تجمهر موريتانيين أمام قصر العدل وسط العاصمة نواكشوط (أرشيف)
قصر العدل وسط العاصمة نواكشوط (أرشيف)

عرفت موريتانيا في تاريخها السياسي الحديث عدة تجارب لرؤساء غادروا سدة الحكم إلى السجون في ظروف محتلفة في هذا البلد المغاربي الذي يعتبر أكثر دول المنطقة سجنا لقادته، بسبب كثرة الانقلابات العسكرية. 

وكانت آخر تلك التجارب اعتقال الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، عام 2020 بعد واحد على مغادرة السلطة في مستهل مشوار من الملاحقات ومحاكمة ماراثونية بتهم متعددة تتعلق بالفساد والإثراء غير المشروع، اختتمت قبل أيام بالحكم عليه بالسجن 5 سنوات نافذة ومصادرة أمواله. 

ولم يكن محمد ولد عبد العزيز (66 عاما) هو أول رئيس يخرج من الحكم ليدخل السجن، إذ اعتقل جميع من أطيح بهم في انقلابات العسكر في البلاد أعوام 1978 و1984 ثم 2008، في حين كان المنفى هو الملاذ الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع المطاح به عام 2005. 

"فساد العشرية" 

ويبقى ولد عبد العزيز أبرز الرؤساء الموريتانيين المودعين بالسجن، وذلك بعد أن أدين بتهمتي غسل الأموال والإثراء غير المشروع مطلع الشهر الجاري، كما أمرت المحكمة بمصادرة أمواله مع دفع غرامة 500 مليون أوقية قديمة (نحو مليون و260 ألف دولار). 

ويأتي الحكم على ولد عبد العزيز بعد مسار مثير بدأ في 2020 بتحقيق برلماني في الملف المعروف محليا بـ"فساد العشرية) وتعني سنوات حكم الرجل (2009 - 2019).

ولم يشفع لولد عبد العزيز مطالبته طيلة أطوار المحاكمة بحق الحصانة طبقا للمادة 93 من الدستور التي تنص على أنه "لا يكون رئيس الجمهورية مسؤولا عن أفعاله أثناء ممارسته سلطاته إلا في حالة الخيانة العظمى". 

وظل ولد عبد العزيز حتى مرافعته الأخيرة قبل النطق بالحكم  يعتبر نفسه ضحية مساع لمنعه من المشاركة في الساحة السياسية، ودليلا على ذلك ساق دفاعه ورقة استخراج مشمولين في الملف من قائمة المتهمين وتعيينهم في مناصب سامية. 

وقبل ولد عبد العزيز كان يتم اعتقال الرؤساء السابقين أو وضعهم تحت الإقامة الجبرية بعد إلغاء الدستور وتعطيل العمل به في إطار حالة الطوارئ.

 
سيدي ولد الشيخ عبد الله

وكان ولد عبد العزيز قط أطاح بسلفه الراحل سيدي ولد الشيخ عبد الله الذي حكم البلاد بعد انتخابه في 2007 وغادر سدة الحكم في خضم انقلاب عسكري في أغسطس عام 2008 في سنة وصفت بـ"عام الديمقراطية الموريتانية". 

وبعد الانقلاب، خضع ولد الشيخ عبد الله للإقامة الجبرية في شقة سكنية وسط العاصمة نواكشوط، واستمر احتجازه فيها حتى منتصف شهر نوفمبر، حين نقله قادة الانقلاب آنذاك إلى مسقط رأسه في قرية لمدن شرق العاصمة.

واستمرت فترة الإقامة الجبرية التي أمضاها ولد الشيخ عبد الله (1938-2020) لأربعين يومًا، كان يتمتع فيها بحرية استقبال من يريد.

خرج ولد الشيخ عبد الله من الإقامة الجبرية نهاية 2008، نتيجة ضغط من أحزاب المعارضة وفي إطار تهيئة المناخ "للقاءات تشاورية" تهدف للتحضير لمسار "العودة للانتخابات" عبر استقالة ولد عبد العزيز وترشحه من جديد عام 2009. 

وكان الراحل ولد الشيخ عبد الله أول رئيس مدني منتخب للبلاد، كما يعتبر أول من يخضع للإقامة الجبرية بين الرؤساء السابقين، رغم أن الانقلابات العسكرية قادت العديد من الرؤساء إلى السجن والمنفى. 

ولد هيدالة 

وفي ديسمبر 1984  كان محمد خونة ولد هيداله على موعد مع سجن دام 4 سنوات في مدينة كيهيدي (جنوب) وذلك بعد الإطاحة به في  انقلاب تزعمه قائد أركان الجيوش آنذاك معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

وكان هيداله وقت تنفيذ الانقلاب في العاصمة البوروندية بوجمبورا لحضور القمة الأفريقية، وبعد تقييم الموقف توجه إلى نواكشوط ليخضع للاعتقال فور نزوله في المطار ونقل إلى سجن "كيهيدي" حيث أقام لأربع سنوات، حتى 28 نوفمبر 1988.

المختار ولد داداه

يعتبر المختار ولد داداه، الرئيس الأول لموريتانيا بعد الاستقلال، أول الذين عاشوا تجربة الانتقال من القصر الرئاسي إلى السجن بعد حكمه البلاد مدة 18 عاما (1960-1978). 

وحكم ولد داداه موريتانيا منذ إعلان استقلالها عام 1960 حتى الإطاحة به في انقلاب عام 1978 حين اقتاده الانقلابيون في البداية إلى ثكنة تابعة للهندسة العسكرية، قبل أن ينقلوه إلى مدينة "ولاته" في أقصى الشرق الموريتاني. 

وخضع الرئيس المؤسس للسجن 14 شهرًا في "قلعة ولاته" المشهورة باستضافته للمعارضين الموريتانيين وافرج عنه في أكتوبر 1979، ونقل إلى فرنسا لتلقي العلاج، واستمر فيها كمنفى اختياري وعاد لبلاده يوم 17 يوليو 2001 ووافته المنية سنة 2003، ودفن في مدينة بوتلميت (جنوب غرب).

تجربة المنفى

وفي الثالث من أغسطس عام ٢٠٠٥ أطيح بمعاوية ولد سيد أحمد الطايع من قبل قيادات من الأمن والجيش تزعمهم الرئيس الراحل اعل ولد محمد فال (1953-2017) بعد نحو عشرين عاما من إدارة البلد. 

لكنه لم يرد عيش تجربة السجن في البلاد، على غرار سابقيه، وقرر حين أبلغ بانقلاب ضباطه ضده وهو في الطريق عائدًا من المشاركة في تشييع جثمان الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز، أن يذهب لمنفاه الاختياري في دولة قطر.

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

البرلمان الجزائري- أرشيف
مقر المجلس الشعبي الوطني بالجزائر (الغرفة السفلى للبرلمان)

قدّم نواب بالمجلس الشعبي الوطني بالجزائر (الغرفة السفلى للبرلمان)، هذا الأسبوع، مقترح تعديل إحدى مواد النظام الداخلي للمجلس، يقضي بتأجيل المتابعة القضائية للبرلمانيين إلى حين انتهاء عهدتهم، شريطة أن تكون القضية محل المتابعة قد ارتكبت قبل تولي المنصب.

ويأتي هذا المقترح بعد سحب الحصانة البرلمانية من نواب بالمجلس الشعبي الوطني في وقت سابق، وتنازُل نواب آخرين عن حصانتهم، لأسباب تتعلق بملفات قضائية.

سحب حصانة وتنازلات

وكشفت وسائل إعلام محلية، خلال الأسبوع الأخير من فبراير، سحب الحصانة البرلمانية من ثلاثة  برلمانيين، بعد تحريات أفادت بوجود متابعات قضائية ضدهم تخص ملفات فساد سجلت خلال فترة ترشّحهم صيف سنة 2021 أثناء تنشيط حملاتهم الانتخابية، تضاف إليها قضايا متعلقة بأخطاء التسيير وشبهة التورط في تهم تتعلق بالهجرة السرية وإصدار صكوك بدون رصيد.

وأفادت المصادر ذاتها بوجود 13 ملفا في غرفتي البرلمان، تتعلق بسحب الحصانة لم يتم الفصل فيها بعد.

وتنص المادة 130 من الدستور على أنه "يمكن أن يكون عضو البرلمان محل متابعة قضائية عن الأعمال غير المرتبطة بممارسة مهامه البرلمانية، بعد تنازل صريح من المعني عن حصانته، وفي حال عدم التنازل عن الحصانة، يمكن إخطار المحكمة الدستورية لاستصدار قرار بشأن رفع الحصانة من عدمها".

وجاء في المادة 174 من مشروع النظام الداخلي للمجلس، وهو محل مناقشة حاليا، على أنه "يمكن للنائب أن يتنازل طوعا عن حصانته البرلمانية إما بتقديم تنازل صريح إلى الجهة القضائية المختصة، أو بإيداع هذا التنازل لدى مكتب المجلس".

وفي العام 2022 تنازل 7 نواب بالمجلس الشعبي الوطني عن الحصانة البرلمانية طوعا، للوقوف أمام الجهات القضائية، فيما يرفض نواب آخرون التنازل عن حصانتهم البرلمانية بحجة "عدم وضوح النصوص القانونية".

فما مدى قانونية المقترح المقدّم، وهل يخدم النائبَ فيما تعلق بتمكينه من التفرغ لمهامه أم إنه تهرّبٌ مؤقّت من القضاء؟

معزوز: الجميع متساوون أمام العدالة ولكن..!

في الموضوع قال رئيس حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (علماني معارض) عثمان معزوز، إن العدالة "تطبق على الجميع مواطنين ونوابا دون استثناء، إلا في حالات محدودة بنص قانوني، والدستور ينص على أن كل الجزائريين متساوون أمام العدالة".

وأفاد معزوز في اتصال مع "أصوات مغاربية"، بأنه "لا تجوز متابعة النائب أثناء عهدته إذا ما تعلق الأمر بمتابعة من طرف السلطات ضده لأسباب سياسية، مثل التعبير عن رأيه أو مناداته بحقوق ما".

واسترسل المتحدث "أما إذا تعلق الأمر بقضايا الحق العام والفساد وغيرها مما لا صبغة سياسية له، فلابد أن يتابع مهما تذرّع بالحصانة البرلمانية".

يعقوبي: يتعارض مع الدستور!

من جهته قال النائب عن حركة مجتمع السلم (إسلامي معارض) عبد الوهاب يعقوبي، إن المقترح المقدّم "يتعارض مع نص الدستور، ومعلوم أن أي قانون يتعارض مع نص الدستور، وهو الوثيقة الأسمى في الدولة، لا يمرّ".

وأفاد يعقوبي بأن رفع الحصانة بات أمرا ممكنا، حسب الدستور، بمجرّد "إخطار وزير العدل المحكمة الدستورية بالقضية التي يلاحق بها النائب، والأمر لن يحتاج إلى العودة إلى المجلس لرفع الحصانة، وعليه فلا طائل من مقترح التعديل الجاري الحديث عنه".

وتأسف يعقوبي على التصويت على الدستور الفارط بـ"نعم" وعلى مقاطعة التصويت، وقال لـ"أصوات مغاربية"، بأن "حركة مجتمع السلم دعت الجزائريين إلى التصويت بلا وأن لا يقاطعوا التصويت، لكن المقاطعة سمحت بمرور الدستور، وما يحدث هو من نتائج هذا الدستور". 

المصدر: أصوات مغاربية