Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

القناة الأمازيغية المغربية
القناة الأمازيغية المغربية- المصدر: سوشل ميديا

احتفت صحيفة "العالم الأمازيغي" مؤخرا بمرور 23 عاما على تأسيسها، وهي تعتبر المقاولة الإعلامية "الوحيدة" بالمغرب التي تقاوم التحديات التي تواجه الإعلام الأمازيغي رغم مرور سنوات على دسترة اللغة الأمازيغية كلغة رسمية للبلاد إلى جانب العربية. 

وعبر نشطاء وباحثون في مقالات رأي احتفاء بالمناسبة عن اعتزازهم بالصحيفة، التي بقيت "صامدة" لأزيد من عشرين عاما في وجه الإكرهات التي تواجه قطاع الإعلام المكتوب بالمغرب بشكل عام والأمازيغي بشكل خاص. 

في هذا الصدد، قال محمد الغيداني، الإعلامي وصاحب كتاب "الإعلام السمعي البصري الأمازيغي ومسألة الهوية"،  إن استمرار "العالم الأمازيغي" على الصدور "يمنحها صفة أقدم جريدة أمازيغية ويجعلها أرشيفا مهما يؤرخ للعديد من الأحداث التي مرت بها الحركة الثقافة الأمازيغية". 

وتابع في مقال نشرته الصحيفة "كما يجب ألا نغفل الدور التكويني للجريدة التي أصبحت مدرسة ساهمت في تكوين وتلقين مبادئ الممارسة الصحافية لعدد من الأسماء التي أصبحت نجوما في سماء الإعلام السمعي البصري الأمازيغي". 

ومن جانبه، قال لحسين مجاهد، عضو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن الصحيفة "من قلائل المنابر المرصودة حصرا للأمازيغية والتي تمكنت بصمودها من انتظام الإصدار في المشهد الإعلامي الأمازيغي". 

وتكررت كلمة "صمود" في مجمل الآراء التي عبر عنها نشطاء وباحثون في احتفائهم بذكرى تأسيس الصحيفة، مشيدين بنجاحها في مواصلة الصدور بثلاث لغات، أمازيغية وعربية وفرنسية. 

وتعليقا على هذه التجربة، عبرت أمينة بن الشيخ، مديرة ورئيسة تحرير الصحفية، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، عن سعادتها بمرور 23 عاما على تأسيس الصحيفة، قائلة: "بالنسبة لشعوري بمناسبة بلوغ جريدة العالم الأمازيغي سنتها الثالثة والعشرون فهو شعور ممزوج بالفرح والافتخار كون هذا المنبر الإعلامي الأمازيغي الوحيد الذي فعلا صمد كل هذه السنين". 

وتابعت "نعم أقول صمود لأنه ليس من السهل على جريدة ذات مضامين أمازيغية وبثلاث لغات وكل لغة بحروفها كتجربة أولى في المغرب أن تستمر خصوصا مع البدايات أي قبل الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب". 

وعادت بن الشيخ، التي تشغل أيضا منصب المكلفة بملف الأمازيغية في الحكومة المغربية، إلى بدايات "العالم الأمازيغي"، مؤكدة أن مقاولتها اعتمدت على مدار 6 سنوات بعد تأسيسها على التمويل الذاتي، مضيفة "لم تتلق الجريدة دعم الدولة إلا بعد معركة طويلة مع وزارة الاتصال آنذاك وكان الدعم المتوصل به بعد ربح هذه المعركة أدنى أو أقل دعم ومع ذلك قبلنا التحدي واستمرت الجريدة ولازالت المعاناة مستمرة للأسف خصوصا وأن الدولة أوقفت دعم الورق وباقي المصاريف وأبقت فقط على دعم أجور الصحافيين". 

وأفاد رشيد راخا، الناشط والصحفي بـ"العالم الأمازيغي"، في حوار سابق مع "أصوات مغاربية"، بأن الصحيفة " مستمرة في الصدور رغم مجموعة من التحديات. 

وقال حينها "لتوضيح الصورة، باستثناء إعلانات فاعل عمومي في الاتصالات ومؤسسة بنكية لا تتوفر الصحيفة على أي دعم قار حتى أن الدعم العمومي المقدم للصحفية تقلص في الآونة الأخيرة إلى 160 ألف درهم سنويا (حوالي 16 ألف دولار) وبالكاد يكفينا لتغطية أجور الصحافيين، بينما لا يتجاوز دعم المعهد الملكي للثقافة الامازيغية 4000 دولار سنويا". 

"صحافة ثقافية احتجاجية" 

شهد المغرب ميلاد الصحافة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، حيث ظهرت صحف ومجلات كان بعضها ناطقا باسم القوى الاستعمارية، ولم تشهد البلاد ميلاد صحف ناطقة أو مدافعة عن الأمازيغية إلا في سبعينيات القرن الماضي أي بعد تأسيس الحركة الأمازيغية. 

ويميز الباحث في الثقافة الأمازيغية، أحمد عصيد، بين المراحل التي شهدتها هذه الصحافة بالقول إنها انطلقت في بداياتها "كصحافة ثقافية وتطورت نحو خطاب سياسي أو ثقافي مسيس أكثر فأكثر". 

ويضيف في شهادة وردت في كتاب "الصحافة الأمازيغية المكتوبة في المغرب بين النشأة والتطور" لكاتبه التجاني بولعوالي، "انطلقت الصحافة الأمازيغية كصحافة احتجاجية مناضلة ضد سياسة الدولة المغربية المفرطة في تمركزها والقائمة على قواعد لعبة إقصائية وانتقائية، ثم مرحلة ثالثة كصحافة مستقلة عن الدولة وعن الأحزاب السياسية مما جعلها تبدو كصحافة تمارس نوعا من 'العقوق' الثقافي والسياسي ضد ما هو سائد". 

من بين تلك التجارب، صحيفة "أمازيغ" التي ظهرت أوائل الثمانينيات وعرفت بجرأتها في تناول المسألة الأمازيغية بالمغرب، حتى أنها توقفت عن الصدور بعد عددها الأول بسبب مقال كتبه الناشط علي صدقي أزيكو، اعتبرته السلطات حينها "مسا بأمن الدولة" لتعتقله ويصنف كأول معتقل سياسي أمازيغي في تاريخ البلاد. 

حضور إذاعي "محتشم" 

عرف المغرب الصحافة الإذاعية منذ عام 1938، تحت اسم "راديو ماروك"، وكانت الإذاعة خلال تلك المرحلة تخصص 10 دقائق لتعبير تشلحيت (أمازيغية الجنوب)، ثم امتد البث إلى 12 ساعة معدل أربع ساعات يوميا في منتصف سبعينيات القرن الماضي. 

وفي عام 2020، أعلنت الإذاعة الأمازيغية الحكومية المغربية عن بث برامجها على مدار 24 ساعة متواصلة، وتغطي هذه البرامج مختلف التعابير والمواضيع التي تهم أمازيغ المغرب. 

أما على مستوى الإذاعات الخاصة، فبقي حضور الأمازيغية فيها محتشما إلى اليوم وبقي محدودا في بعض الإذاعات على غرار "راديو دوزيم" وإذاعة "ميد راديو" رغم ما عرفه الإعلام الخاص بالمغرب من تطور وانتشار. 

انفتاح و"كوطا"

تلفزيونيا، شكل إعلان الملك الراحل الحسن الثاني أوائل التسعينيات عن إدراج "نشرة اللهجات الأمازيغية" لأول مرة في التلفزيون العمومي، حدثا مفصليا في تاريخ الإعلام الأمازيغي بالمغرب، حيث استمتع أمازيغ البلاد لأول مرة بمشاهدة نشرات ناطقة بلغتهم. 

وفي عام 2010، أطلق المغرب أول قناة عمومية ناطقة باللغة الأمازيغية، في حدث آخر وصفته الحركة الأمازيغية بالمغرب بـ"التاريخي". 

تبث القناة "الثامنة" برامجها بدءا من الساعة 12 ظهرا وتستمر في البث إلى غاية الثانية بعد منصف الليل وهي تعمل  على متابعة المسألة الأمازيغية بالمغرب مع تخصيص حيز مهم للثقافة الأمازيغية المغربية بمختلف ألوانها. 

وتعليقا على حضور الأمازيغية في الإعلام العمومي بشكل عام، طالب "المركز المغربي للإعلام الأمازيغي" في بيان صدر العام الماضي، بإلغاء ما وصفه بـ"منطق الكوطا" في الإعلام العمومي، وبالرفع من حصة الأمازيغية بشكل متساو مع العربية، في إشارة إلى دفتر تحملات الإعلام العمومي الذي يلزم القنوات العمومية بتخصيص 30 في المائة من برامجها للأمازيغية.

وجاء في البيان "لابد من إعادة النظر في منطق التقسيم الزمني لحصة الأمازيغية بالقنوات والإذاعات الرسمية، واعتماد المساواة فيه عبر تمكين الأمازيغية من حضور وازن بها يتساوى مع العربية، في جميع القنوات". 

وأضاف متسائلا "لا يمكن حشر الإعلام الأمازيغي في قناة تلفزية واحدة، دون المستوى، من أصل 11 قناة رسمية، أي عدل وأي منطق هذا؟ فإذا كنا نتحدث بمنطق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا فللأمازيغية الحق في التواجد بنفس نوع ومدة حضور العربية". 

بالنسبة للصحافة الإلكترونية، يظل موقع "العالم الأمازيغي" أيضا من بين المواقع الإلكترونية الأمازيغية القليلة بالمغرب، إذ لا تنافسه غير النسخة الأمازيغية من وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية وموقع مجلة "زيك ماكازين" التاريخية. 

الأسباب

وتعلق أمينة بن الشيخ، على هذا الحضور المحتشم بالقول "للأسف فالإعلام سواء المكتوب أو السمعي البصري بدون دعم أو إشهار يصعب أن يستمر وإذا استمرّ بدون دعم فسيكون بالتأكيد ناقصا ولن يبلغ المقصود". 

ولا تتوفر إحصائيات رسمية توضح حجم استفادة الإعلام الأمازيغي من الدعم الحكومي، حيث يكتفي المسؤولون من حين لآخر بالتأكيد على وجود إرادة سياسية لنهوض بالإعلام الأمازيغي. 

من جانبه، عزا الإعلامي الأمازيغي رشيد بوقسيم الإكراهات التي تواجه الإعلام الناطق بالأمازيغية بالمغرب إلى ضعف الدعم العمومي وإلى ضعف تكوين المشتغلين فيه. 

وقال بوقسيم في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن الإعلام الأمازيغي الحالي "لا يؤثر ولا يزعج" وفق تعبيره، مضيفا "الإعلام الرسمي مثلا متخلف لا يساير العصر، أما الإعلام الخاص فأرى أنه لا نتوفر على إعلام مستقل باستثناء بعض البرامج التي تبث على اليوتيوب". 

وتابع "الإعلام الأمازيغي لم يساير للأسف الدينامية التي يعرفها المجتمع لأن النضال لا يكفي، ونحتاج إلى مهنيين دارسين للإعلام وهنا لا بد من أن يركز المعهد العالي للإعلام والاتصال على تكوين صحافيين ناطقين باللغة الأمازيغية لأن التكوينات والورشات الموسمية القصيرة لا تفيد". 

ودعا بوقسيم الجهات الحكومية إلى الرفع من دعمها المقدم للإعلام الأمازيغي حتى "يجد المواطن نفسه وذاته في الإعلام"، وفق تعبيره. 

من جانبها، وتعليقا على ضعف الدعم المقدم للصحافة الأمازيغية تضيف بن الشيخ، أن الحكومة الحالية "لم تغفله"،  موضحة "أُدرج كمشروع أساسي من بين المشاريع التي تضمنتها خارطة الطريق التي وضعناها خلال هذه الولاية، خارطة الطريق التي أخذناها من المخطط الحكومي المندمج لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في احترام تام للمراحل التي نص عليها الفصل 31 من القانون 16/26 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية". 

  • المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

العنف الرقمي يشمل التحرش والابتزاز والتنمر والتمييز والسب والقذف
العنف الرقمي يشمل التحرش والابتزاز والتنمر والتمييز والسب والقذف

"أتمنى من الله أن يعجل بموتي حتى لا أعيش في هذا العذاب"، هكذا بدأت نعيمة حديثها لـ"الحرة"، وهي تصف الصدمة العميقة التي اجتاحت عائلتها بعد تعرض ابنتها القاصر مريم لابتزاز رقمي إثر نشر فيديو اعتداء ومحاولة اغتصاب لها عبر تطبيق التواصل الفوري "واتساب".

نعيمة (44 سنة)، أم لولد وثلاث بنات بمدينة الدار البيضاء، وجدت نفسها في مواجهة أزمة تفوق قدرتها على التحمل وغارقة في دوامة اليأس والقلق وهي تشاهد حياة أسرتها تنهار أمام عينيها، حيث بدأت مأساتها عندما أخذ شاب رقم هاتف ابنتها مريم عنوة أثناء اشتغالها كبائعة متجولة لشرائح الهاتف، وأصبح يضايقها رغم محاولاتها التخلص منه، وانتهت بالاعتداء عليها وتصويرها في وضع مهين، ما أدى إلى انهيارها النفسي وعزلتها عن العالم.

ورغم تقديم نعيمة لشكوى ضد الشاب الذي عنف ابنتها وحاول اغتصابها وتم الحكم عليه مؤخرا بالسجن لثلاث سنوات، إلا أن معاناة الأم المكلومة لا تزال متواصلة بعد أن تسبب الفيديو الذي أرسله الجاني إلى أخت مريم في تفكيك كامل للأسرة، زوجها هجرها وابنها الأكبر ترك المنزل، ومريم تزوجت عرفيا بشاب آخر وعدها بكتابة عقد الزواج عند إتمامها السن القانوني (18 سنة).

تعيش نعيمة اليوم مع ابنتيها المتبقيتين في حالة من الصدمة والاضطرابات النفسية، تتنقل بين المستشفى ومحاولات العمل لتوفير لقمة العيش، وتخشى نشر الفيديو على المنصات الاجتماعية أمام تهديدات مستمرة لأخ الجاني، معتبرة أن حياة أسرتها مرهونة بحجب هذا الفيديو مما يعمق معاناتها.

انتقام وتهديد
كما هو الحال مع مريم، نجد في قصة نجوى (19 سنة) نموذجا آخر لامرأة اختارت مواجهة العنف الرقمي بعد أن تعرضت لمحاولة اغتصاب من طرف شاب تعرفت عليه وعمرها يصل 16 سنة، فاضطرت للزواج من المعتدي تحت ضغوط اجتماعية رغم عدم تحرير عقد زواج رسمي بسبب سنها غير القانوني.

لم تنته معاناة نجوى بعد انتقالها إلى بيت زوجها، بل تحولت إلى حلقة من العنف الجسدي والنفسي، بالإضافة إلى تصويرها سرا وهي تغير ملابسها وفي وضعيات حميمية معه، وبعد بلوغها 18 سنة تم توثيق الزواج لكن سرعان ما طردها زوجها من المنزل وهي حامل، مهددا إياها بنشر فيديوهاتها إذا لم تتقدم بطلاق اتفاقي والتنازل عن حقوقها.

تقول نجوى لـ"الحرة": "رفضت الخضوع لابتزازه رغم الظروف الصعبة بعد الإنجاب والعيش مع أسرتي الفقيرة القاطنة بإحدى بيوت دور الصفيح، إذ رفعت دعوى قضائية ضده وتم اعتقاله لسبعة أشهر إلى أن تنازلت عن الدعوى بعد تسوية مع عائلته بأداء واجبات النفقة والحضانة، لكن التهديدات استمرت بعد الإفراج عنه ورفض أداء مستحقاتي".

لا تزال نجوى تواجه الابتزاز الرقمي من زوجها وتقف عاجزة على رفع دعوى قضائية جديدة بسبب ظروفها المادية الصعبة، مشيرة إلى أنها تعيش وضعا من اليأس والاكتئاب والخوف المستمر بعد أن أصبح هاتفها رمزا للرعب إذ في أي لحظة قد تنشر تلك الصور لتدمر ما تبقى من حياتها.

التفكير في الانتحار
وفي الوقت الذي قررت مريم ونجوى التبليغ ضد العنف الرقمي، فإن أغلب النساء في المغرب مازلن يترددن في اتخاذ هذه الخطوة مخافة الوصم الاجتماعي، وهو ما حصل مع قصة هدى (26 سنة)، وهي طالبة في السنة الأخيرة بشعبة الطب والصيدلة، حيث تعيش تجربة قاسية مع العنف الرقمي الذي قلب حياتها رأسا على عقب.

وفي حديثها لـ"الحرة"، تحكي هدى أنها كانت على علاقة عاطفية لمدة ثلاث سنوات مع شاب يبلغ من العمر 29 سنة، يشتغل في مركز اتصال بمدينة المحمدية، وتقول "رغم أنني كانت على علاقة رضائية معه إلا أنني قررت إنهاءها للتركيز على دراستي، لكنه لم يتقبل ذلك وبدأ يهددني بنشر فيديو جنسي سجله لي دون علمي".

وتوضح هدى أن التهديدات كانت موجهة إلى أسرتها ومعارفها على منصات التواصل الاجتماعي وتخاف أن تدمر سمعتها المهنية كمستقبل طبيبة، منبهة إلى أنها "تحولت من شابة مفعمة بالحياة ومقبلة على مهنة إنقاذ الأرواح إلى شابة مكتئبة تعيش في السواد وتفكر في الانتحار".

رغم رغبتها في تقديم شكاية، تخشى هدى من اتهامها بالفساد نظرا لتجريم القانون الجنائي للعلاقات الرضائية، ولا تزال مترددة في اتخاذ هذه الخطوة، مكتفية بالبوح وكسر حاجز الصمت مما وفر لها بعض الارتياح بعيدا عن أحكام المجتمع القاسية، بحسب تعبيرها.

أرقام مقلقة
في السنوات الأخيرة، نبهت تقارير رسمية وحقوقية إلى تنامي معدلات العنف الرقمي ضد النساء بالمغرب، إذ سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان (رسمي) في دراسة أجراها عام 2023 وشملت 180 حكما قضائيا تتعلق بقضايا العنف ضد النساء، بأن العنف الرقمي يتصدر قائمة أشكال العنف التي تتعرض لها النساء بنسبة 33٪.

وذكر تقرير للمندوبية السامية للتخطط (مؤسسة رسمية) صدر خلال مارس من العام الماضي، أن قرابة 1.5 مليون امرأة تعرضن للعنف الرقمي إما بواسطة الرسائل الإلكترونية أو المكالمات الهاتفية أو الرسائل النصية، بينما تؤكد معطيات المديرية العامة للأمن الوطني وجود ارتفاع في عدد الشكايات المتعلقة بالعنف ضد النساء والفتيات بواسطة التكنولوجيا الحديثة، إذ سجلت 622 شكاية عام 2019 و761 عام 2020.

وسجلت دراسة أعدتها جمعية "التحدي للمساواة والمواطنة" تزايد العنف الرقمي خلال الخمس سنوات الأخيرة (سبتمبر 2018 إلى غاية سبتمبر 2023)، موضحة أن العنف الرقمي يمارس في معظم الحالات من قبل الأشخاص المقربين من الضحية بما في ذلك الزوج (14٪) والمقربون بنسبة 36٪، وأن وسائل التواصل الاجتماعي هي الأكثر استخداما في ممارسة العنف الرقمي ضد المرأة بنسبة 70.2٪ من إجمالي وسائل التواصل التي تم استخدامها.

وبحسب الجمعية، فإن العنف الرقمي هو "كل عمل من أعمال العنف ضد المرأة التي تستخدم في ارتكابه أو تساعد عليه أو تزيد من حدته جزئيا أو كليا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كالهواتف المحمولة والذكية أو الانترنت أو منصات التواصل الاجتماعي أو البريد الالكتروني، ويستهدف المرأة أو يؤثر في النساء بشكل غير متناسب".

"أكثر تعقيدا"
وتعتبر منسقة مراكز الاستماع بجمعية "تحدي المساواة والمواطنة"، رجاء حمين، أن العنف الرقمي ضد النساء هو "أخطر أنواع العنف ضد المرأة وأكثر تعقيدا من أشكال العنف التقليدية وأعمقها أثرا حيث ينتشر بسرعة وغير محدود في الزمان والمكان"، مشيرة إلى أنه يشمل التحرش والابتزاز والتنمر والتمييز والسب والقذف والتهديد بنشر صور حميمة وأنه يبقى مفتوحا على أشكال أخرى أمام التطور التكنولوجي.

وتؤكد حمين في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، أن هذا العنف لا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل يستهدف نساء وفتيات من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، بما في ذلك المتزوجات اللواتي يتعرضن للابتزاز والتهديد بنشر صورهن الحميمية من أجل التنازل عن حقوقهن في النفقة أو حضانة الأطفال.

وتشدد الناشطة الحقوقية على ضرورة تعزيز التوعية والتحسيس في ظل التنامي المهول لهذه الظاهرة بسبب انتشار الأمية الرقمية، داعية إلى تشجيع الضحايا على التبليغ عن الجرائم التي يتعرضن لها "لأن الصمت يشجع الجناة على الإفلات من العقاب واستهداف ضحايا جدد".

وبشأن تداعيات العنف الرقمي، تقول المتحدثة ذاتها إنه "يدمر حياة الأسر ويصعب علاج آثاره النفسية التي تصل إلى حد انتحار الضحايا أو أقربائهم"، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن ناجيات من هذا العنف في غياب أي ضمان لإعادة نشر مثلا تلك الصور أو مقاطع الفيديو على المواقع الرقمية بعد مرور سنوات.

"أزمة قيم"
ومن جانبها، ترى عضوة "فيدرالية رابطة حقوق النساء"، خديجة تيكروين، أن البيئة الاجتماعية والثقافية بالمغرب تشكل تربة خصبة لانتشار العنف الرقمي ضد النساء، حيث تعامل المرأة كجسد ويطبع المجتمع مع العنف ضدها، سواء في الواقع أو الفضاء الرقمي.

وأوضحت تيكروين في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن العديد من شهادات النساء ضحايا العنف الرقمي أظهرت قلة الوعي التقني والجهل بإدارة المحتوى الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي مما يعرضهن لخطر انتشار صورهن الخاصة بسبب ضعف أدوات الحماية، إضافةً إلى العقلية الاجتماعية التي غالبا ما تلقي باللوم على الضحية.

وفي هذا السياق، تحذر الناشطة الحقوقية أن هناك أزمة قيم اجتماعية باتت تساهم بارتفاع نسبة ضحايا العنف الرقمي عبر ما يتم ترويجه في تطبيقات ومنصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك"، إذ تدفع الفتيات للتركيز على مظهرهن الخارجي كأداة لجذب الانتباه، ما يغير من نظرة المجتمع لهن كأفراد رغم أن الواقع والإحصائيات تشير إلى أن الفتيات متفوقات أكاديميا.

ويضيف المصدر ذاته، أن القوالب الثقافية السائدة تدين النساء بشكل مضاعف وتحد من الإبلاغ عن حالات الابتزاز الرقمي، خاصة عندما ينظر للنساء على أنهن مسؤولات عن تعرضهن للعنف، منبهة إلى تفاقم آثار العنف الرقمي ضد النساء في ظل غياب الدعم النفسي والمجتمعي الكافي لهن.

ضعف المعالجة الرقمية
وبدوره يؤكد الخبير في الأمن الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، أمين رغيب، استمرار تنامي العنف الرقمي ضد النساء بالمغرب بسبب الارتفاع المتزايد لمستخدمي المنصات الاجتماعية وتطور التكنولوجيات الحديثة وغياب الوعي بمخاطرها لاسيما في صفوف النساء، مشيرا إلى استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد صور وفيديوهات غير حقيقية للضحايا مما يساهم في انتشار الظاهرة.

وينبه رغيب في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، إلى أنه من الناحية التقنية يصعب القضاء على جريمة العنف الرقمي لأن الأمر لا يتعلق بحجب الفيديو حتى لا ينتشر أكثر وإنما لغياب ضمانات بعدم تخزينه ونشره لاحقا، مسجلا ضعف الاستجابة من منصات التواصل الاجتماعي أثناء الإبلاغ عن المحتوى المسيء لضحايا العنف الرقمي.

وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الرقمي على أهمية وعي النساء بمخاطر العالم الرقمي وضرورة وضع حدود واضحة للعلاقات خاصة ما يتعلق بتوثيق اللحظات ومشاركتها تجنبا للمشاكل المستقبلية، مقترحا أن يكون هناك ممثلون قانونيون لشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب لتسهيل التعامل مع الشكاوى وحماية الضحايا بشكل أفضل.

ضعف الحماية القانونية
وأفادت المحامية والحقوقية، سعاد بطل، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، بأن الإطار القانوني في البلاد يجرم العنف ضد النساء بكل أشكاله مثل العنف النفسي والجسدي والاقتصادي، مستدركة "إلا أنه لم يشمل العنف الرقمي بنص صريح مما يجعل إثبات العنف الإلكتروني يمثل تحديا صعبا ويساهم في تنامي هذه الظاهرة".

وتسجل بطل في حديثها "ضعف الحماية القانونية لضحايا العنف الرقمي نظرا لغياب تعريف واضح في القانون وضعف تنفيذ العقوبات رغم كونها مخففة"، منتقدة ما جاء في القانون الجنائي من فصول غير رادعة لجريمة العنف الرقمي ضد النساء سواء من حيث الجزاء أو الحماية أو آليات التنفيذ.

وتشدد المحامية على ضرورة مراجعة المساطر القانونية التي تقف عاجزة في مكافحة هذه الظاهرة عبر تسهيل مسطرة التبليغ وحماية المبلغين وتشديد العقوبات وإنصاف الضحايا بتوفير مؤسسات الدعم النفسي للمواكبة والشعور بالأمان الثقة.

المصدر: موقع الحرة