لا يزال الاتفاق الذي وقعته الحكومة الموريتانية مع الاتحاد الأوروبي لمحاربة ظاهرة الهجرة غير الشرعية مثار جدل واسع في البلاد، حيث أبدى سياسيون وحقوقيون تخوفهم من احتمال موافقة بلادهم على إعادة المهاجرين غير النظاميين إليها مقابل حزمة مساعدات.
ولم يتوقف هذا الجدل منذ الزيارة الأخيرة التي أجراها وفق أوروبي يضم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى نواكشوط، وتوقعيهما مع الجانب الموريتاني اتفاقيات في مجال التعاون الاقتصادي ومحاربة الهجرة غير النظامية بقيمة 522 مليون يورو.
ويتخوف النشطاء الموريتانيين من احتمال موافقة بلادهم على إعادة وطين آلاف المهاجرين غير النظامين بعد ترحيلهم من أوروبا رغم نفي حكومي لوجود أي اتفاق في هذا الشأن.
وقالت حركة "كفانا" الحقوقية في بيان أمس الأحد، إنها تطالب السلطات الموريتانية بـ"الكشف الفوري عن حقيقة الاتفاقية أمام الشعب" مؤكدة رفضها لتحول البلاد إلى "وطن بديل" للمهاجرين غير النظامين.
وتابعت "تحويل موريتانيا إلى شرطة لحراسة حدود أوروبا مقابل مبلغ 200 مليون يورو بعد رفض دول الجوار يعد خيانة عظمى" مفيدة بأن تدبير ملف الهجرة غير النظامية "يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد لا تقتصر على الحلول المالية والأمنية فقط، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع التنموي والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية".
بدوره، تفاعل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل / إسلامي معارض) مع المخاوف نفسها، ودعا في بيان السلطات إلى نشر بنود الاتفاقية "دون مواربة".
واعتبر "تواصل" أن انخراط موريتانيا في تحقيق الاستقرار الإقليمي لا يجعلها "معنية بأن تكون وكيلا عن أي بلد أو كيان سياسي في التخلص من أعبائه والتزاماته القانونية والأخلاقية؛ أحرى أن يتم حل إشكال إقليمي بتوريطها في معضلة ديموغرافية واجتماعية وأمنية".
وأضاف "إننا في حزب تواصل إذ نعرب عن قلقنا البالغ إزاء هذه المخاوف ورفضنا الشديد لمثل هذه السياسات والتوجهات وفي هذا التوقيت بالذات الذي تزداد فيه صنوف معاناة المواطنين ومشاكلهم لندعو سلطات البلد إلى المبادرة بنشر نص هذه الاتفاقية والتزامات الدولة الموريتانية الناشئة عنها للرأي العام الوطني وكشف الحقيقة الكاملة لهذا الموضوع دون مواربة".
وسبق للحكومة الموريتانية أن تفاعلت مع الجدل الذي رافق زيارة الوفد الأوروبي إلى نواكشوط، ونفت وجود أي مساع لتوطين المهاجرين غير النظاميين بالبلاد.
جاء ذلك على في تصريحات أدى بها وكيل وزارة الداخلية محفوظ ولد إبراهيم للإذاعة الرسمية، مشددا على أن بلاده "لن تكون وطنا بديلا للمهاجرين غير النظاميين، وأن الشركاء الأوروبيين لا يجرؤون على طرح هذا الطلب".
وتابع "الحكومة الموريتانية لم ولن تقبل ولم تناقش أصلا أي موضوع يتعلق باحتضان موريتانيا مهاجرين أجانب، يتم ترحيلهم إليها من إسبانيا أو من أي بلد أوروبي".
بدورهم، استبعد محللون موريتانيون موافقة بلادهم على توطين المهاجرين على أراضيها، مؤكدين في الوقت نفسه، أن "الحقيقة" لن تظهر إلا بعد توقيع الاتفاق شهر مارس القادم.
انداري: مجرد شائعات
تفاعلا مع الموضوع نفسه، وصف أستاذ العلوم السياسية والباحث في العلاقات الدولية أحمد ولد انداري ما راج خول الاتفاق بـ"مجرد شائعات" مرجحا أن يقتصر الاتفاق بين بلاده والاتحاد الأوروبي على دعم جهود نواكشوط في مكافحة الهجرة غير النظامية.
واعتبر ولد انداري في تصريح لـ"أصوات مغاربية" أن إعادة توطين المهاجرين بموريتانيا هي "فكرة خيالية لا أساس لها" موضحا "رأينا في المغرب كيف أن هذا البلد رغم تقدم مقاربته في مجال الهجرة مقارنة بباقي الدول المغاربية طرح فكرة استيعاب المهاجرين ورغم ذلك ما يزال يواجه صعوبات لإعادة إدماجهم فما بالك بتوطين هذه الأعداد من المهاجرين في موريتانيا".
وتابع "موريتانيا باعتبارها بلدا مصدرا للهجرة تتبع سياسة متسامحة اتجاه المهاجرين غير النظاميين لكنها في الآن ذاته تبذل جهودا كبيرا جدا للحد من الهجرة إلى أوروبا خصوصا وأن الاحصائيات تفيد بأن 73 في المائة من القوارب الوافدة على إسبانيا تنطلق من موريتانيا إذن هناك ضعف في الوسائل وليس في المقاربة".
لذلك، يتوقع ولد انداري أن يركز الاتفاق الذي يرجح أن يتم توقيعه شهر مارس القادم على تعزيز قدرات موريتانيا في تدبير ملف الهجرة خاصة وأن البلاد "لا تستطيع بوسائلها المنفردة كأي ببلد آخر في احتواء هذه الظاهرة، ولو لم يكن هناك مشكل في الاتحاد المغاربي لكان من الممكن أن نتبع سياسة مغاربية أكثر فعالية في تدبير هذا الملف".
بهلي: ضبابية وغموض
بدوره، استبعد المحلل السياسي ورئيس رابطة الصحافيين الموريتانيين، موسى بهلي، موافقة بلاده على إعادة توطين المهاجرين المرحلين من أوروبا معتبرا أن التخوف المرافق لزيارة الوفد الأوروبي سابق لأوانه.
مع ذلك، قال بهلي في حديث لـ"أصوات مغاربية" إن "ضبابية" و"غموضا" يحيط بزيارة الوفد الأوروبي إلى نواكشوط رغم التطمينات التي قدمتها الحكومة للمشككين في سياقها.
وتابع موضحا "مارس القادم سيشهد توقيع اتفاق مبدئي سيمر بمراحل عديدة منها عرضه على الجمعية الوطنية وسيتم شرح وتوضيح بنوده أمام الرأي العام، حينها ستنكشف كل الأمور، قبل ذلك كل الأطراف متناقضة في تصريحاتها ولن يستطيع أحد أن يجزم بأن الاتفاق استيطاني إلا بعد عرض بنوده شهر مارس".
وفي انتظار ذلك، أشار بهلي إلى وجود ضغوط أوروبيية على الدول المغاربية لتقديم المزيد من التنازلات في مجال تدبير مسألة الهجرة، مفيدا بأن الاتحاد "حاول مع تونس ومع المغرب وقالا بشكل جازم إنهما يرفضان أن يكونا حراسا للحدود الأوروبية وموريتانيا قالت الشيء نفسه ولكن بشكل محتشم وأتمنى أن تكون حازمة أيضا في رفض أي اتفاق مع أوروبا"
المصدر: أصوات مغاربية
