دندنة ممزوجة بصَليل الأغلال.. حقائق عن موسيقى بدأتها أقلية مقهورة بشمال أفريقيا
إذا كانت موسيقى الجاز خرجت من رحم معاناة العبيد في نيو أورلينز الأميركية خلال القرن الـ19، فإن "كناوة" تحكي نفس القصة: إنسان هزمه الاسترقاق، فاختار جعل الأغلال التي تكبّله آلة موسيقية للضرب على وتر مجهول في الروح.
كانت دندنة العبيد بشمال أفريقيا البذرة الأولى لظهور الأداء الحزين الذي اختلط لاحقا بالتقاليد الصوفية والأنغام المحلية في المنطقة المغاربية ليعطي تلك الموسيقى الروحية المذهلة التي نسميّها اليوم "موسيقى كناوة" .
لكن ماذا نعرف حقيقة عن هذه الموسيقى؟
أصل التسمية
يقول الباحث في الدراسات الأفريقية بجامعة ولاية أريزونا، شوقي الهاميل، إن مصطلح كناوة مشتق على الأرجح من الكلمة الأمازيغية "كناوي"، والتي ترتبط بلون البشرة.
ويضيف في أحد بحوثه بعنوان "المغرب الأسود: تاريخ العبودية والعرق والإسلام" أن "الكناوي" تعني "الرجل الأسود".
أما الباحث محمد حمدوني، فقد أرجع الاسم إلى لفظة "غينيا" أو "غانا"، قائلا "تشير المصادر الاستشراقية إلى أن تسمية كناوة تعود إلى مدينة دجيني، في المنطقة الجنوبية التي يطلق عليها الأوروبيون، خصوصا البرتغاليون، اسم غينيا، والتي كانت تقع بجانب نهر النيجر في مالي حاليًا".
وأضاف أن "أقدم دليل يؤرخ لأصل كناوة هو ما أتى به عالم التاريخ الأندلسي الزهري، انطلاقًا مما جمعه من معلومات من قبائل الصحراء الصنهاجية أن أصل كناوة (جناوة) من غانا التي كانت تعتبر عاصمة بلاد السود في القرن الرابع عشر".
موسيقى تحمل هموم العبيد
قدر الباحث السوسيولوجي المغربي، محمد الناجي، متوسط عدد الأفارقة ضحية الاستعباد بشمال أفريقيا خلال القرون الماضية - في أوج ازدهار تجارة الرقيق عبر الصحراء - بحوالي 20 ألف سنويا.
وقد استقر العبيد في مناطق مختلفة في شمال أفريقيا، لكن غالبيتهم وجدوا موطئ قدم بشكل رئيسي في منطقتي درعة وتافيلالت، إذ كانتا نقطتي عبور لجميع القوافل القادمة من أفريقيا جنوب الصحراء، بحسب أستاذة التاريخ بجامعة بوسطن، سينثيا بيكر.
وفي بحث لها بعنوان "ذكريات تجارة الرقيق عبر الصحراء في تافيلالت جنوب شرق المغرب"، تقول سينثيا بيكر "لا تزال ذكريات تجارة الرقيق عبر الصحراء حية في جنوب شرق المغرب، ولا يزال أحفاد الأشخاص الذين تم استعبادهم ونقلهم عبر الصحراء يستحضرون وضعهم كعبيد سابقين"، وأن معاناتهم في الاغتراب أنتجت أشكالا مختلفة من "الرقص والموسيقى والممارسات العلاجية الخاصة بهم".
وتضيف أن "العبودية والبحث الطويل عن أصول أجدادهم أدى إلى ظهور كناوة، وهو في الأصل عرض موسيقي لأشخاص يفتخرون بأصولهم وصلتهم بأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى"، مشيرة إلى أن هذا الشكل الموسيقي "ساعد بكل جوانبه العبيد على تكوين هوية لأنفسهم".
موسيقى الروح
يرى الباحث محمد حمدوني أن "ما يميز موسيقى كناوة هو طابعها العلاجي والروحاني الخاص"، مضيفا أن "الموسيقى الأفريقية الروحانية هي موسيقى استدعائية بامتياز، حيث يزخر المخيال الجمعي الإفريقي بصور وأشكال وأرواح تسكن البراري والصحاري والأشجار المقدسة، فتارة هي تحمي الأراضي وتارة تدل المسافرين وتارة تسكن وتتمكن من الأجساد وتسحرها وترمي بلعناتها عليها".
ويتفق الباحث شوقي الهاميل مع حمدوني، إذ يؤكد أن البعض لا يزال يعتقد أن أولئك الذين يتعاطون موسيقى كناوة بارعون جدا في ترويض الجن وعلاج المس والصرع، بالإضافة إلى علاج أمراض عضوية مثل الشلل، لذلك يحضر كثير منهم مهرجانات كناوة لطلب الشفاء.
وفي هذا الصدد، يقول حمدوني إن ليلة كناوية لا تتم من دون احترام "دقيق لطبائع الجن ومزاجه حيث يتم احترام جميع المدعوين وإعطاءهم حقهم من الآداب والاحتفالات والترحيب، إذ يبدأ استدعاء الشُرَفة أي الأعيان أولًا أو الجن السماوي توسلًا بمولاي عبد القادر والجيلالي بوعلام مرورًا بالجن الأرضي والجن الناري (بابا حمو) انتهاءً بالجنيات (لالة عيشة، لالة مليكة) ملكات البحار والوديان والشرفة الأولياء الأدارسة".
ويضيف: "لا تمر الليلة ولا يكون لها مفعول إلا إذا كان الاستدعاء كاملًا شاملًا لا يُفضل فيه فريق من الأرواح والجن على آخر كلهم تحت حكم أولياء الله الصالحين الذين سكنوا الجبال والكهوف والواحات".
وتعتقد سينثيا بيكر أن العبيد السابقين غيرتهم البيئة المحيطة بهم، لكنهم أيضا وخلال شوقهم الدائم إلى وطنهم الأم، غيّروا أيضا البيئة التي سكنوها بموسيقى روحية أصبحت جزءا من الثرات المغربي.
اعتراف عالمي
في 2019، تحول هذا التراث إلى تراث عالمي بعد أن صنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" موسيقى "كناوة" ضمن قائمة "التراث الثقافي غير المادي للبشرية".
لكن حتى قبل هذا الاعتراف الأممي، بدأت هذه الموسيقى تحظى بشهرة واسعة بعد إطلاق مهرجان عام 1997 في مدينة الصويرة جنوب المغرب.
وحاليا، يعتبر مهرجان "كناوة وموسيقى العالم" ضمن أكبر المهرجانات الخاصة بالموسيقى الروحية في العالم، إذ جذب خلال السنوات الماضية "أبرز الموسيقيين العالميين مثل بات ميثني وماركوس كيلر، الذين شاركوا محترفي "كناوة" عزفهم، ودمجوا معها مختلف الأنماط الموسيقية مثل الجاز والبلوز".
- المصدر: أصوات مغاربية
