أصدرت محكمة مغربية حكما مبدئيا يدين شخصا بالسجن النافذ لمدة سنة واحدة مع الغرامة بعد أن تزوج عرفيا (زواج بالفاتحة) من طفلة بإحدى القرى نواحي مدينة وجدة (شرق البلاد) من دون سلوك مسطرة زواج القاصر.
وقال موقع "المفكرة القانونية" الذي نشر تفاصيل الحكم، مؤخرا، إن المحكمة اعتبرت أنه "لا يمكن للأعراف أن تلغي نصا قانونيا وأن سوء النية مفترض في حالات تزويج الطفلات بشكل عرفي لأنهن غير مكتملات النضج البدني والعقلي والعاطفي وتتعين حمايتهن من جميع أشكال العنف الجنسي والمعنوي".
وبحسب المصدر، فإن فصول هذه القضية تعود لعام 2022، عندما تم إشعار مصالح الشرطة بمدنية بوعرفة بوجود "ولادة غير شرعية" بإحدى المستشفيات، حيث انتقلت الشرطة للمستشفى واستمعت للأم التي أفادت بأنها تزوجت عرفيا من أحد شباب بلدتها حينما كان سنها لا يتجاوز 16 سنة بعد إقامة حفل زفاف، وأن هذا الزواج نتج عنه إنجابها لمولودها الأول.
وتبعا لذلك، تقرر إحالة محضر الشرطة على النيابة العامة المختصة التي قامت بتحريك المتابعة في حق "الزوج" ومتابعته في حالة سراح من أجل "جنحة هتك عرض قاصر من دون استعماله للعنف طبقا للقانون الجنائي".
وقررت المحكمة إدانة المتهم من أجل المنسوب إليه، لعدة علل منها الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج طبقا لمدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية) هي وثيقة عقد الزواج، وأن "ما تمسك به المتهم لجهة أن العلاقة الجنسية بالقاصر تمت بموافقتها لا يضفي عليها الطابع الشرعي".
ويعيد هذا الحكم القضائي النقاش مجددا حول إشكالية تزويج الطفلات بشكل عرفي في المغرب، وسط احتدام الجدل بين حداثيين ومحافظين بعد أن قدمت الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة مقترحاتها إلى رئيس الحكومة الذي رفعها إلى العاهل المغربي محمد السادس.
"نوع من الردع"
وفي تعليقها على الموضوع، أعربت المحامية والحقوقية المغربية فتيحة اشتاتو، عن تأييدها للحكم قائلة إنه "كان صائبا وفيه توجه للحد من الزواج العرفي وتزويج القاصرات خاصة في خضم النقاش القائم حول إصلاح مدونة الأسرة والذي نتمنى أن يسفر عن تجريم زواج القاصر".
وتتوقع اشتاتو في حديث لـ"أصوات مغاربية" أن يساهم الحكم "في الغالب بتحديد سن الزواج في 18 سنة دون استثناءات وهو أيضا يشكل نوعا من الردع لأي شخص يحاول تجاوز ذلك"، في إطار الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب بخصوص حماية الأطفال.
وتستدرك اشتاتو، وهي أيضا عضوة في "فدرالية رابطة حقوق النساء"، أنه "رغم ذلك يبقى القانون لوحده غير كافيا للقضاء على ظاهرة تزويج القاصرات وإنما يجب على جميع الوزارات والمتدخلين التربية على المساواة واحترام حقوق الإنسان وإجبارية التعليم والتمكين الاقتصادي".
وتنبه المتحدثة ذاتها، إلى أن "تزويج القاصرات يحرمهن من التعليم والنشاط الاقتصادي وتكون له عواقب نفسية وجسدية خاصة عندما ينتج عن ذلك ولادة فيصبحن طفلات يتحملن مسؤولية أطفال آخرين"، مشددة على أنه "بمثابة اتجار بالبشر لأنهن لا يمتلكن الإرادة والتمييز وأغلبهن ينحدرن من مناطق هشة".
"حكم شاذ"
خلافا لذلك، يرى المحامي والحقوقي عبد المالك زعزاع، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أنه "حكم شاذ ولم يسبق لمحاكم المملكة أن قضت به لأن فيه جرأة على الفقه الإسلامي والمذهب المالكي في ما يخص نظرة الفقه لزواج القاصر"، مشيرا إلى أنه "حتى في مدونة الأسرة وما جرى به في القضاء المغربي بناء على الخبرة وسن معين الحكم بالسماح للزوجين بتوثيق زواجهما".
وتبعا لذلك، يضيف زعزاع أنه في كثير من البوادي المغربية لا يزال يجري "الزواج بالفاتحة" بحسب العرف وما جرى به العمل في هذه المناطق، مؤكدا أن "توثيق الزواج ليس ركنا من أركان الزواج حسب الشرع الإسلامي وإنما يقول بوجوده حاليا من طرف العلماء فقط حتى لا تضيع حقوق الأطفال والنساء".
ويذكر الحقوقي زعزاع أن "هذا الحكم هو اجتهاد خارج الدواليب التي تنص على أن المغاربة مسلمون بنص الدستور وأن هناك إمارة المؤمنين وهو جاء خارج النصوص الفقهية التي تقول إن زواج الفاتحة زواج شرعي إذا اكتملت أركانه كالصداق وغيره من الأركان".
ويعتبر المصدر ذاته، أنه "حكم ليس نهائيا وقد تكون هناك مناقشة في المرحلة الاستئنافية ومحكمة النقض التي تضم فقهاء متشبعين بمبادئ الشريعة الإسلامية وسيجتهدون لصالح الزواج الشرعي".
المصدر: أصوات مغاربية
