين جودة المياه المعالجة وتجديد المعدات واستخدام الطاقة الشمسية في 19 محطة للمعالجة بـ11 محافظة من محافظات البلاد.

  • المصدر: أصوات مغاربية