أعلنت الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي في موريتانيا، في أحدث تقاريرها للشهر الجاري، عن تراجع ملحوظ في معدل التضخم من 2.8 في المئة إلى 2.6 في المئة، ما يشير إلى تطور إيجابي في الوضع الاقتصادي للبلاد.
ويأتي هذا الانخفاض نتيجة لتباطؤ في ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية والمشروبات، وانخفاض في أسعار بعض السلع الأساسية مثل الفواكه والأسماك والسكر، بحسب المؤسسة الرسمية.
ويثير تراجع معدل التضخم في نقاشات بين المحللين الاقتصاديين الموريتانيين حول تأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين. فبينما يرحب بعضهم بهذا الانخفاض معتبرين إياه مؤشراً لتحسن الوضع الاقتصادي وبالتالي مستوى المعيشة في البلاد، يعبر آخرون عن تحفظاتهم بشأن إمكانية ترجمة هذا التراجع إلى تحسن فعلي وملموس في القدرة الشرائية للمستهلكين.
تأثير إيجابي
وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي، أمم ولد أنفع، أن هذا التراجع في معدل التضخم "سيؤدي إلى تأثير إيجابي مباشر على القدرة الشرائية للمستهلك الموريتاني".
ويضيف في تصريحات لـ"أصوات مغاربية"، أن "هذا الانخفاض في التضخم مردّه ثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، انخفاض أسعار المواد الغذائية والنفطية على المستوى العالمي. ثانياً، تشديد السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الموريتاني. ثالثاً، يلعب التنسيق المستمر بين البنك المركزي ووزارة المالية دوراً هاما في تحقيق الاستقرار في الأسعار".
ويشير المتحدث إلى أن المواسم الانتخابية عادة ما تشهد زيادة في ضخ السيولة في الاقتصاد، وهو ما حذر منه صندوق النقد الدولي بالنسبة لمعظم الدول التي جرت فيها انتخابات في عام 2024، حيث يمكن أن يؤدي ضخ السيولة بشكل مفرط إلى زيادة التضخم.
وأوضح أن العكس هو ما حدث في موريتانيا، "إذ تبين من خلال متابعة الأرقام الشهرية الصادرة عن الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديمغرافي والاقتصادي قبل وبعد الانتخابات أن معدلات التضخم قد انخفضت. وهذا يشير إلى أن الحكومة لم تضخ الأموال في الاقتصاد، ما ساهم في تراجع التضخم بعد أن كان قد تجاوز سابقا 10 في المئة".
ويؤكد أمم ولد أنفع أن "السلطات النقدية الموريتانية قد نجحت في كبح التضخم بفضل رفع معدلات الفائدة وتشديد السياسة النقدية، وهو ما سيكون له تأثير إيجابي على المستهلك الموريتاني بفضل تحسين القوة الشرائية".
ويضيف: "رغم أن السلطات الموريتانية قد رفعت الدعم عن أسعار المحروقات، وهي مادة أساسية تدخل في إنتاج معظم المواد الأساسية وغير الأساسية، فإن هذا التدبير لم يمنع من تحقيق نتائج إيجابية في السيطرة على التضخم".
وبخصوص تأكيد بعض المحللين الاقتصاديين على أن الفضل في تراجع التضخم بموريتانيا راجع إلى انخفاض أسعار النفط والمواد الغذائية في الأسواق الدولية، يرى المحلل الموريتاني أن "هذا غير دقيق، فقد شهدنا انخفاضاً في معدلات التضخم المحلي بدلا من ارتفاعها رغم رفع الحكومة الدعم عن المحروقات، ما يؤكد فعالية السياسات المتبعة في السيطرة على التضخم"، مردفا "كيفما كان الحال، فإن المستهلك الموريتاني سيستفيد من هذا الوضع".
معطيات مقلقة
في المقابل، يوضح الباحث الاقتصادي خالد أحمدو أن التضخم شهد بالفعل تراجعاً، لكن مع ذلك، فإن "المؤشر يكشف أيضاً عن بعض المعطيات المقلقة، خاصة فيما يتعلق بارتفاع المؤشر الفرعي الخاص بالمواد الغذائية، الذي زاد بنسبة 0.7 في المئة بين شهري مايو ويونيو".
ويضيف أحمدو، في حديث مع "أصوات مغاربية"، أن "ارتفاع أسعار المواد الغذائية يعد مؤشراً غير مبشر، لأن هذه المواد تؤثر بشكل كبير على قدرة الناس على الشراء."
ويردف قائلاً: "بشكل عام، انخفاض مستوى التضخم هو أحد المؤشرات المهمة، ولكن قد لا ينعكس هذا الانخفاض بشكل شامل وملموس على القدرة الشرائية للمواطنين، إذ لا تزال العديد من الأسر تعاني من ضغوط غلاء الأسعار".
وبخصوص الإجراءات المحلية التي اتخذها البنك المركزي والحكومة، يرى خالد أحمدو أن تأثيرها "محدود"، لافتا إلى أن "التضخم في موريتانيا هو تضخم مستورد، بمعنى أن ارتفاع الفاتورة الطاقية بسبب زيادة أسعار النفط يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في البلاد. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على مواد أخرى تستوردها موريتانيا من الخارج، مثل الحبوب وغيرها".
ويتابع المحلل الموريتاني أن تشديد السياسة النقدية، وتعديل سعر الصرف، ورفع نسبة الفائدة، وغيرها من الإجراءات "تأثيرها محدود"، والسبب راجع إلى أن "مستوى تعامل الموريتانيين مع المصارف ما يزال ضئيلاً، ما يعني أن تأثير السياسة النقدية بشكل مباشر ليس كبيراً، ولا يُعتبر السبب الرئيسي في الانخفاض الحالي لمعدل التضخم".
وختم قائلا إن "الأسواق الدولية تؤثر على القدرة الشرائية للمواطن الموريتاني أكثر من الإجراءات المالية المحلية".
المصدر: أصوات مغاربية
