صادقت الحكومة المغربية، الخميس، على مشروع قانون يتعلق بالعقوبات البديلة للمساهمة في الحد من مشكل الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وترشيد التكاليف، وذلك بعد أن سجل حقوقيون وقانونيون تأخرا في اعتمادها منذ سنوات.
ولم تتضمن الصيغة الجديدة من مشروع قانون العقوبات البديلة المصادق عليها، أداء غرامة مالية بدل السجن التي أثارت جدلا وتعرضت لموجة انتقادات حينما كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي بعض تفاصيل مشروع القانون.
وقال وهبي في جلسة برلمانية في يناير الماضي، إنه سيكون بإمكان أولئك المدانين "شراء أيام" العقوبة الحبسية مقابل غرامة تتراوح بين 100 و2000 درهم (ما بين 10 و200 دولار تقريبا) يؤدونها للدولة عن كل يوم من العقوبة الحبسية.
وحصرت الصيغة الجديدة من مشروع القانون، ثلاثة أنواع من العقوبات البديلة تهم العمل لأجل المنفعة العامة والمراقبة الالكترونية وتقييد بعض الحقوق وفرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية.
وعرف المشروع العقوبات البديلة "بالعقوبات التي يحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها خمس سنوات حبسا نافذا وتخول للمحكوم عليه تنفيذ بعض الالتزامات المفروضة عليه مقابل حريته وفق شروط محكمة".
ولايزال النقاش حول مشروع قانون العقوبات البديلة يثير الجدل رغم التعديلات التي رافقت الصيغة الجديدة منه، إذ تثار تساؤلات حول مساهمته في الإفلات من العقاب ومدى نجاعته للتخفيف من الاكتظاظ.
"غير كافية"
وتعليقا على الموضوع، يستبعد الكاتب العام للمرصد المغربي للسجون، عبد الله مسداد، أن تساهم العقوبات البديلة في الإفلات من العقاب، مؤكدا أنها "ترتبط بفترة سجنية قصيرة المدى لا تعطي الفرصة للمؤسسة السجنية بأن تلعب دورها في الإدماج كما لا تكون رادعة وتشجع على حالة العود".
ويتابع مسداد حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أن هذه العقوبات البديلة هي كحل للتخفيف من الاكتظاظ وكفلسفة تهدف إلى أن يكون الإيداع بالسجن السالب للحرية هو آخر إجراء يتم اللجوء إليه لردع المدانين.
ورغم تأكيده على أهمية هذه العقوبات البديلة، يستدرك مسداد بالقول إنها "تبقى غير كافية لوحدها في الحد من اكتظاظ الساكنة السجنية"، داعيا لمعالجتها بالبحث عن الأسباب الحقيقية وراء تصاعد الجريمة لاسيما في ما يرتبط بالأوضاع الاجتماعية كالفقر والهدر المدرسي.
"فهم خاطئ"
ومن جانبه، يشير المحامي والحقوقي محمد الشمسي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن هناك "فهما خاطئا" من قبل كثيرين حول المستفيدين من العقوبات البديلة، موضحا أنها "تهم فقط المدانين الذين خطورتهم ضعيفة جدا ولن تشمل الجرائم الخطيرة".
وفي المقابل، ينبه الشمسي أنه "بدل الاهتمام بالعقوبات البديلة التي لن تغير في واقع الجريمة أو الفعل الجرمي أي شيء فإن الأحرى تغيير القانون الجنائي أولا"، لافتا إلى ضرورة مراجعة مجموعة من المفاهيم والتعاريف الجرمية التي "لم تعد صالحة اليوم أمام قانون يرجع إلى 1962".
وشدد المصدر ذاته، على أهمية ربط الظروف الاجتماعية والاقتصادية بوتيرة ارتفاع الجرائم، مفسرا أن أغلبها تكون بسبب عدم القدرة على الإنفاق التي تشكل 99٪ من الملفات التي يقع فيها الطلاق أو قلة فرص الشغل التي تدفع بالجانحين إلى السرقة أو التجارة بالمخدرات في اعتقاد منهم أنها توفر مورد رزق.
"مراقبة السلطة التقديرية"
ومن جهة أخرى، تنوه المحامية والحقوقية، فتيحة اشتاتو، بالتراجع وحذف الغرامة المالية كعقوبة بديلة للمدة الحبسية في الصيغة الجديدة من مشروع القانون، لافتة إلى أنها كانت مثيرة للجدل بسبب تمييزها بين المواطنين حسب قدرتهم على أدائها.
وتضيف في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، أن "المشكل في مشروع قانون العقوبات البديلة أنها لا تتسم بالوضوح وتبقى السلطة التقديرية للقضاة حاسمة في طبيعة المستفيدين منها ونوعية العقوبة البديلة التي سيحكمون بها"، داعية إلى تحديد الجريمة وعقوبتها وألا تبقى السلطة التقديرية مطلقة في يد القضاة.
وتقول الناشطة الحقوقية، إن "السلطة التقديرية للقضاة يجب أن تخضع للمراقبة والتقييم من طرف النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية"، ودعت لنشر جميع الأحكام حتى تتيح للمجتمع المدني تتبع كل القضايا انطلاقا من حقه في المعلومة وكقوة اقتراحية.
"قانون ثوري"
وذكر الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، الخميس، أن العقوبات البديلة هو "قانون ثوري كان للحكومة الجرأة والقدرة على إخراجه في وقت قصير"، معتبرا أنه يسعى للحفاظ على التوازن بين حقوق الإنسان والمجتمع "ولا يساهم في الإفلات من العقاب كما يروج إلى ذلك".
وأوضح بايتاس، أن تفعيل العقوبات البديلة "لن يكون كإجراء أوتوماتيكي بل هناك سلطة تقديرية للقاضي ستخضع للمراقبة وفق مجموعة من الضمانات" لكي تنجح في تخفيض الساكنة السجنية وتسمح للأفراد الذي أخطأوا من الاندماج في المجتمع من جديد.
وأشار المسؤول الحكومي، إلى أن هناك قضايا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون موضوع تدبير للعقوبات البديلة، من بينها الإرهاب والاتجار بالبشر والاختلاس والرشوة وتبديد أموال عمومية والاستغلال الجنسي للقاصرين أو للأشخاص في وضعية إعاقة.
المصدر: أصوات مغاربية
