في ظلّ التنافس الحادّ على أصوات الأقليات العرقية في موريتانيا، أقدم حزب الإصلاح والتنمية "تواصل" (إسلامي) على منح إدارة حملته الانتخابية لرئيس مجلس شورى الحزب، حمدي ولد إبراهيم، المنحدر من إحدى تلك الأقليات العرقية.
وتأتي هذه الخطوة، التي تضمّنت أيضاً تعيين نواب بارزين لمدير الحملة مثل القيادية آمنتا أنيانغ، في وقت يسعى الإسلاميون لاختراق المجتمعات غير العربية في البلاد، خاصة الأقليات الزنجية التي تميل تقليدياً إلى التصويت لأحزاب بديلة كانت تاريخياً حاضنة لقضاياها ومطالبها بالمساواة الشاملة.
وفقا للمراقبين، فإن الحزب الإسلامي قد بدأ منذ سنوات في التوجه نحو التواصل مع الأقليات العرقية وتوسيع قاعدته الانتخابية داخل هذه الشرائح، رغم أنه من المستبعد أن تظهر ثمار هذا "الاستثمار السياسي" بشكل واضح في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في 29 يونيو.
حصاد مؤجل؟
وفي هذا الصدد، يؤكد المحلل الموريتاني، سيدي محمد ولد بلعمش، على "توجه ملحوظ" من قبل الأحزاب السياسية الرئيسية في موريتانيا نحو الانفتاح على الأقليات العرقية، مضيفا أن الدليل على ذلك هو تعيين الحزب الحاكم "الإنصاف" لمدير حملته من العرب السود أو الحراطين، ونائب مدير الحملة الثاني من السود الزنوج، أي من الأقلية الأفريقية.
ويشدد ولد بلعمش، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، على سعي المرشحين للرئاسة، إلى كسب ودّ الناخبين من مختلف الشرائح العرقية، مضيفا "حتى الناشط المدافع عن الأقليات العرقية، بيرام ولد عبيد، قام بتعيين أحد العرب البيض مديرا لحملته الرئاسية".
وتُشير هذه الاستراتيجية، وفق المتحدث نفسه، إلى "وعي المرشحين بأهمية تمثيل جميع فئات المجتمع في قياداتهم، سعياً منهم للحصول على أصوات الناخبين من كافة المكونات"، لافتا إلى أن تعيينات حزب "تواصل" تدخل في هذا الإطار.
ويرى ولد بلعمش أن حزب "تواصل" قد اتخذ خطوات استباقية منذ سنوات لاستمالة القواعد الانتخابية داخل مجتمعات الحراطين والأقليات الأفريقية، و"تشمل هذه الخطوات دعم جمعيات إنسانية تُعنى بحلّ الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية للزنوج، وتأسيس معاهد لتعليم العربية لغير الناطقين بها، وذلك بهدف بناء قاعدة انتخابية راسخة بينهم".
ويُشير إلى وجود تيار سياسي داخل حزب "تواصل" يدعو إلى الاستثمار في هذه الشرائح الاجتماعية، باعتبارها "سلّة اقتراعية لم تُستثمر بعد"، لكنه يستبعد أن تظهر نتائج فورية لأي استثمار سياسي في الانتخابات الرئاسية الحالية.
ويردف: "صحيح شعبية الحزب تزداد بالفعل، وإن كان ذلك بشكل تدريجي، لكن اختراق القواعد الانتخابية للأقليات عبر حصد أصواتهم قد يستغرق وقتا طويلاً".
"أصوات المتدينين"
في المقابل، يرى الإعلامي والخبير في الشؤون السياسية الموريتانية، سيد أحمد ولد باب، أنه "بالنسبة للمجموعات العرقية والزنوج المتدينين، فمن المرجح أن تصوت نسبة كبيرة منهم للحزب الإسلامي في الانتخابات المقبلة".
ومع ذلك، يشير ولد باب إلى أن بقية الأصوات ستتوزع بين الأطراف السياسية الأخرى، حيث سينحاز بعضهم لحركة "إيرا" المناهضة للعبودية بقيادة بيرام ولد اعبيدي، بينما "ستفضل النخب الزنجية المثقفة الحزب الحاكم والتموضع داخل السلطة"، كما أن بعض الأصوات ستذهب إلى مرشحين من هذه الأقليات مثل بامامادو بوكاري، سوماري أوتوما، والعيد ولد محمدن ولد امبارك.
ويعود التباعد التاريخي بين الحزب الإسلامي والأقليات العرقية في موريتانيا - وفقا للمتحدث - إلى ظروف نشأة الحزب في بيئة سياسية معقدة أعقبت الأحداث الدامية لعامي 1966، مردفا "تزامنت نشأة الحزب مع صعود الصحوة الإسلامية في موريتانيا، بينما كانت تلك الأقليات تريد العزلة السياسية نتيجة تعرضها للاستهداف من قبل النظام الحاكم آنذاك".
وواجهت البلاد أزمة عرقية عميقة في عام 1966، تمثلت في انتفاضة طلابية زنجية ضد قرار فرض اللغة العربية كلغة أساسية في التعليم، وعكست هذه الانتفاضة، التي عرفت باسم "أحداث 1966"، شعورا بالتهميش بين بعض الزنوج، وفتحت الباب على صراعات عرقية مستقبلية.
حظوظ ضئيلة
بدوره، يؤكد المحلل السياسي الموريتاني محمد لامين الداه على "حضور قوي للتشكيلات العرقية المتنوعة في حملة حزب تواصل الانتخابية"، لكنه يشير إلى أن "هذه ليست المرة الأولى التي يُظهر فيها الحزب تنوعه العرقي، ففي الانتخابات البرلمانية السابقة، ضمّت لائحتي الحزب الوطنية للرجال والنساء ممثلين عن مختلف المجموعات العرقية"، كما أن "هذه المجموعات ممثلة في المناصب القيادية للحزب".
وعلى الرغم من تركيز حملة حزب "تواصل" على استقطاب أصوات الأقليات - يقول لامين الداه - إلا أن فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية " ضئيلة"، و"يعود ذلك إلى حالة التراجع التي يعاني منها الحزب منذ حوالي خمس سنوات، إثر انشقاقات كبيرة وخروج قيادات بارزة".
ومن أبرز هذه القياديات كل من الرئيس السابق للحزب، محمد جميل ولد منصور، الذي بات من أشد الداعمين للرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، كما أن محمد غلام الحاج، أحد رموز "تواصل"، انضم إلى الحزب الحاكم وأصبح من قياديي حملته الانتخابية، وفقا للمتحدث، الذي يشدد أيضا على وقوع انسحابات كبيرة للأطر الصغيرة من حزب الإسلاميين إلى حزب "الإنصاف".
ويختم قائلا "هذا الواقع، أضعف الحزب وأفقده شعبيته، وهذا ظهر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ناهيك على أن الحزب في خضم أوجه السياسي لم يحصل سوى على 5 في المئة من أصوات الناخبين، ولا أعتقد أنه سيُعوض تراجع شعبيته بأصوات الأقليات".
المصدر: أصوات مغاربية
