Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون (أرشيف)
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون (أرشيف)

مع قرب الانتخابات الرئاسية في الجزائر، والمقررة في السابع من سبتمبر المقبل، يبرز الاقتصاد كإحدى القضايا الرئيسية التي تشغل بال المواطنين، فيما يواصل المرشحون الثلاثة، وفي مقدمتهم الرئيس الجزائري، عبدالمجيد تبون، حملاتهم الانتخابية التي تتضمن وعودا اقتصادية كبيرة.

ويتنافس في الانتخابات الجزائرية إلى جانب تبون، الذي يقول مراقبون إنه يقترب من الفوز بولاية ثانية بدعم من أحزاب الأغلبية البرلمانية، زعيم حركة مجتمع السلم، عبد العالي حساني، والأمين العام لجبهة القوى الاشتراكية، يوسف أوشيش.

وشهدت فترة تبون (78 عاما) الرئاسية الأولى منذ انتخابه، في عام 2019، "تحديات الاقتصادية" في مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة ومعدلات التضخم إلى أعلى مستوى منذ عقود، حسب ما يقول خبراء ومحللون تحدثوا مع موقع "الحرة"، وما تظهره أيضا بيانات البنك الدولي.

ومع ذلك، يقول تبون خلال حملته الانتخابية إن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تحسنت على مدار عهدته الأولى. بينما أثارت تصريحات أخرى، بشأن وضع اقتصاد البلاد، الكثير من الجدل والتساؤلات، والتي جاءت بعد قوله إن "اقتصاد الجزائر أصبح الاقتصاد الثالث في العالم".

وحسب بيانات البنك الدولي، بلغ إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للجزائر خلال عام 2023، نحو 239.9 مليار دولار، وهو ما يعني أنها تبتعد كثيرا عن الاقتصادات الكبرى في العالم. لكنها من المتوقع أن تكون ثالث أكبر اقتصاد في أفريقيا خلال 2024، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، خلف جنوب أفريقيا ومصر.

"ضغوط تضخمية"
والجزائر التي تعتمد بشكل كبير على قطاع الطاقة، خاصة النفط والغاز، كمصدر رئيسي للإيرادات، شهدت ارتفاعا في معدلات التضخم بوتيرة ملحوظة منذ تولي تبون الحكم قبل أربع سنوات، حتى بلغ، في عام 2023، أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين عند 9.3 بالمئة من 2 بالمئة في 2019، قبل أن يتباطأ خلال الربع الأول من 2024 إلى 5 بالمئة.

لكن، يرى خبراء اقتصاد جزائريون تحدثوا مع موقع "الحرة" أن التطورات الاقتصادية العالمية بدءا من جائحة كورونا، كانت تقف وراء الصدمات التضخمية وتراجع بعض المؤشرات الاقتصادية، إذ يقول الخبير الاقتصادي والأكاديمي الجزائري، مراد كواشي، إن "الرئيس تبون واجه فترة صعبة مليئة بالتحديات العالمية، خاصة مع جائحة كورونا".

ويضيف كواشي خلال حديثه مع موقع "الحرة" أن "تبون لم يحكم فعليا لمدة خمس سنوات كاملة، وأن السنتين اللتين تزامنتا مع الوباء يجب أن تُستثنيا، مما يعني أن فترة حكمه الفعلية لا تتجاوز ثلاث سنوات".

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي، عمر هارون، إن "الاقتصاد الجزائري حقق قفزة رغم التحديات العالمية مثل جائحة كوفيد-19 والأزمات الجيوسياسية، إذ تعززت مكانة الجزائر كشريك اقتصادي رئيسي لأوروبا في مجال الطاقة".

ويضيف في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة": "هناك تحسن على المستوى المعيشي داخل البلاد، خاصة لفئات الشباب والمحتاجين، مما يعكس نجاح السياسات الاقتصادية المتبعة خلال هذه الفترة".

ومع ذلك، يُقر هارون بالضغوط التضخمية التي تعرضت إليها بلاده خلال الأعوام الماضية، لكنه في نفس الوقت يبرر ذلك بالقول إن "العالم أجمع شهد ضغوطا تضخمية متواصلة وارتفاعا في تكاليف المعيشة منذ عام 2020، ولا يزال يعاني حتى اللحظة".

ويضيف هارون "بداية من هذا العام انخفض معدل التضخم إلى أقل من 5 بالمئة، وهو ما يشير إلى تحسن الاقتصاد الجزائري".

وفي تقرير صدر مايو الماضي، قال البنك الدولي إن تراجع التضخم في أسعار المستهلك بالجزائر إلى 5.0 بالمئة في الربع الأول، جاء "بمساعدة الدينار القوي وانخفاض أسعار المواد الغذائية الطازجة والواردات".

في المقابل، قال صندوق النقد الدولي، عقب اختتام مشاورات اقتصادية مع مسؤولين جزائريين، في مارس الماضي، إن "التضخم في الجزائر لا يزال يُشكل مصدر قلق، بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واستمرار السياسة النقدية المتساهلة" في إشارة إلى معدلات الفائدة.

ويؤكد هذا، كوشي، الذي يشير إلى أن "التضخم رغم تراجعه خلال الفترة الأخيرة لا يزال يمثل تحديا كبيرا للحكومة، خاصة أنه يؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين".

وينوه إلى أنه "رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتحسين الأوضاع مثل رفع الأجور والمعاشات واستحداث منح البطالة، إلا أن التضخم قلل من تأثير هذه الإجراءات"، لهذا فإن "التحكم في معدلات التضخم سيكون من أهم الرهانات في المرحلة القادمة".

"تدني الاستثمار الأجنبي"
يُحذّر صندوق النقد الدولي من المخاطر التي تحيط بالتوقعات الاقتصادية للجزائر في المدى المتوسط​​ وعلى الجهود المبذولة لتنويع الاقتصاد وتحسين مناخ الأعمال، والقدرة على جذب الاستثمار الخاص.

وقال إن المخاطر تشمل "التضخم العنيد، وتقلب أسعار المحروقات العالمية، والمخاطر المالية الناجمة عن الالتزامات الطارئة، والاحتياجات المالية الضخمة للميزانية، وارتفاع الدين العام".

وتعتبر الجزائر من بين الدول التي تلقى نصائح عدة من مؤسسات دولية لتنويع اقتصادها، الذي يعتمد بشكل كلي على إيرادات النفط والغاز منذ عقود، مع تدني مستوى الاستثمار الخاص والأجنبي المباشر.

وتقول مؤسسة "فيتش سوليوشنز" في تقرير لها، بيناير الماضي، إن تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي بشكل أسرع من المتوقع قد يؤدي إلى انخفاض أسعار النفط العالمية، مما قد يؤثر سلبا على إنتاج الهيدروكربونات في الجزائر، ويؤدي بدوره إلى إبطاء الإنفاق الحكومي.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تراجع من 0.7 بالمئة في عام 2019 إلى (صفر) بحلول نهاية 2022.

ومع ذلك، يقول هارون إنه "نتيجة طبيعية بفعل تأثير جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد العالمي، فالظروف كانت استثنائية ولا يمكن استغلال هذه البيانات بشكل سلبي دون مراعاة السياق العالمي في تلك الفترة".

ويضيف "الجزائر تستغل قطاع النفط والغاز بشكل جيد لتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث توسعت في الصناعات التحويلية والكيميائية، فضلا عن الجهود الرامية لتصدير الكهرباء إلى أوروبا".

وتمتلك الجزائر خططا واضحة لتطوير اقتصادها الوطني باستخدام عائدات النفط والغاز، وفق هارون، الذي يشير إلى أن إيرادات تراوحت بين 50 و55 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما بلغت صادرات السلع الأخرى نحو 6.9 مليار دولار.

من جانبه، يقول كوشي إن "الخطة المستقبلية تستهدف تنويع الاقتصاد من خلال تنشيط قطاعات جديدة، مما سيساهم في تعزيز الأوضاع الاقتصادية بالبلاد".

ويضيف "عملت الحكومة خلال السنوات الماضية، على إصدار قوانين جديدة في مجالات الاستثمار والعقار والمحاسبة العامة والمقاولة الذاتية والنقد والمصارف، بهدف تحسين مناخ الأعمال في البلاد. وهذه الإصلاحات أدت إلى تسجيل أكثر من 8000 مشروع استثماري لدى الوكالة الجزائرية لتشجيع الاستثمار".

وبحسب تقرير الاستثمار العالمي 2024 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الجزائر خلال السنوات الخمس الماضية، لتسجل، في عام 2023، نحو 84 مليون دولار فقط.

ورغم ذلك، يقول كوشي إن "الاقتصاد الجزائري حصل على إشادات من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد، إذ تجاوز النمو 4 بالمئة، مع توقعات باستمرار ارتفاعه في المستقبل".

ويضيف: "كما بلغت احتياطيات النقد الأجنبي حوالي 70 مليار دولار، والجزائر تتمتع بوضعية مالية قوية مع مديونية صفرية".

ويتوقع صندوق النقد الدولي تراجع نمو الناتج الإجمالي الحقيقي للجزائر خلال الأعوام القليلة المقبلة إلى 3.8 بالمئة في 2024 و3.1 بالمئة في 2025 و2.5 بالمئة في 2026، من 4.2 بالمئة المسجل في العام الماضي.

فيما تقول "فيتش سوليوشنز" إنها تتوقع تباطؤ النمو الاقتصادي في الجزائر إلى 1.3 بالمئة في عام 2024، وهو أقل من هدف النمو الحكومي البالغ 4.2 بالمئة ومتوسط ​​النمو خلال السنوات الخميس التي سبقت جائحة كورونا البالغ 2.1 بالمئة.

سوق "السكوار" والدينار
رغم الفجوة الكبيرة بين أسعار الصرف في السوق الرسمية والسوق الموازية التي تعرف باسم "السكوار"، يرى الخبراء خلال حديثهم مع موقع "الحرة" أن العملة المحلية شهدت استقرارا في السوق الرسمية خلال السنوات القليلة الماضية، بدعم من "الاحتياطي النقدي القوي، وتوافر السيولة من العملات الأجنبية التي تمتلكها البلاد، حيث يقدم البنك المركزي دعما قويا للدينار".

ويقول هارون إن "الحكومة تدعم الدينار بنظام مالي مُحكَم، مما ساهم في استقراره وعدم انخفاض قيمته بشكل كبير في السوق الرسمية".

ويبلغ سعر صرف الدولار أمام الدينار الجزائري وفق بيانات بنك الجزائر المركزي نحو 133.88 دينار، فيما تشير تقارير إعلامية إلى أن السعر في السوق الموازية "السكوار" أعلى بنحو 100 دينار.

ويؤكد تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" نشر، في فبراير الماضي، أن تنامي السوق السوداء للعملات الأجنبية من بين "مؤشرات الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الجزائر"، حيث ترفض السلطات تعديل أسعار الصرف الرسمية وتعجز عن الحد من الطلب بين السكان على العملات الأجنبية مع "تراجع الثقة في الدينار".

ويشير التقرير إلى أن "استمرار انخفاض قيمة الدينار في السوق السوداء هو مؤشر على كيفية فقدان الجزائريين للقدرة الشرائية، على الرغم من الجهود الحكومية الرامية إلى استقرار الاقتصاد مع الحفاظ على الإنفاق الحكومي والدعم مرتفعين".

من جانبه، يُقر كواشي بتراجع قيمة الدينار الجزائري خلال العقد الماضي حتى في عهد الرئيس الراحل، عبد العزيز بوتفليقة، لكنه "منذ ثلاث سنوات لم يتراجع بالشكل المقلق".

ويقول كوشي إن "قيمة العملة تعكس حالة الاقتصاد الوطني، والذي لا يزال اقتصادا ريعيا يعتمد بشكل رئيسي على المحروقات. لكن خطط تنويع الاقتصاد المُعلَنة، ستسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية جديدة، مما قد ينعكس على تعزيز قيمة الدينار الجزائري مستقبلا".

المصدر: الحرة

مواضيع ذات صلة

نصر الله
أحدثت التطورات الأخيرة في لبنان شرخا في مواقف الإسلاميين

انتهى الزمن الذي كانت فيه الحروب مع إسرائيل تشهد شبه إجماع في المنطقة، فحتى التيارات الإسلامية التي شكلت المواجهة المقدسة مع إسرائيل جزءا من وعيها الحركي وهويتها الدينية، تغيرت أولويات كثير منها بعد الربيع العربي.  

ودقت الحرب الراهنة مع إسرائيل، لا سيما في لبنان، إسفينا حادا أحدث شروخا عميقة في أوساط الإسلاميين بكل أطيافهم، من الموسومين بالاعتدال إلى أكثرهم تشددا وأصولية، وبمن فيهم الإسلاميون المغاربيون.

شقاق في بيت الإسلاميين

لقد كان دوما تدخل إيران ووكلائها الإقليميين في القضية الفلسطينية موضع سجال بين الإسلاميين، فبين من يراه مجرد مناورات إيرانية لاختراق الدول والمجتمعات العربية، ومن يعده دعما جادا وفارقا في الصراع المستمر منذ عقود.  

ومع انتقال تركيز الجيش الإسرائيلي نحو الجبهة الشمالية مع لبنان، وتنفيذه سلسلة من الاغتيالات الدقيقة حيدت معظم الصف القيادي الأول لحزب الله، وطالت أمينه العام حسن نصر الله، وجد الإسلاميون أنفسهم أمام مفترق طرق إزاء هذه النكبات التي حلت بالحزب، وعكست البيانات الصادرة عنهم حالة التشظي والانقسام التي باتت تعصف بهم.

كانت مواقف جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المحسوبة عليها متباينة إلى حد كبير، ويمكن تقسيمها إلى أربعة مواقف، موقف نعى قيادات حزب الله ووصفهم بالشهداء وترحم عليهم، وهو موقف فرع الإخوان في فلسطين، والمغرب ممثلا في حزب العدالة والتنمية الذي عزى في قادة الحزب.  

خصص السلفي المغربي محمد الفيزازي منشورات ندد فيها بمواقف حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان الذين نعوا نصر الله 

وموقف عبر عن سروره وابتهاجه بتصفية من وصفه بـ"المجرم الطائفي حسن نصر الله" كما جاء في البيان الذي أصدره تنظيم "الإخوان المسلمين" في سوريا، مؤكدا أن فرحهم بمقتل نصر الله "يتسق تماماً مع أدبيات الجماعة ومواقفها الممتدة منذ عقود، من البغي والعدوان الطائفي على شعبنا السوري، الذي رعاه نظام إيران طوال الفترة الماضية".

الموقف الثالث وهو الذي أدان ببرود قتل حسن نصر الله، لكن دون إسبال وصف الشهيد عليه أو الترحم عليه، وهو الموقف الذي اختارته جماعة الإخوان المسلمين في مصر بجبهتيها المتنافستين "جبهة لندن" و"جبهة إسطنبول".  

أما الموقف الرابع فهو الذي اختار التزام الصمت وعدم التعليق، حتى لا يزداد الصدع اتساعا، وحتى لا يتمدد الخلاف إلى القواعد الشعبية، وينتهي بانشقاقات جماعية، وهو الموقف الذي اختارته جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وذراعها السياسية "جبهة العمل الإسلامي".

سجال الأصوليين

إذا كان مقتل إسماعيل هنية قد شق صف تنظيم القاعدة إلى الدرجة التي عارض فيها قادة كبار في التنظيم مواقف قيادته العام، ولم يجد سيف العدل بدا من التزام الصمت بعد مقتل إسماعيل هنية، وهو الذي أصدر بيان تعزية في مقتل أفراد عائلته في أبريل الماضي ووصفه حينها بـ "الشيخ المجاهد الفاضل إسماعيل هنية" لأنه يدرك أن نعي هنية والترحم عليه سيؤدي حتما إلى انشقاقات عريضة في تنظيمه، وربما انفصال فروع عنه لاسيما الفرع السوري "حراس الدين" والفرع الصومالي " حركة الشباب"؛ إذا كان الموقف من الترحم على هنية قد خلف كل ذلك الجدل، فإن مقتل حسن نصر الله وقادة حزب الله قد وسع دائرة السجال لتشمل كل الأصوليين من المحسوبين على التيار الجهادي والسلفي، وأثار في صفوفهم عاصفة من الشنآن والخلافات الحادة.

حوّل هؤلاء مواقع التواصل الاجتماعي إلى جبهة صراع حامية، تراشقوا فيها بتهم التبديع والتخوين، والجهل بالشرع والواقع.

الشيخ حسن الكتاني، وهو من منظري التيار الجهادي، لم يُخف تأييده لعمليات حزب الله ضد إسرائيل وحث أنصاره على دعمها، إلا أنه أضاف، في البيان، " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما" في إشارة إلى مظالم حزب الله في سوريا، التي يجب التغاضي عنها في هذه الظروف حسب اعتقاده.  

كلام الكتاني جر عليه وابلا من النقد والهجوم من أصدقائه ورفاقه، إذ وصفه أبو محمود الفلسطيني المقرب من أبي قتادة الفلسطيني أحد أبرز شيوخ التيار السلفي الجهادي بـ "التلبيس" واعتبر التعاون مع محور إيران بأنه " مهلكة عقدية ودنيوية".  

وأضاف، في تغريدة منفصلة، "من المعيب والمقرف أن ترى من يزعمون أنهم مشايخ وطلبة علم ونخب يدلسون ويزورون التاريخ الذي نحن شهود عليه وعشناه، فقط لينظفوا يد إيران من دماء وأعراض المسلمين".

نكبات حزب الله المتتالية، والتي بدأت باغتيال القيادي فؤاد شكر مرورا بتفجير أجهزة البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية وانتهاء بمقتل أمينه العام حسن نصر الله، تفاعلت معها شريحة عريضة من السلفيين الجهاديين بالفرح والشماتة، وقد كتب أيمن هاروش المقرب من هيئة تحرير الشام عشرات المنشورات والقصائد عبر فيها عن سعادته ومباركته لمصائب الحزب المتتالية.  

ورد حذيفة عزام، نجل المرشد الروحي للأفغان العرب عبد الله عزام، عليه قائلا:" يا من تبارك القصف اليوم هيئ نفسك للقصف غدا، فأنت الهدف التالي".  

وذهب حذيفة عزام بعيدا في تأييده لمعارك حزب الله ضد إسرائيل، واعتبر أن أي هجوم من قوات المعارضة السورية على النظام السوري أو حزب الله في سوريا هي "حرب بالوكالة عن إسرائيل".  

تصريح قابله رفاقه السابقون بالاستهجان والاستغراب، لاسيما أن حذيفة دأب على تقديم نفسه "جهاديا"، يسير على خطى والده، وقد كرس معظم وقته للدفاع عن الثورة السورية منذ انطلاقتها في 2011.

من جانبه، خصص الداعية السلفي المغربي، محمد الفيزازي، عددا من المنشورات ندد فيها بمواقف حزب العدالة والتنمية المغربي وجماعة العدل والإحسان الذين نعوا حسن نصر الله ووصفوه بـ"الشهيد". وأكد أنه "لا يجوز الترحم عليه، ولا تقديم التعازي فيه ولا في حزبه الشيطاني".

السلفي المغربي حسن الكتاني

أما هاني السباعي، القيادي الإسلامي المقرب من القاعدة المقيم في لندن، فخصص جزءا من خطبته في الجمعة الماضية للرد على الإسلاميين الذين رأى أنهم بدأوا يتأثرون بالسردية الإيرانية وخص منهم كل من أحمد مولانا ومحمد إلهامي.

خلاف يتجدد

طالما كان الموقف من حزب الله مثار خلاف بين الإسلاميين، في حرب "تموز 2006"، انحازت معظم مكونات التيار الإسلامي المدني إلى حزب الله، وأعلنت دعمها له، بل صرح عدد من الرموز الإسلامية حينها بأن حزب الله مكون أصيل من مكونات الصحوة الإسلامية.  

وكان الموقف الإيجابي من الحزب أيامها بمثابة الأرضية التي سعى فرقاء الشيعة والسنة للانطلاق منها في مشروع "التقريب بين المذاهب". وحدهم الوهابيون والقاعدة ومن يدور في فلكهم من جماعات وتيارات ظلوا متمسكين بموقفهم الرافض للتطبيع مع الحزب وإن رفع راية "الجهاد" و"المقاومة الإسلامية".

بعد دخول الثورة السورية طور العسكرة، وتحالف الحزب مع النظام السوري لقمع الثوار، وضلوعه في مجازر كثيرة لاسيما في حمص وحلب، انهارت فكرة "التقريب بين المذاهب".  

واعتذر يوسف القرضاوي عن الجهود التي بدلها في سبيل إنضاجها والدفع بها إلى أرض الواقع، واتخذ موقفا جديدا من الحزب لا يختلف كثيرا عن الموقف التقليدي لشيوخ التيار السلفي، وتبعه في ذلك معظم الجماعات المحسوبة على خط الإخوان المسلمين.

بعد هجوم السابع من أكتوبر، تصدر الحزب مجددا واجهة الأحداث، وقدم نفسه كجبهة "إسناد" لقطاع غزة، وبدا واضحا أن إعادة ترميم شرعيته التي بددها في سوريا تقع في صلب أهداف هذا "الإسناد".  

والسجال الحامي حوله اليوم دليل على أن تأهليه مجددا، وتحسين صورته أمام المجتمعات السنية مهمة تكتنفها الصعوبات والتحديات، خصوصا ومجازره في سوريا لاتزال طرية في ذاكرة السوريين.

الشيخ حسن الكتاني، وهو من منظري التيار الجهادي، لم يُخف تأييده لعمليات حزب الله ضد إسرائيل وحث أنصاره على دعمها

وما استجد في الجدل الراهن أنه أثار الانقسام في صفوف الجماعات الاسلامية بمختلف توجهاتها وأفكارها، من الإخوان المسلمين الذين أصدروا بيانات متضاربة بشكل صارخ، إلى الأحزاب الإسلامية التي تراوحت الأوصاف التي أسبلوها على حسن نصر الله من " المجاهد الشهيد" إلى "المجرم الهالك".  

وامتد الشقاق إلى التيار الإسلامي المتشدد الذي انقسم بين شامت من فجائع حزب الله وبين من يعتبر الحزب خط دفاع حيوي عن فلسطين ويثمن جهوده "الإسنادية" لقطاع غزة.  

 

المصدر: الحرة