طيلة السنوات التي شهدت فيها ليبيا أزمة سياسية ومؤسساتية تتجلى في انقسام حكومي بين شرق البلاد وغربها، طفت على سطح الأحداث قضايا اختلاس وفساد مالي وتصرف غير قانوني في أموال عمومي]، آخرها ضبط موظفين بالمصرف الليبي المركزي وهم يستعملون صكوكا مزورة للاستيلاء على أموال عمومية.
وأعلن مكتب النائب العام الليبي، الخميس، تحريك دعوى جنائية ضد "تشكيل عصابي تعمد أفراده الاستيلاء على 120 مليون دينار (حوالي 20 مليون دولار) من أحد مصارف بني وليد باستعمال صكوك مصرفية مزورة.
وأوضح البيان "جاءت محصلة البحث مُثبِتةً تآمر بعض موظفي الفرع مع آخرين على تزوير القيودات المحاسبية، وتمرير صكوكٍ مصرفية زورَت القيم المالية المدوَّنة فيها، ثم إجراء تحويلات مالية إلى حسابات مصرفية تمكّنوا عقِبها من سحب المبلغ محل التتبع".
وبين الفينة والأخرى تطفو على السطح قضايا فساد في ليبيا، وهو ما يعمق الأزمة التي تعيشها البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وعلى الرغم من تعدد أجهزة الرقابة الإدارية ولجان الشفافية الوطنية، إلا أن ليبيا تصنف ضمن أكثر الدول فسادا حول العالم، وفق تقارير محلية ودولية.
ففي ماي الماضي أمرت النيابة العامة الليبية بحبس مسؤولين متورطين في محاولة تهريب قرابة 26 طنا من الذهب، في "أكبر محاولة لتهريب المعدن النفيس خارج البلاد في تاريخ ليبيا"، وفق وسائل إعلام محلية التي قيمت المحجوزات بـ1.8 مليار دولار.
وقال مكتب النائب العام في بيان صحافي حينها، إن "سلطة التحقيق أمرت بحبس مدير عام مصلحة الجمارك؛ وقيادات عمل المصلحة في دائرة مطار مصراتة الدولي".
وسجل المكتب نفسه في تقرير أصدره العام الماضي "أكثر من 3700 جريمة فساد، وأكثر من 4600 جريمة احتيال"، مشيرا إلى أن من بين الموقوفين موظفون في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وحلّت ليبيا في تقرير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) الصادر في يناير الماضي ضمن الدول الأكثر فساداً في عام 2023، وصنفت في المركز 170 عالمياً، وراء تشاد ومالي وأفغانستان.
ووفقا للتقرير فإن النخبة في هذا البلد المغاربي "تتصارع فيما بينها على موارد النفط الغنية في البلاد"، و"يخدم المسؤولون العموميون الفاسدون أنفسهم بدلاً من الشعب الليبي".
ويشكل هذا الوضع تحديا للجهود المحلية والدولية المبذولة لإنهاء حالة الانقسام السياسي التي تمر بها البلاد، حيث استبعد المبعوث الأممي السابق إلى لييبا، عبد الله باتيلي، إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة التي يعيشها هذا البلد المغاربي على المدى البعيد بسبب "تنافس المجموعات المختلفة على السلطة والسيطرة على ثروة البلاد"، واصفا ليبيا بـ "دولة مافيا".
فما علاقة الأزمة السياسية الليبية بارتفاع وتيرة جرائم الاختلاس والفساد؟
درميش: آفة خطيرة
جوابا على السؤال، يرى المحلل السياسي والاقتصادي الليبي، محمد درميش، أن الفساد في ليبيا "مجتمعي" و"وباء تزيد وتيرته بسبب الانقسام السياسي الذي تمر به البلاد".
ويوضح درميش، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن الأطراف المتصارعة على السلطة "تستخدم من جهتها الفساد لمهاجمة خصومها وترمي خصومها به، كما تستخدم مؤسسات الدولة لأغراضها الخاصة لكسب الولاءات ولشراء الذمم، ما يؤثر على عملية الاستقرار السياسي في ليبيا".
ويضيف المتحدث ذاته أن ليبيا تتوفر في المقابل على قوانين وعلى آليات مختلفة لمكافحة الفساد، لكن "المشكلة في السلوك البشري"، وفق تعبيره، مردفا "المشكلة ليست في القوانين بل في تطبيقها، زد على ذلك أن غياب الإرادة السياسية يزيد من انتشار الفساد ومن التشرذم السياسي".
في الوقت نفسه، درميش في حملة الاعتقالات التي تنفذها السلطات الليبية من حين لآخر في حق المتورطين في قضايا فساد "عنصرا مهما في ردع هذه الآفة الخطيرة".
الرملي: استثمار في الفساد
ومن جهته، يقول المحلل السياسي الليبي محمود إسماعيل الرملي، إن ضعف الأجهزة الرقابية واستمرار الأزمة السياسية من أسباب انتشار الفساد في ليبيا.
ويشير الرملي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن غياب قواعد الشفافية وغياب سلطة مركزية "يزيد من جرائم الفساد، زد على ذلك أن ضعف تنفيذ الأحكام وبطء الإجراءات يخدم هذا الوضع".
وتابع "هناك 3 أنواع من الرقابة، السابقة والمصاحبة واللاحقة، ولكن في ليبيا تكتفي الأجهزة بالرقابة اللاحقة أي بعد اكتشاف الجريمة يتم الإعلان عنها دون أن تكون هناك قواعد لمنع حدوث جرائم الفساد قبل وقوعها".
ويرى المحلل السياسي أنه لا يمكن فصل الفساد الذي تعاني منه ليبيا عن الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، موضحا أن "هناك استثمار في الفساد من الأجسام الموجودة لتحقيق استفادة أكثر من الأوضاع الحالية، وهناك أجسام متخصصة في آليات النهب، وهناك إشكاليات أيضا مرتبطة بقوانين محاربة الفساد".
وختم حديثه بالقول إن الجهود التي تبذلها المنظمات الحقوقية المحلية لفضح الفساد في ليبيا "تبقى محدودة في ظل غياب نصوص قانونية، لأن هناك أجنحة توفر الحماية للفاسدين ولا بد من اجتثاث هذه الآفة".
- المصدر: أصوات مغاربية
