أعادت فاجعة مقتل قاصر مغربي داخل وحدة صناعة بالدار البيضاء مؤخرا الجدل بالمغرب حول تشغيل الأطفال ومدى التزام المقاولات الصناعية بتطبيق قوانين الشغل وحماية الطفولة.
وتفاعلا مع تلك الواقعة، تساءلت النائبة البرلمانية عن حزب التقدم والاشتراكية (معارض)، لبنى الصغيري، في سؤال كتابي وجهته إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس سكوري، عن أسباب استمرار هذه الحوادث رغم مصادقة البلاد على قوانين تمنع تشغيل الأطفال.
وقالت الصغيري إن "الطفل المتوفي استغرق انتشال جثته من آلة لصباغة سراويل الجينز ساعات واضطرت فرق الوقاية المدنية لتفكيكها قطعة قطعة في مشهد تقشعر له الأبدان".
وتابعت "هذه الفاجعة ليست الأولى بالمنطقة، إذ سبق أن شهدت حوادث مماثلة على مدار السنوات الماضية، لقي فيها قاصرون مصرعهم، رغم أن دستور 2011 نص على حماية حقوق الأطفال والطفلات، بالإضافة إلى النصوص والاتفاقيات التي صادق عليها البرلمان، ثم القانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل للعاملات والعمال المنزليين".
واستفسرت النائبة البرلمانية المسؤول الوزاري عن التدابير التي تعتزم وزارته اتخاذها للحد من ظاهرة تشغيل الأطفال التي تعتبر تهديدا حقيقيا للسلامة البدنية والنفسية للقاصرين، وفق تعبيرها.
وأظهرت معطيات نشرتها المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية) في يونيو الماضي أن نحو 127 ألف طفل مغربي يزاولون عملا، وأن ما يعادل 6 أطفال مشتغلين من أصل 10 يزاولون أعمالا خطيرة.
وكشف التقرير أن 89 ألف أسرة مغربية معظمها تتمركز بالوسط القروي معنية بظاهرة تشغيل الأطفال، بحيث سجلت أن ما يعادل 48,4 في المائة من الأطفال المشتغلين ينحدرون من أسر يسيرها مشتغلون فلاحيون، و17,1 في المائة يسيرها عمال أو عمال يدويون، و20,7 في المائة يسيرها مستخدمون وتجار.
مع ذلك، قالت المؤسسة نفسها إن احصائيات تشغيل الأطفال المغرب عرفت تراجعا ملحوظا بنسبة 14 في المائة مقارنة بعام 2021.
وتنص المادة 147 من مدونة الشغل على أنه "يمنع على أي شخص أن يكلف أحداثا دون الثامنة عشرة سنة بأداء ألعاب خطرة، أو القيام بحركات بهلوانية، أو التوائية، أو أن يعهد إليهم بأشغال تشكل خطرا على حياتهم، أو صحتهم، أو أخلاقهم"، كما نصت المادة 151 من المدونة نفسها على غرامة من 25 إلى 30 ألف درهم (حوالي 2500 إلى 3000 دولار) على تشغيل الأحداث دون سن 16، تضاعف في حالة العود مع عقوبة سجنية تتراوح بين 6 أيام و3 أشهر.
ويقول خبراء في المجال إن القوانين المغربية "لا تفعل على أرض الواقع"، لافتين إلى أن وضع حد لهذه الظاهرة يحتاج إلى "عقوبات صارمة" وإلى برامج اجتماعية لاجتثاث أسبابها.
الرامي: لا بد من قوانين صارمة
في هذا الصدد، يقول رئيس منتدى الطفولة، عبد العالي الرامي، إن دوافع استمرار تشغيل القاصرين بالمغرب متعددة وترجع بالأساس إلى الظروف الاجتماعية لعدد من الأسر في الوسط القروي.
ويرى الرامي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن عدم تفعيل القوانين يدفع بعض المقاولات في القطاع غير المهيكل إلى توظيف القاصرين "بحثا عن الربح السريع بأقل تكلفة".
وتابع "قوانين الشغل نصت بعضها على غرامات مخففة أو عقوبات سجنية لا تتجاوز مدة 6 أشهر، لا بد من تحيين هذه القوانين بمواد زجرية صارمة تمنع تشغيل الأطفال ولا بد من حماية اجتماعية حقيقية حتى لا تضطر الأسر إلى الدفع بأطفالها إلى العمل".
وتعليقا على واقعة الدار البيضاء، أضاف الناشط الحقوقي أن الحادث "يبقى معزولا، لأنه وبعد تفعيل إجبارية التمدرس وإطلاق بعض البرامج الاجتماعية تراجعت نوعا ما هذه الظاهرة، ولكنه لا بد من إرادة سياسية حقيقة لمعالجة الظاهرة من مصدرها، وأقصد المناطق النائية التي تصدر عمالة الأطفال إلى المدن".
إيشاوي: استغلال وأجور زهية
من جانبها، تقول خديجة إيشاوي، رئيسة الجمعية المغربية منال حقوق الطفل والمرأة، إن ضعف تطبيق القانون يشجع سماسرة تشغيل الأطفال على استغلال القاصرين وتوظيفهم في مهن خطرة بأجور زهيدة، بحسب تعبيرها.
وأشارت إيشاوي في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إلى أن ظاهرة تشغيل الأطفال لا تزال منتشرة في القطاع غير المهيكل، موضحة "عوض توظيف عمال بأجر يزيد عن 200 درهم في اليوم (حوالي 20 دولارا) تلجأ بعض المقاولات إلى توظيف القاصرين بأجر لا يزيد عن 30 درهما في اليوم الواحد (3 دولارات)".
وتقترح إيشاوي التكثيف من الحملات التحسيسية للتوعية بمخاطر تشغيل الأطفال وأبعادها الاجتماعية، كما تقترح بدورها إطلاق برامج اجتماعية لحماية عديمي الحماية من سماسرة تشغيل الأطفال.
وتابعت "هذه الظاهرة تحتاج إلى حلول عملية، ولا سيما وضع قوانين صارمة تمنع تشغيل الأطفال إلى جانب برامج اجتماعية لانتشال الأطفال وإدماجهم في برامج التكوين المهني أو برامج التربية غير النظامية".
الرماح: هذا هو الحل
وعزا البرلماني والفاعل النقابي السابق، عبد الرحيم الرماح، أسباب استمرار ظاهرة تشغيل الأطفال في مهن خطرة بالمغرب إلى ضعف تطبيق القانون وإلى قلة مفتشي الشغل.
ويقول الرماح في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن عدد مفتشي الشغل الذين يقدر عددهم بحوالي 585 مفتشا يبقى غير كاف للإحاطة بظروف عمل المقاولات، خاصة تلك الناشطة في القطاع غير المهيكل.
وتابع موضحا "المشكل راجع بالدرجة الأولى إلى ضعف تطبيق القانون، خاصة في القطاع غير المهيكل، الذي يبقى بعيدا عن أعين مفتشي الشغل ما يصعب الإحاطة بظروف عمل الأجراء بما فيهم غير القاصرين".
لذلك، يقترح الناشط النقابي السابق المتخصص الرفع سنويا من عدد مفتشي الشغل وإلزام القطاع غير المهيكل بتطبيق القوانين المؤطرة للشغل.
"تنويه دولي"
وكانت وزيرة وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، عواطف خيار، قد أكدت في معرض مداخلة لها بمجلس النواب العام الماضي عزم وزارتها معالجة إشكالية تشغيل الأطفال بالمغرب عبر خطة حكومية تستهدف الأطفال المشتغلين.
وقالت حينها "الهدف من هذه السياسة هو مواكبة الأسرة للحيلولة دون وجود أسباب قد تدفع بأطفال إلى العمل، رغم أن هذه الظاهرة التي تمس 81 في المائة من أطفال العالم القروي (...) عرفت تراجعا ونالت هذه الجهود تنويها في جميع المحافل الدولية".
المصدر: أصوات مغاربية
