اتفق المرشحون الثلاثة للانتخابات الرئاسية الجزائرية المقررة في السابع من سبتمبر القادم، في جانب من وعودهم، على إعادة النظر في التقسيم الإداري للبلاد.
ووعد المرشح المستقل عبد المجيد تبون، الذي يسعى للظفر بولاية رئاسية ثانية بإعادة النظر في التقسيم الإداري، مضيفا خلال أول تجمع شعبي له بقسنطينة (شرق) الأسبوع الماضي، أنه سيعمل على "مراجعة قانوني البلدية والولاية".
وقال مرشح "حركة مجتمع السلم" (إسلامي)، حساني شريف عبد العالي، خلال تجمع انتخابي، الأحد، إن برنامجه "يقترح فرصا جديدة للتنمية من خلال تجسيد الإصلاح الإداري وترقية منظومة الجماعات المحلية"، كما سبق أن أعلن الأسبوع الماضي أنه سيعمل في حال فوزه بالانتخابات المقبلة، على "مراجعة التقسيم الإداري".
بدوره، تعهد مرشح "جبهة القوى الاشتراكية" (يساري)، يوسف أوشيش، في برنامجه الذي عرضه أثناء الحملة الانتخابية بـ"خلق أقطاب اقتصادية بأبعاد إدارية، مع خلق ولايات وبلديات جديدة، وحذف الدائرة من التقسيم الإقليمي الوطني".
وكان الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، وقع في فبراير 2021 على مرسوم ترقية عشر مقاطعات إدارية بالجنوب إلى ولايات كاملة الصلاحيات مع تعيين ولاة وأمناء عامين على رأسها، ليرتفع بذلك عدد الولايات في الجزائر إلى 58 ولاية، بينما ظل عدد البلديات البالغ 1541 على حاله منذ التقسيم الإداري لسنة 1984، فيما يتجاوز عدد الدوائر حاليا 500 دائرة.
"سلم اجتماعي"
وتعليقا على التقاء مرشحي الرئاسيات في النقطة المتعلقة بإعادة النظر في التقسيم الإداري، قال خبير العمران، جمال شرفي، إن ذلك يرجع إلى "التركيبة السكانية غير المتجانسة بمعظم المدن الجزائرية، خصوصا الداخلية، التي تتسم بالتناقضات العشائرية المؤدية للنزاعات والصراعات" مضيفا أن ذلك "يضغط على السياسيين لاستحداث تقسيمات إدارية جديدة تستقل فيها كل مجموعة سكانية عن الأخرى".
ويرى شرفي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن ما جاء في خطابات المرشحين "يتوافق وسياسة إرضاء الرأي العام خصوصا سكان المناطق الجنوبية والهضاب العليا بوسط البلاد الذين يرون أن التأخر في تنمية مناطقهم يعود إلى تبعيتهم لولايات معظمها تبعد لمسافات طويلة عنهم"، معتبرا أن "هذا الخطاب الذي توافق عليه كافة المترشحين يستجيب لسياسة شراء السلم الاجتماعي التي يسعى إليها كل مسؤول".
في الوقت نفسه، أكد المتحدث أن "هذه الوعود التي تبقى مشروعة بحاجة للتخطيط المسبق"، مقترحا أن يتم التحضير لها بـ"إحداث توازن اقتصادي وفق خصوصيات كل جهة، وخلق مناطق صناعية ذات جدوى من حيث قيمة الإنتاج، وتشجيع الأبعاد المحلية الاقتصادية لكل منطقة خصوصا في الفلاحة والسياحة، مع دعم شبكة الطرقات والنقل والاتصالات".
"اعتبارات سياسية"
من جهته، نبه خبير الإحصاء، نبيل جمعة، إلى أن تعديل خريطة التقسيم الإقليمي سواء للدوائر والولايات "سيكون مكلفا ومن شأنه أن يستدعي الرفع من الموازنة السنوية في ظل غياب موارد إضافية خارج قطاع المحروقات".
واعتبر جمعة في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أنه سيكون "من المستحيل زيادة عدد الولايات ضمن تقسيم إداري جديد"، معللا ذلك بـ"غياب موارد مالية لتغطية النفقات، وضعف الاستثمارات الكبرى في معظم الولايات والبلديات، والتهرب الضريبي، وتوزيع الثروة دون معايير اقتصادية واضحة على الجماعات المحلية".
وتبعا لذلك، دعا المتحدث المرشحين إلى "مراعاة الاعتبارات الاقتصادية والمالية والنظر بعقلانية لهذا الملف"، معتبرا أن "الاعتبارات السياسية من حيث التنافس على تسويق خطاب يستقطب الناخبين دفع إلى هذا التوافق في الطرح الذي يجب أن يتحلى بالواقعية".
انتهى الزمن الذي كانت فيه الحروب مع إسرائيل تشهد شبه إجماع في المنطقة، فحتى التيارات الإسلامية التي شكلت المواجهة المقدسة مع إسرائيل جزءا من وعيها الحركي وهويتها الدينية، تغيرت أولويات كثير منها بعد الربيع العربي.
ودقت الحرب الراهنة مع إسرائيل، لا سيما في لبنان، إسفينا حادا أحدث شروخا عميقة في أوساط الإسلاميين بكل أطيافهم، من الموسومين بالاعتدال إلى أكثرهم تشددا وأصولية، وبمن فيهم الإسلاميون المغاربيون.
شقاق في بيت الإسلاميين
لقد كان دوما تدخل إيران ووكلائها الإقليميين في القضية الفلسطينية موضع سجال بين الإسلاميين، فبين من يراه مجرد مناورات إيرانية لاختراق الدول والمجتمعات العربية، ومن يعده دعما جادا وفارقا في الصراع المستمر منذ عقود.
ومع انتقال تركيز الجيش الإسرائيلي نحو الجبهة الشمالية مع لبنان، وتنفيذه سلسلة من الاغتيالات الدقيقة حيدت معظم الصف القيادي الأول لحزب الله، وطالت أمينه العام حسن نصر الله، وجد الإسلاميون أنفسهم أمام مفترق طرق إزاء هذه النكبات التي حلت بالحزب، وعكست البيانات الصادرة عنهم حالة التشظي والانقسام التي باتت تعصف بهم.
كانت مواقف جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المحسوبة عليها متباينة إلى حد كبير، ويمكن تقسيمها إلى أربعة مواقف، موقف نعى قيادات حزب الله ووصفهم بالشهداء وترحم عليهم، وهو موقف فرع الإخوان في فلسطين، والمغرب ممثلا في حزب العدالة والتنمية الذي عزى في قادة الحزب.
خصص السلفي المغربي محمد الفيزازي منشورات ندد فيها بمواقف حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان الذين نعوا نصر الله
وموقف عبر عن سروره وابتهاجه بتصفية من وصفه بـ"المجرم الطائفي حسن نصر الله" كما جاء في البيان الذي أصدره تنظيم "الإخوان المسلمين" في سوريا، مؤكدا أن فرحهم بمقتل نصر الله "يتسق تماماً مع أدبيات الجماعة ومواقفها الممتدة منذ عقود، من البغي والعدوان الطائفي على شعبنا السوري، الذي رعاه نظام إيران طوال الفترة الماضية".
الموقف الثالث وهو الذي أدان ببرود قتل حسن نصر الله، لكن دون إسبال وصف الشهيد عليه أو الترحم عليه، وهو الموقف الذي اختارته جماعة الإخوان المسلمين في مصر بجبهتيها المتنافستين "جبهة لندن" و"جبهة إسطنبول".
أما الموقف الرابع فهو الذي اختار التزام الصمت وعدم التعليق، حتى لا يزداد الصدع اتساعا، وحتى لا يتمدد الخلاف إلى القواعد الشعبية، وينتهي بانشقاقات جماعية، وهو الموقف الذي اختارته جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وذراعها السياسية "جبهة العمل الإسلامي".
سجال الأصوليين
إذا كان مقتل إسماعيل هنية قد شق صف تنظيم القاعدة إلى الدرجة التي عارض فيها قادة كبار في التنظيم مواقف قيادته العام، ولم يجد سيف العدل بدا من التزام الصمت بعد مقتل إسماعيل هنية، وهو الذي أصدر بيان تعزية في مقتل أفراد عائلته في أبريل الماضي ووصفه حينها بـ "الشيخ المجاهد الفاضل إسماعيل هنية" لأنه يدرك أن نعي هنية والترحم عليه سيؤدي حتما إلى انشقاقات عريضة في تنظيمه، وربما انفصال فروع عنه لاسيما الفرع السوري "حراس الدين" والفرع الصومالي " حركة الشباب"؛ إذا كان الموقف من الترحم على هنية قد خلف كل ذلك الجدل، فإن مقتل حسن نصر الله وقادة حزب الله قد وسع دائرة السجال لتشمل كل الأصوليين من المحسوبين على التيار الجهادي والسلفي، وأثار في صفوفهم عاصفة من الشنآن والخلافات الحادة.
حوّل هؤلاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى جبهة صراع حامية، تراشقوا فيها بتهم التبديع والتخوين، والجهل بالشرع والواقع.
الشيخ حسن الكتاني، وهو من منظري التيار الجهادي، لم يُخف تأييده لعمليات حزب الله ضد إسرائيل وحث أنصاره على دعمها، إلا أنه أضاف، في البيان، " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما" في إشارة إلى مظالم حزب الله في سوريا، التي يجب التغاضي عنها في هذه الظروف حسب اعتقاده.
كلام الكتاني جر عليه وابلا من النقد والهجوم من أصدقائه ورفاقه، إذ وصفه أبو محمود الفلسطيني المقرب من أبي قتادة الفلسطيني أحد أبرز شيوخ التيار السلفي الجهادي بـ "التلبيس" واعتبر التعاون مع محور إيران بأنه " مهلكة عقدية ودنيوية".
وأضاف، في تغريدة منفصلة، "من المعيب والمقرف أن ترى من يزعمون أنهم مشايخ وطلبة علم ونخب يدلسون ويزورون التاريخ الذي نحن شهود عليه وعشناه، فقط لينظفوا يد إيران من دماء وأعراض المسلمين".
نكبات حزب الله المتتالية، والتي بدأت باغتيال القيادي فؤاد شكر مرورا بتفجير أجهزة البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية وانتهاء بمقتل أمينه العام حسن نصر الله، تفاعلت معها شريحة عريضة من السلفيين الجهاديين بالفرح والشماتة، وقد كتب أيمن هاروش المقرب من هيئة تحرير الشام عشرات المنشورات والقصائد عبر فيها عن سعادته ومباركته لمصائب الحزب المتتالية.
ورد حذيفة عزام، نجل المرشد الروحي للأفغان العرب عبد الله عزام، عليه قائلا:" يا من تبارك القصف اليوم هيئ نفسك للقصف غدا، فأنت الهدف التالي".
وذهب حذيفة عزام بعيدا في تأييده لمعارك حزب الله ضد إسرائيل، واعتبر أن أي هجوم من قوات المعارضة السورية على النظام السوري أو حزب الله في سوريا هي "حرب بالوكالة عن إسرائيل".
تصريح قابله رفاقه السابقون بالاستهجان والاستغراب، لاسيما أن حذيفة دأب على تقديم نفسه "جهاديا"، يسير على خطى والده، وقد كرس معظم وقته للدفاع عن الثورة السورية منذ انطلاقتها في 2011.
من جانبه، خصص الداعية السلفي المغربي، محمد الفيزازي، عددا من المنشورات ندد فيها بمواقف حزب العدالة والتنمية المغربي وجماعة العدل والإحسان الذين نعوا حسن نصر الله ووصفوه بـ"الشهيد". وأكد أنه "لا يجوز الترحم عليه، ولا تقديم التعازي فيه ولا في حزبه الشيطاني".
السلفي المغربي حسن الكتاني
أما هاني السباعي، القيادي الإسلامي المقرب من القاعدة المقيم في لندن، فخصص جزءا من خطبته في الجمعة الماضية للرد على الإسلاميين الذين رأى أنهم بدأوا يتأثرون بالسردية الإيرانية وخص منهم كل من أحمد مولانا ومحمد إلهامي.
خلاف يتجدد
طالما كان الموقف من حزب الله مثار خلاف بين الإسلاميين، في حرب "تموز 2006"، انحازت معظم مكونات التيار الإسلامي المدني إلى حزب الله، وأعلنت دعمها له، بل صرح عدد من الرموز الإسلامية حينها بأن حزب الله مكون أصيل من مكونات الصحوة الإسلامية.
وكان الموقف الإيجابي من الحزب أيامها بمثابة الأرضية التي سعى فرقاء الشيعة والسنة للانطلاق منها في مشروع "التقريب بين المذاهب". وحدهم الوهابيون والقاعدة ومن يدور في فلكهم من جماعات وتيارات ظلوا متمسكين بموقفهم الرافض للتطبيع مع الحزب وإن رفع راية "الجهاد" و"المقاومة الإسلامية".
بعد دخول الثورة السورية طور العسكرة، وتحالف الحزب مع النظام السوري لقمع الثوار، وضلوعه في مجازر كثيرة لاسيما في حمص وحلب، انهارت فكرة "التقريب بين المذاهب".
واعتذر يوسف القرضاوي عن الجهود التي بدلها في سبيل إنضاجها والدفع بها إلى أرض الواقع، واتخذ موقفا جديدا من الحزب لا يختلف كثيرا عن الموقف التقليدي لشيوخ التيار السلفي، وتبعه في ذلك معظم الجماعات المحسوبة على خط الإخوان المسلمين.
بعد هجوم السابع من أكتوبر، تصدر الحزب مجددا واجهة الأحداث، وقدم نفسه كجبهة "إسناد" لقطاع غزة، وبدا واضحا أن إعادة ترميم شرعيته التي بددها في سوريا تقع في صلب أهداف هذا "الإسناد".
والسجال الحامي حوله اليوم دليل على أن تأهليه مجددا، وتحسين صورته أمام المجتمعات السنية مهمة تكتنفها الصعوبات والتحديات، خصوصا ومجازره في سوريا لاتزال طرية في ذاكرة السوريين.
الشيخ حسن الكتاني، وهو من منظري التيار الجهادي، لم يُخف تأييده لعمليات حزب الله ضد إسرائيل وحث أنصاره على دعمها
وما استجد في الجدل الراهن أنه أثار الانقسام في صفوف الجماعات الاسلامية بمختلف توجهاتها وأفكارها، من الإخوان المسلمين الذين أصدروا بيانات متضاربة بشكل صارخ، إلى الأحزاب الإسلامية التي تراوحت الأوصاف التي أسبلوها على حسن نصر الله من " المجاهد الشهيد" إلى "المجرم الهالك".
وامتد الشقاق إلى التيار الإسلامي المتشدد الذي انقسم بين شامت من فجائع حزب الله وبين من يعتبر الحزب خط دفاع حيوي عن فلسطين ويثمن جهوده "الإسنادية" لقطاع غزة.