Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Sudanese soldiers from the Rapid Support Forces unit which led by Gen. Mohammed Hamdan Dagalo, the deputy head of the military…
تثير الاشتباكات شمال دارفور مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة- أرشيفية

تُلقي الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منطقة شمال دارفور على الحدود مع ليبيا بظلالها على الوضع الأمني في ليبيا المجاورة، مما يُثير مخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وتزايد الهجرة غير النظامية، وتنامي النشاط الإرهابي، وازدياد الجرائم المنظمة.

ووفقا لمحللين، فإن الاشتباكات في المناطق الحدودية مع ليبيا تُهدد بتفاقم أزمة الهجرة غير النظامية عبر الحدود الليبية السودانية، حيث قد يلجأ المزيد من المدنيين الفارين من القتال إلى البحث عن الأمان في ليبيا، مما يُشكل عبئا على مواردها المحدودة، ويزيد من مخاطر الاتجار بالبشر.

كما يتخوف آخرون من أن يؤدي عدم الاستقرار الناتج عن الصراع إلى توفير بيئة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة، هذا بالإضافة إلى مخاوف من أن تُنعش الاشتباكات تحرك الجماعات الإجرامية الناشطة في مجال تهريب الأسلحة والمخدرات، وذلك في ظل ضعف السيطرة على الحدود، وانشغال السلطات في كلا البلدين بأزماتهما الداخلية.

مخاطر أمنية

وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الليبي، محمود إسماعيل، أن "ليبيا التي تربطها بالسودان حدود طولها 280 كيلومترا تواجه مخاطر جسيمة على كافة الأصعدة، خاصة مع تفاقم هشاشة الوضع الأمني والحكومي، وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة، ونقص الإمكانيات اللازمة لحماية حدودها".

ويضيف إسماعيل، في حديث مع "أصوات مغاربية"، أن "هذه الظروف تُشكل بيئة خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية، وتُسهل عمليات تجارة الأسلحة والاتجار بالبشر، مما يُهدد الأمن القومي الليبي ويُعيق جهود الاستقرار".

ويشير المتحدث إلى أن قوات "الدعم السريع" بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، الملقب بـ "حميدتي"، كانت من بين القوات التي دعمت هجوم المشير خليفة حفتر على غرب ليبيا في عام 2019، في محاولة للسيطرة على العاصمة طرابلس، لافتا إلى أن "كلًا من حميدتي وحفتر يتلقى دعما من دول بعينها، مما يُساهم في تقويض الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها قواتهما، ويعطي لما يجري أبعادا دولية".

وتابع المحلل الليبي أن "هذا الوضع أسفر عن تدفقات غير مسبوقة للاجئين السودانيين الذين يفرون من ويلات الحرب بحثا عن فرص اقتصادية في ليبيا أو هربا من أعمال الانتقام والعنف والاغتصاب"، مردفا "هذا التدفق سيؤثر بلا شك على الأوضاع الاقتصادية والأمنية في ليبيا".

ويحذر إسماعيل من "خطر استغلال الفوضى والانقسام في ليبيا من قبل دول خارجية، لا سيما روسيا التي تسعى للتوسع في المنطقة"، مؤكدا أن "سجل روسيا في الفترة الأخيرة حافل بتغيير الأنظمة، خاصة تلك التي كانت في نطاق نفوذ الدول الغربية، مما يدعو للقلق من استهدافها لليبيا". 

تحديات الجريمة واللجوء

من جانبه، يُشدد الإعلامي والمحلل السياسي الليبي، سالم بوخزام، على "ازدياد أعداد اللاجئين السودانيين في ليبيا، حيث وصل عددهم إلى أكثر من 70 ألف لاجئ، مع استمرار التدفقات كل يوم".

ويؤكد بوخزام، في اتصال مع "أصوات مغاربية"، إلى "وجود مخاطر أمنية مرتبطة بوجود هؤلاء اللاجئين، خاصة مع انتشار الأسلحة بشكل غير قانوني في ليبيا وضعف قدرتها على حماية حدودها، ناهيك عن شكوك بوجود مجرمين وسط هؤلاء اللاجئين". 

ويُلفت إلى أن "عبور اللاجئين يتمّ من مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر، خصوصا منطقة الكفرة، وهذا مؤشر جيد، لكن ضبط الحدود مسألة صعبة، كما أن أعدادا ضخمة تسللت إلى مناطق الداخل مثل سبها ومرزق والجفرة".  

ويُؤكد بوخزام على "ضرورة اتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه الأزمة، منها تعزيز التعاون بين ليبيا والأطراف المختلفة في السودان لتنظيم عملية الهجرة والحدّ من تدفق اللاجئين، وتشديد الرقابة على الحدود لمنع تهريب الأسلحة والمتاجرة بالبشر".

ويحذر من أن "هشاشة الوضع الأمني في ليبيا نتيجة الانقسام الحكومي يعقد من مهمة ضبط الحدود لمنع انتشار الجريمة وتنامي نشاط المنظمات الإرهابية، خصوصا مع ازدياد رغبة الهاربين من ويلات الحرب باللجوء إلى ليبيا".

ويؤكد بوخزام أن "استمرار الأحداث المُضطربة في شمال دارفور يشكل تهديدًا خطيرا للأمن القومي الليبي، مما يُضاعف الأعباء الاقتصادية على البلاد، خصوصا مع ازدياد الحاجة إلى إنشاء مخيمات جديدة ومستشفيات وتوفير بطاقات تسجيل للمقيمين في المدن الحدودية".

ويخلص إلى أن" الفقر المدقع وانعدام الأمن يُشكلان بيئة خصبة لنموّ الجريمة والأنشطة الإرهابية، مما يُهدد بمخاطر أمنية جسيمة".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

تونس بين البلدان التي تعاني من مشكل انتشار الألغام
تونس بين البلدان التي تعاني من مشكل انتشار الألغام

"أقسى ما يمنى به المرء في حياته هو الشعور بالعجز، وأن يساق مكرها إلى تقبل حقيقة أنه سيعيش على عاهة مستدامة، ساق مبتورة جراء انفجار لغم زرع في طريق الرعاة"، هكذا يلخص التوهامي برانصي  (41 سنة) ما آلت إليه حياته بعد حادثة انفجار لغم تعود للعام الماضي.

يضيف التوهامي واصفا بصوت خافت يخفي حزنا وضعه بعد ذلك اليوم الرمضاني الصادم "المؤلم أكثر أن تظل حيث أنت، تلازم ذلك المكان الذي فقدت فيه جزءا من جسمك. تتجرع مرارة ضنك العيش على سفوح جبال أصبح يخيم عليها شبح الموت ولا تستمع فيها إلا لأصوات الانفجارات".

كل شيء في حياة التوهامي تغير في ذلك اليوم من عام 2023 حين كان في طريقه المعتاد لرعي أغنامه بسفح جبل مغيلة بمحافظة القصرين، وسط غرب تونس. فجأة انفجر تحته لغم. فقد ساعتها الوعي ليستيقظ في المستشفى بدون ساقه اليسرى.

خطى فوق الموت

تقتل الألغام في جبال مغيلة والسلوم والسمامة والشعانبي بمحافظة القصرين الكثيرين وتخلف لدى آخرين عاهات دائمة. 

فهذه الجبال، التي تمتد إلى أطراف محافظة سيدي بوزيد، كانت بعد الثورة التونسية في 2011 حصنا منيعا للجماعات الإرهابية المسلحة الموالية لتنظيمي القاعدة وداعش المتشددين، التي فخخت المنطقة بالألغام لحمايتها من عمليات أمنية وعسكرية ضدها، ضمن مناطق شكلت منطلقا لهجمات خاطفة تشنها ضد دوريات الجيش والحرس.

حدثت أعنف تلك الهجمات بين 2013 و2014، وأوقعت العشرات من القتلى من الجنود.

لا توجد إحصائيات رسمية تكشف العدد الحقيقي لضحايا الألغام المزروعة بالمنطقة. في المقابل، تشير تقارير إعلامية محلية إلى أن حصيلة القتلى بين المدنيين لوحدهم سنة 2023 بلغ 8 أشخاص، بينهم مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء، وتلميذ باكالوريا كان يجمع الحطب لبيعه وتوفير مستلزمات الدراسة، قبل أن ينفجر تحته لغم فقد بسببه إحدى عينيه ويده.

كما تشير وثيقة تناقلتها وسائل إعلام محلية، وقالت إنها رسمية، إلى أن عدد ضحايا الألغام من المدنيين بمحافظة القصرين لوحدها بلغ نحو 17 قتيلا و22 جريحا منذ 2013 .

ورغم انتشار ألغام بالمنطقة، يضطر سكان مرتفعات القصرين إلى المخاطرة بحياته والتنقل بين أرجاء المكان بحثا عن كلء لمواشيهم أو لقضاء غاياتهم اليومية.

والي القصرين يزور التوهامي بعد حادث انفجار اللغم

يقول التوهامي برانصي "نحن مضطرون للمخاطرة بحياتنا والخروج إما لرعي الأغنام أو جمع نبات الإكليل أو الحطب لتوفير قوت يومنا، فهي مورد رزقنا الوحيد. هذا نشاط السكان هنا، ومحظوظ من يعود سالما إلى عائلته".

ويضيف، في سياق الحديث عن خطر الألغام الذي يترصد سكان المكان، إن كثيرين ممن توفوا بسبب الألغام تركوا وراءهم عائلات فقيرة. ويقول "لدي ثلاثة أبناء يدرسون وأنا العائل الوحيد لهم، ماذا لو مت في حادثة انفجار لغم؟ لقد تلقيت الكثير من الوعود بتحسين وضعيتي الاجتماعية وبعث مشروع خاص، لكن إلى حد الآن لم يحدث شيء، سوى الإحباط الذي يزداد مع مرور الوقت".

حياة بين الألغام

نجمة الرحيمي (43 سنة)، هي الأخرى ضحية لانفجار لغم أرضي في محافظة القصرين. حدث ذلك سنة 2018 في جبل السلوم حين خرجت لرعي الأغنام وجمع الحطب رفقة إحدى قريباتها. أسفر الحادث عن أضرار بعينيها وجروح ببطنها. أما قريبتها ففقدت ساقها، لكن الألغام لم تترك لها حيزا حتى للعيش دون رجل، فقد توفيت في حادث انفجار لغم آخر. 

تحكي نجمة لـ"أصوات مغاربية" معاناتها عقب الحادث "لقد تم إجراء عملية جراحية لإزالة الشظايا من جسمي في المستشفى العسكري بتونس العاصمة، لكنني لم أستكمل مواعيد العلاج بسبب ارتفاع تكاليف التنقل وعدم قدرتي على دفع ثمن الأدوية".

وتكشف المتحدثة أنها تلقت نحو 1300 دولار تعويضا من السلطات التونسية عن الأضرار التي لحقتها، غير أنها تقول إن ذلك المبلغ لم يكفها حتى لتغطية مصاريف العلاج، مما اضطرها لمواصلة نشاطها في جمع الحطب لإعالة أطفالها، والمخاطرة بحياتها في شعاب مفخخة بالألغام.

خط الدفاع الأول

مع تكرر وقائع انفجار الألغام، تُطرح أسئلة عن دور السلطات في مواجهة المشكل. بينها كيفية ومعايير تعويض ضحايا الألغام.

رئيسة الهيئة العامة للمقاومين وضحايا الثورة والعمليات الإرهابية، فوزية اليعقوبي، كانت قد أجابت عن بعضها حين صرحت في يناير 2023 لوكالة الأنباء التونسية بأن "القضاء والأمن يحددان ما إذا كانت إصابات (بتر أعضاء) الجرحى من المدنيين من سكان المناطق العسكرية المغلقة نتيجة عمليات إرهابيّة من عدمها".

لكن كثيرين يدعون إلى "قدر أكبر من المسؤولية" من الدولة تجاه المشكل. أحد هؤلاء المحامي والمختص في قضايا الجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة، سمير بن عمر، الذي يعتبر أن سكان القرى المحاذية للمرتفعات التي تضم عددا كبيرا من الألغام الأرضية يعدون "خط الدفاع الأول ضد خطر الإرهاب"، مما "يزيد في حجم مسؤولية الدولة في توفير الرعاية والإحاطة الاجتماعية بهم"، بحسبه.

هذا ما دفع بن عمر، كما يؤكد في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، لرفع دعوى قضائية ضد الدولة التونسية  في وقت سابق على خلفية تعرض شاب لانفجار لغم تسبب له في أضرار جسيمة وعاهة دائمة، إلا أن المحكمة رفضت تحميل المسؤولية للدولة، وفق بن عمر، لافتا إلى أن "هناك نقصا تشريعيا في هذا الجانب".

ويدعو المتحدث السلطات التونسية إلى "إعادة النظر" في القوانين المتعلقة بمكافحة زرع الألغام، وإدماج المدنيين ضمن "استراتيجية الدولة في دعم الفئات المهمشة والفقيرة"، و"توفير مشاريع تساعدهم على عدم المجازفة والدخول إلى المناطق الملغومة والخطرة"، وفقه.

معضلة مستمرة

رغم توقيع تونس، في ديسمبر 1997، على اتفاقية الأمم المتحدة لحظر واستعمال وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام، المعروفة بمعاهدة "أوتاوا"، ودخولها حيز التنفيذ سنة 1999، إلا أن تواصل انفجار الألغام في مرتفعات الوسط الغربي لتونس أثار موجة انتقادات للسلطات التونسية بشأن استراتيجيتها في التخلص من هذه المخاطر.

وفي هذا الخصوص، يقول العميد العسكري والخبير الأمني، مختار بن نصر لـ"أصوات مغاربية"، إن هذه "المعضلة" ستستمر بالنظر إلى الصعوبة في كشف أماكن هذه الألغام. السبب، كما يوضح الخبير، هو أن واضعيها يخبئونها في أوعية بلاستيكية حتى يصعب رصدها بواسطة كاشفات الألغام المغناطيسية.

ويشير بن نصر إلى أن البحث عن الألغام يتم عبر الكلاب المدربة، وهي مهمة صعبة جدا نظرا لامتداد الجبال على مئات الكيلومترات، مؤكدا أن الجيش التونسي يمنع السكان المحليين من دخول المناطق العسكرية المغلقة، وهي أيضا مهمة صعبة بالنظر إلى أن هذه الجبال توفر مورد رزق لمئات العائلات إما عبر الرعي أو تربية النحل أو الحطب.

وبشأن دور اتفاقية "أوتاوا" في تخفيف تبعات المشكل، أكد الخبير الأمني أن تونس "نجحت في التخلص بشكل كامل من مخزون الألغام المضادة للأفراد قبل الثورة"، غير أن عودة زراعتها من قبل الجماعات المسلحة بعد 2011، فضلا عن وجود ألغام تعود إلى الحربين العالميتين، بات يطرح "تحديا جديدا للدولة".

وسبق لتونس أن أعلنت في 2009، بمقتضى معاهدة "أوتاوا" استكمالها تطهير جميع المناطق الخطرة من الألغام الأرضية، إلا أن تقريرا لمرصد الألغام الأرضية لسنة 2023 أفاد بأن تونس لم تبلغ عن أي أنشطة للتوعية بالمخاطر أو مساعدة الضحايا في عام 2022.

حلول السلطة

ولئن قامت السلطات التونسية في 2022 بإرساء مؤسسة "فداء" لمتابعة أوضاع ضحايا الاعتداءات الإرهابية من العسكريين والأمنيين وحتى ضحايا ثورة 2011، فإن عدم إدراج المدنيين ضحايا انفجار الألغام ضمن مهام هذه المؤسسة بات يثير نقاشا في الأوساط الحقوقية في البلاد، والتي دعت إلى إعادة تنقيح المرسوم المتعلق بإحداثها.

في هذا السياق دار لقاء  بين الرئيس التونسي قيس سعيد ورئيس مؤسسة "فداء"، أحمد جعفر، في 10 أكتوبر الجاري. الهدف إطلاق مشروع تنقيح المرسوم الذي أنشأ هذه المؤسسة بهدف "دعمها لتحقيق أهدافها"، وفق بلاغ صادر عن الرئاسة التونسية.

الرئيس سعيد شدد حينها على أن الدولة "لن تنسى أبدا ضحايا الاعتداءات الإرهابية". ما فتح أفقا لدى ضحايا الألغام بأن يتضمن القانون الجديد ذكرا لهم.


المصدر: أصوات مغاربية