Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تقارير

استثمارات تونسيي الخارج ببلدهم.. خبراء: هذا ما يعيقها

14 يونيو 2024

تمر تونس بأزمة اقتصادية حادة ما يزيد حاجتها لجلب المشاريع الاستثمارية القادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل  بمن فيهم حملة الشهادات الجامعية العليا.

ومع إقامة أزيد من مليون ونصف المليون تونسي في الخارج، تُطرح تساؤلات حول الأسباب التي تحول دون مزيد انخراطهم في الجهد الاستثماري ببلدهم وذلك في الوقت الذي يرى خبراء أن الأرقام التي تعكس حجم استثماراتهم في بلادهم "ضعيفة". 

وحسب أرقام رسمية، أنجز التونسيون بالخارج خلال عام 2022 نحو 1750 مشروعا بقيمة تقدر بنحو 133 مليون دينار ( 42 مليون دولار) وفرت نحو 2183 موطن شغل، في مقابل حوالي 2723 مشروعا فاقت قيمتها 73 مليون دولار  خلال عام 2021.

وتتركز معظم المشاريع الاستثمارية التي ساهم تونسيون بالخارج في إنشائها خلال عام 2023 في قطاع الخدمات إذ يستحوذ هذا القطاع على 66 بالمئة من قيمة الاستثمارات، يليه قطاع الزراعة بـ29.5 بالمئة ثم الصناعة بنحو 4.5 بالمئة.

"تعطيلات" و"تعقيدات"

يصف الخبير الاقتصادي التونسي وجدي بن رجب المقيم في بريطانيا، هذه الأرقام بـ"الضعيفة"، مرجعا الأمر إلى "تردي مناخ الاستثمار بتونس الذي تشوبه الكثير من التعطيلات في مرحلة الإنشاء وهو ما يتعارض مع ما تعوّد عليه المقيمون بالخارج في بلدان إقامتهم".

كما أشار إلى "التعقيدات الإدارية والبنكية التي ترافق إعادة تصدير الأموال بالعملة الصعبة التي تم تحصيلها من بعث شركات أو مؤسسات اقتصادية في تونس".

ويرى بن رجب في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "جزءا مهما من الجالية يفضل الاستثمار في العقارات وهي استثمارات يمكن وصفها بـ'الميتة' بسبب عدم مساهمتها في خلق الثروة وتوفير مواطن الشغل".

ويتبنى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي هذا الطرح، مرجعا "ضعف إقبال المقيمين في الخارج على بعث مشاريع في بلدهم إلى ضعف مناخ الأعمال والبيروقراطية الكبيرة في الإدارة التي تحولت إلى معيق للتنمية".

كما أوضح الشكندالي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن "فرض ضريبة على الثروة في قانون المالية 2023 تسبّب أيضا في تراجع اهتمام التونسيين بالخارج بالاستثمار في العقارات من ذلك شراء الشقق والأراضي".

جهود حكومية

تتحرك السلطات التونسية على أكثر من جبهة لجلب الاستثمار الخارجي أو الذي يساهم التونسيون بالخارج في تمويله.

وفي هذا السياق، قالت وزيرة الاقتصاد والتخطيط، فريال ورغي، الخميس،  في تصريح نقلته وكالة الأنباء التونسية إنه "سيتم، قريبا إلغاء قائمة جديدة تشمل 33 ترخيصا إداريا، إلى جانب قائمتين سابقيتن، تضمنتا 52 ترخيصا إداريا، تمّ إلغاؤها، في إطار تسهيل التمشيات الخاصة بالاستثمار ''.

وأفادت ورغي بأنه في إطار الاستراتيجية الوطنية لتحسين مناخ الأعمال 2023 / 2025، قامت الوكالة العقارية الصناعية بإرساء خرائط للعقارات الجاهزة لإجراء الاستثمارات وتعكف حاليا على تركيز نظام وطني موحد لتجميع كل المعلومات العقارية، مضيفة أنه "يجري إعداد إطار تشريعي لإرساء بيئة ملائمة للتجديد بهدف دعم توجه الاقتصاد الوطني نحو نشاطات ذات كثافة تكنولوجية".

وبالنسبة للإجراءات الخاصة بجالية هذا البلد في الخارج تمنح الحكومة التونسية العديد من الامتيازات من ذلك تقديم إعفاءات ضريبية على توريد المعدات والمنقولات المخصصة لبعث مشاريع اقتصادية وإقرار حوافز مالية للراغبين في اقتناء عقارات داخل البلاد.

يذكر أن عدد التونسيين بالخارج عرف تزايدا في السنوات الأخيرة إذ ارتفع من 1.2 مليون شخص عام 2011 إلى 1.7 مليون شخص في العام 2021. وتستقطب أوروبا 85.7 بالمئة من مجموع الجالية التونسية بالخارج تليها الدول العربية بنسبة 10 بالمئة خاصة ليبيا وقطر والسعودية.

وبلغت تحويلات التونسيين بالخارج إلى حدود نهاية شهر مارس الفائت نحو 581 مليون دولار، وذكرت وكالة الأنباء الرسمية في تقرير لها، أبريل الماضي، نقلا عن معطيات البنك المركزي أن  هذه التحويلات إلى جانب المداخيل السياحية ساهمت في دعم مدخرات تونس من العملة الصعبة.

  • المصدر: أصوات مغاربية / وسائل إعلام محلية

مواضيع ذات صلة

تونس بين البلدان التي تعاني من مشكل انتشار الألغام
تونس بين البلدان التي تعاني من مشكل انتشار الألغام

"أقسى ما يمنى به المرء في حياته هو الشعور بالعجز، وأن يساق مكرها إلى تقبل حقيقة أنه سيعيش على عاهة مستدامة، ساق مبتورة جراء انفجار لغم زرع في طريق الرعاة"، هكذا يلخص التوهامي برانصي  (41 سنة) ما آلت إليه حياته بعد حادثة انفجار لغم تعود للعام الماضي.

يضيف التوهامي واصفا بصوت خافت يخفي حزنا وضعه بعد ذلك اليوم الرمضاني الصادم "المؤلم أكثر أن تظل حيث أنت، تلازم ذلك المكان الذي فقدت فيه جزءا من جسمك. تتجرع مرارة ضنك العيش على سفوح جبال أصبح يخيم عليها شبح الموت ولا تستمع فيها إلا لأصوات الانفجارات".

كل شيء في حياة التوهامي تغير في ذلك اليوم من عام 2023 حين كان في طريقه المعتاد لرعي أغنامه بسفح جبل مغيلة بمحافظة القصرين، وسط غرب تونس. فجأة انفجر تحته لغم. فقد ساعتها الوعي ليستيقظ في المستشفى بدون ساقه اليسرى.

خطى فوق الموت

تقتل الألغام في جبال مغيلة والسلوم والسمامة والشعانبي بمحافظة القصرين الكثيرين وتخلف لدى آخرين عاهات دائمة. 

فهذه الجبال، التي تمتد إلى أطراف محافظة سيدي بوزيد، كانت بعد الثورة التونسية في 2011 حصنا منيعا للجماعات الإرهابية المسلحة الموالية لتنظيمي القاعدة وداعش المتشددين، التي فخخت المنطقة بالألغام لحمايتها من عمليات أمنية وعسكرية ضدها، ضمن مناطق شكلت منطلقا لهجمات خاطفة تشنها ضد دوريات الجيش والحرس.

حدثت أعنف تلك الهجمات بين 2013 و2014، وأوقعت العشرات من القتلى من الجنود.

لا توجد إحصائيات رسمية تكشف العدد الحقيقي لضحايا الألغام المزروعة بالمنطقة. في المقابل، تشير تقارير إعلامية محلية إلى أن حصيلة القتلى بين المدنيين لوحدهم سنة 2023 بلغ 8 أشخاص، بينهم مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء، وتلميذ باكالوريا كان يجمع الحطب لبيعه وتوفير مستلزمات الدراسة، قبل أن ينفجر تحته لغم فقد بسببه إحدى عينيه ويده.

كما تشير وثيقة تناقلتها وسائل إعلام محلية، وقالت إنها رسمية، إلى أن عدد ضحايا الألغام من المدنيين بمحافظة القصرين لوحدها بلغ نحو 17 قتيلا و22 جريحا منذ 2013 .

ورغم انتشار ألغام بالمنطقة، يضطر سكان مرتفعات القصرين إلى المخاطرة بحياته والتنقل بين أرجاء المكان بحثا عن كلء لمواشيهم أو لقضاء غاياتهم اليومية.

والي القصرين يزور التوهامي بعد حادث انفجار اللغم

يقول التوهامي برانصي "نحن مضطرون للمخاطرة بحياتنا والخروج إما لرعي الأغنام أو جمع نبات الإكليل أو الحطب لتوفير قوت يومنا، فهي مورد رزقنا الوحيد. هذا نشاط السكان هنا، ومحظوظ من يعود سالما إلى عائلته".

ويضيف، في سياق الحديث عن خطر الألغام الذي يترصد سكان المكان، إن كثيرين ممن توفوا بسبب الألغام تركوا وراءهم عائلات فقيرة. ويقول "لدي ثلاثة أبناء يدرسون وأنا العائل الوحيد لهم، ماذا لو مت في حادثة انفجار لغم؟ لقد تلقيت الكثير من الوعود بتحسين وضعيتي الاجتماعية وبعث مشروع خاص، لكن إلى حد الآن لم يحدث شيء، سوى الإحباط الذي يزداد مع مرور الوقت".

حياة بين الألغام

نجمة الرحيمي (43 سنة)، هي الأخرى ضحية لانفجار لغم أرضي في محافظة القصرين. حدث ذلك سنة 2018 في جبل السلوم حين خرجت لرعي الأغنام وجمع الحطب رفقة إحدى قريباتها. أسفر الحادث عن أضرار بعينيها وجروح ببطنها. أما قريبتها ففقدت ساقها، لكن الألغام لم تترك لها حيزا حتى للعيش دون رجل، فقد توفيت في حادث انفجار لغم آخر. 

تحكي نجمة لـ"أصوات مغاربية" معاناتها عقب الحادث "لقد تم إجراء عملية جراحية لإزالة الشظايا من جسمي في المستشفى العسكري بتونس العاصمة، لكنني لم أستكمل مواعيد العلاج بسبب ارتفاع تكاليف التنقل وعدم قدرتي على دفع ثمن الأدوية".

وتكشف المتحدثة أنها تلقت نحو 1300 دولار تعويضا من السلطات التونسية عن الأضرار التي لحقتها، غير أنها تقول إن ذلك المبلغ لم يكفها حتى لتغطية مصاريف العلاج، مما اضطرها لمواصلة نشاطها في جمع الحطب لإعالة أطفالها، والمخاطرة بحياتها في شعاب مفخخة بالألغام.

خط الدفاع الأول

مع تكرر وقائع انفجار الألغام، تُطرح أسئلة عن دور السلطات في مواجهة المشكل. بينها كيفية ومعايير تعويض ضحايا الألغام.

رئيسة الهيئة العامة للمقاومين وضحايا الثورة والعمليات الإرهابية، فوزية اليعقوبي، كانت قد أجابت عن بعضها حين صرحت في يناير 2023 لوكالة الأنباء التونسية بأن "القضاء والأمن يحددان ما إذا كانت إصابات (بتر أعضاء) الجرحى من المدنيين من سكان المناطق العسكرية المغلقة نتيجة عمليات إرهابيّة من عدمها".

لكن كثيرين يدعون إلى "قدر أكبر من المسؤولية" من الدولة تجاه المشكل. أحد هؤلاء المحامي والمختص في قضايا الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة، سمير بن عمر، الذي يعتبر أن سكان القرى المحاذية للمرتفعات التي تضم عددا كبيرا من الألغام الأرضية يعدون "خط الدفاع الأول ضد خطر الإرهاب"، مما "يزيد في حجم مسؤولية الدولة في توفير الرعاية والإحاطة الاجتماعية بهم"، بحسبه.

هذا ما دفع بن عمر، كما يؤكد في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، لرفع دعوى قضائية ضد الدولة التونسية  في وقت سابق على خلفية تعرض شاب لانفجار لغم تسبب له في أضرار جسيمة وعاهة دائمة، إلا أن المحكمة رفضت تحميل المسؤولية للدولة، وفق بن عمر، لافتا إلى أن "هناك نقصا تشريعيا في هذا الجانب".

ويدعو المتحدث السلطات التونسية إلى "إعادة النظر" في القوانين المتعلقة بمكافحة زرع الألغام، وإدماج المدنيين ضمن "استراتيجية الدولة في دعم الفئات المهمشة والفقيرة"، و"توفير مشاريع تساعدهم على عدم المجازفة والدخول إلى المناطق الملغومة والخطرة"، وفقه.

معضلة مستمرة

رغم توقيع تونس، في ديسمبر 1997، على اتفاقية الأمم المتحدة لحظر واستعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام، المعروفة بمعاهدة "أوتاوا"، ودخولها حيز التنفيذ سنة 1999، إلا أن تواصل انفجار الألغام في مرتفعات الوسط الغربي لتونس أثار موجة انتقادات للسلطات التونسية بشأن استراتيجيتها في التخلص من هذه المخاطر.

وفي هذا الخصوص، يقول العميد العسكري والخبير الأمني، مختار بن نصر لـ"أصوات مغاربية"، إن هذه "المعضلة" ستستمر بالنظر إلى الصعوبة في كشف أماكن هذه الألغام. السبب، كما يوضح الخبير، هو أن واضعيها يخبئونها في أوعية بلاستيكية حتى يصعب رصدها بواسطة كاشفات الألغام المغناطيسية.

ويشير بن نصر إلى أن البحث عن الألغام يتم عبر الكلاب المدربة، وهي مهمة صعبة جدا نظرا لامتداد الجبال على مئات الكيلومترات، مؤكدا أن الجيش التونسي يمنع السكان المحليين من دخول المناطق العسكرية المغلقة، وهي أيضا مهمة صعبة بالنظر إلى أن هذه الجبال توفر مورد رزق لمئات العائلات إما عبر الرعي أو تربية النحل أو الحطب.

وبشأن دور اتفاقية "أوتاوا" في تخفيف تبعات المشكل، أكد الخبير الأمني أن تونس "نجحت في التخلص بشكل كامل من مخزون الألغام المضادة للأفراد قبل الثورة"، غير أن عودة زراعتها من قبل الجماعات المسلحة بعد 2011، فضلا عن وجود ألغام تعود إلى الحربين العالميتين، بات يطرح "تحديا جديدا للدولة".

وسبق لتونس أن أعلنت في 2009، بمقتضى معاهدة "أوتاوا" استكمالها تطهير جميع المناطق الخطرة من الألغام الأرضية، إلا أن تقريرا لمرصد الألغام الأرضية لسنة 2023 أفاد بأن تونس لم تبلغ عن أي أنشطة للتوعية بالمخاطر أو مساعدة الضحايا في عام 2022.

حلول السلطة

ولئن قامت السلطات التونسية في 2022 بإرساء مؤسسة "فداء" لمتابعة أوضاع ضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين والأمنيين وحتى ضحايا ثورة 2011، فإن عدم إدراج المدنيين ضحايا انفجار الألغام ضمن مهام هذه المؤسسة بات يثير نقاشا في الأوساط الحقوقية في البلاد، والتي دعت إلى إعادة تنقيح المرسوم المتعلق بإحداثها.

في هذا السياق دار لقاء  بين الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس مؤسسة "فداء"، أحمد جعفر، في 10 أكتوبر الجاري. الهدف إطلاق مشروع تنقيح المرسوم الذي أنشأ هذه المؤسسة بهدف "دعمها لتحقيق أهدافها"، وفق بلاغ صادر عن الرئاسة التونسية.

الرئيس سعيد شدد حينها على أن الدولة "لن تنسى أبدا ضحايا الاعتداءات الإرهابية". ما فتح أفقا لدى ضحايا الألغام بأن يتضمن القانون الجديد ذكرا لهم.


المصدر: أصوات مغاربية