ندرومة الجزائرية.. مدينة تروي تاريخا يمتد لقرون
تعيش مدينة ندرومة، غرب الجزائر، في هدوء، بعيدا عن ضوضاء ما يجري في مختلف أنحاء البلاد، منذ سقوط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
وتحتفظ ندرومة بمزيج من لمسات عبد المؤمن بن علي الكومي الذي ولد في حواضرها، وشواهد يوسف بن تاشفين الذي بنى فيها ثالث أقدم مسجد في الجزائر، وعبد العزيز بوتفليقة الذي حكم الجزائر لعشرين سنة.
طموح ما بعد بوتفليقة
لا يبدي لحسن (28 سنة) اهتماما كبيرا بانتساب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى مدينة ندرومة.
ويقول في حديث لـ"أصوات مغاربية" إن بوتفليقة "قد يكون قرب" مجموعة أشخاص، بحكم العلاقة التي تربطه بهم، لكنه "لم يمنح" المدينة أي حظوة، خارج ما تمتعت به كباقي البلدات الجزائرية.
ويشير لحسن وهو يحمل هاتفه النقال جالسا في مقهى شعبية بأعالي ندرومة إلى مجموعة من الأخبار المنشورة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وهو يقول: "ما يهمني اليوم هو المستقبل".
ويتابع "سأترشح للانتخابات البلدية، ولدي الثقة الكاملة في شفافيتها بحكم عملي السابق في الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور".
يرى لحسن أن "الوقت حان" لمشاركة الشباب في الحركية الانتخابية، رغم "الرفض" الذي تبديه بعض التيارات في البلاد بشأنها.
وبالنسبة له فإن "الوضع أحسن بكثير مما كان عليه خلال حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة".
بوتفليقة والزوايا
يتذكر عز الدين ميدون، رئيس جمعية الموحدية للمحافظة على تراث ندرومة، الزيارة التي قادت الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى المدينة، في مطلع أبريل 2004، والتي دشن خلالها الزاوية الدرقاوية المجاورة للمدرسة الابتدائية التي تحولت إلى الزاوية البلغيثية.
ويشير ميدون إلى أن ندرومة تتوفر على "12 فرعا لزاويا مختلفة من بينها 8 زاوايا بمحيط المسجد العتيق" الذي يعود تاريخ بنائه من طرف المرابطين إلى 10 قرون مضت.
ويتحدث رئيس جمعية الموحدية، التي تنسق عملها ضمن عدة برامج محلية وأوربية للحفاظ على تراث ندرومة، عن "ضرورة إطلاق مشروع تهيئة البنايات في المدينة العتيقة، الذي كان مبرمجا من طرف وزارة السكن في يناير 2019".
"التربيعة".. استراحة المرابطين
أشهر مكان يمكن أن تزوره في مدينة ندرومة التاريخية، وهي ساحة مربعة الشكل يقابلها المسجد العتيق الذي بناه الأمير يوسف بن تاشفين عام 1081، فضلا عن مجموعة من المقاهي والحوانيت التقليدية التي كانت ولاتزال تقدم خدماتها للزوار والسكان.
يتوقف الحاج محمد غماري رفقة أحد جيرانه أمام باب المسجد العتيق في انتظار رفع أذان صلاة العصر.
يقول غماري لـ"أصوات مغاربية وهو يقف أمام باب المسجد "غالبا ما تكون العودة إلى مسقط الرأس، لقد سافرنا وتجولنا ثم عدنا إلى بلدتنا".
التاريخ وندرومة..
غير بعيد عن المسجد العتيق يوجد الحمام البالي المرابطي، المصنف تراثا وطنيا، والذي بناه المرابطون بداية من العام 1095.
يتميز الحمام بخاصية تقليدية تمكن من تسخين المياه القادمة من مجرى طبيعي بالحطب، وهي الخاصية التي تجعله نقطة استقطاب لسكان المدينة وزوارها، بحسب الناشط الجمعوي، مهدي كفيف.
ويشير كفيف في حديث مع "أصوات مغاربية" إلى أن جائحة كورونا دفعت بالسلطات إلى إغلاق الحمام، آملا أن يتم فتحه أمام المواطنين بعد استقرار الوضع الصحي في البلاد.
تظهر أزقة ندرومة التاريخية التي تعلو هضبة المدينة وكأنها تقاوم كافة التغييرات التي تزحف قادمة من النسيج العمراني الحديث أسفل البلدة.
يقول سيد أحمد عمور الذي يمتهن إحياء الأفراح التقليدية وتوفير مستلزماتها من عتاد وأفرشة، إن المدينة لاتزال تحافظ على طابعها المعماري العتيق بعاداتها وتقاليدها.
ويضيف: "السكان متضامنون فيها بينهم، يشاركون بعضهم البعض الأفراح والمسرات والأحزان، أما المنازل فهي لاتزال شامخة تتصدى لكافة التحولات".
قادة، علماء وفنانيين مروا من هنا
في دار لالة العالية بالمدينة القديمة يجلس مجموعة من شباب الحي لتبادل أطراف الحديث حول مستقبل تراث المدينة.
يتحدث عبد الحفيظ بن يحيى بحيوية، عن مكانة الشاعر الندرومي المتصوف قدور بن عاشور الذي يعتبر أحد رموز الثقافة في المدينة.
يعمل عبد الحفيظ في الأشغال اليومية، لكن ذلك لم يمنعه من الاهتمام بتراث مدينته.
ويشير في حديث لـ"أصوات مغاربية" إلى أن أول من نال شهادة البكالوريا كان العلامة السي امحمد بن رحال الندرومي.
كما يتذكر أن مترجم السلطان عبد الحفيظ بن الحسن في المغرب كان قدور بن غبريط الذي تنحدر عائلته من مدينة ندرومة، إضافة إلى عشرات الأسماء البارزة من سياسيين وكتاب وفنانين آخرهم بلبل الحوزي الشيخ محمد الغفور.
تغرب الشمس باحتشام عن ندرومة، وكأنها تسدل الستار عن يوم آخر من أيام مدينة تقاوم زحف العصر الجديد وهي تحتضن تاريخها وآثارها وذكريات قادة ولدوا أو مروا من هنا.
- المصدر: أصوات مغاربية
