FILE - In this Jan.18, 2021 file photo, demonstrators face police officers during clashes in Ibn Khaldoun City near Tunis. A…
خلال اشتباكات سابقة بين الشرطة ومتظاهرين في تونس - أرشيف

تشهد بلدة عقارب الجنوبية، التابعة لمحافظة صفاقس (وسط شرق تونس)، منذ 3 أيام، احتجاجات ومواجهات مباشرة مع القوى الأمنية، بسبب رفض مجموعة من المحتجين قرار السلطات إعادة فتح مكب نفايات في المنطقة.

والثلاثاء، أضرم محتجون النار في مركز للحرس الوطني، في تصعيد لاحتجاج اندلع في ساعة متأخرة من مساء الاثنين، وذلك بعد وفاة شاب قال شهود عيان وعائلته إنه توفي اختناقا بالغاز الذي أطلقته الشرطة بالبلدة.

في المقابل، قالت وزارة الداخلية إن الشخص لا علاقة له بالاحتجاجات وتوفي في منزله على بعد ستة كيلومترات من الاحتجاج بسبب أزمة صحية طارئة.

وفي وقت يرفع المحتجون شعارات بيئية، ويؤكدون على أنهم في الشارع لمنع فتح المكب مجددا، يتهم البعض هؤلاء بأن "أسبابا سياسية" دفعتهم لفتح هذا السجال في الشارع. فما مشكلة المكب؟ وما الذي يجري على الأرض حاليا؟

يوضح هشام بن إبراهيم، وهو ناشط مدني في محافظة صفاقس، لموقع "الحرة"، أن "مشكلة مكب الموت في عقارب ليست وليدة الساعة، حيث تم إغلاقه بعد نضال طويل من أهالي المنطقة الذين يعانون من التلوث والأمراض الناتجة عنه".

ومكب القنة يقع على بعد ٣ كيلومترا من عقارب، و٢٠ كيلومترا من صفاقس، تم تأسيسه عام ٢٠٠٨ على مساحة ٤٠ هكتارا لاستقبال ٤٠٠ طن من النفايات المنزلية لمدة ٥ سنوات تبدأ من أبريل ٢٠٠٨، وهو يعد ثاني أكبر مكب في الجمهورية التونسي، بحسب بن إبراهيم.

وعام ٢٠١٣، انتهت المدة القانونية المعهودة لاستغلال المكب ولكن استمر العمل فيه" دون وجه حق"، حيث بدأت ترمي نفايات المحافظات المجاورة دون معالجة أو تغليفها بأكياس بلاستيكية محكمة، على حد تعبيره. 

وفي عام ٢٠١٩، أصدرت محكمة عقارب، بناء على شكاوى الأهالي، قرارا بالتوقف الفوري عن استعمال المكب وإزالة جميع الفضلات، إلا أنه لم يصار إلى تنفيد القرار إلا بعد جلسة عمل في مقر محافظة صفاقس تعهد فيها المعنيون بإغلاق المكب.

وفي ٢٧ سبتمبر، أغلقت الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات مكب بلدة العقارب مانعة دخول الشاحنات لتفريغ القمامة، بحسب بن إبراهيم أيضا. 

وليل الاثنين، قررت الحكومة التونسية  إعادة فتح مكب النفايات في عقارب، بعدما تسبب إغلاقه في تراكم آلاف الأطنان من النفايات المنزلية في الشوارع والأسواق، ما دفع الآلاف للاحتجاج في صفاقس.

وهنا، أوضح بن إبراهيم أن "الدولة لجأت إلى استخدام القوة لفتح المكب ما اضطر الأهالي للتحرك لمنع ذلك"، مشيرا إلى أن "لو طلبت الحكومة إذن من مكونات المجتمع المدني في البلدة ووجهائها، بفتح المكب لفترة محددة، لكانت حصلت على موافقتهم".

واعتبر بن إبراهيم أنه كان "من الأجدر اللجوء إلى الحوار وعدم استخدام القوة في وجه الأهالي الذين يعانون منذ فترة طويلة من التلوث وانتشار الحشرات، الثعابين، مشيرا إلى أن "البلدة تسجل نسبة عالية من الإصابة بمرض السرطان".

ويسود الهدوء الحذر حاليا في البلدة، بعد مواجهات عنيفة في الشوارع بين الشبان والشرطة التي أطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين يحاولون قطع الطرق ورشق القوات الأمنية بالحجارة.

وقال شهود ووسائل إعلام محلية إنه مع استمرار التوتر في البلدة وصلت وحدات من الجيش إلى عقارب سعيا لحماية المباني والممتلكات العامة، بحسب فرانس برس.

في المقابل، يشدد الناشط المدني من مدينة عقارب، حبيب حرموني، في حديث لموقع "الحرة"، على أن "الحكومة تصرفت بشكل صحيح، ولم يكن لديها خيار سوى اللجوء إلى القوة لفتح المكب"، معتبرا أنه "لا يمكن إغلاق مكب ضخم للنفايات في ليلة وضحاها".

وأكد حرموني أن "وزارة البيئة طلبت من المعنيين في عقارب فتح المكب لمدة سنة إلى حين إيجاد مكب آخر إلا أنهم رفضوا ذلك".

"استغلال سياسي"

سياسيا، اتهم رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الاثنين، خلال لقائه بوفد من الحكومة، أطرافا لم يسمها بالوقوف وراء ما تشهده صفاقس من تكدس للنفايات، وبأنه سيوجه تعليماته بفتح المكب بالقوة، بحسب فيديو نشره حساب الرئاسة في فيسبوك

في المقابل،  نفذ الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في تونس) إضراب عام في عقارب، الأربعاء.

ويعتبر حرموني أن "هناك عدة أطراف سياسية مسيطرة على المجالس البلدية، وهي تقف ضد قرارات الرئيس في ٢٥ يونيو، ولذلك أرادت افتعال أزمة لزعزعة الأمن والاستقرار السياسي"، وهو ما يرفضه بن إبراهيم.

وفي 25 يوليو، أعلن سعيد تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتولي السلطات في البلاد، بناء على الفصل 80 من الدستور الذي يخوله اتخاذ تدابير في حالة "خطر داهم مهدد لكيان الوطن".

وفي 22 سبتمبر، صدرت تدابير "استثنائية" بأمر رئاسي أصبحت بمقتضاه الحكومة مسؤولة أمامه فيما يتولى بنفسه إصدار التشريعات عوضا عن البرلمان، ما اعتبره خبراء تمهيدا لتغيير النظام السياسي البرلماني في البلاد الذي نص عليه دستور 2014.

وقال بن إبراهيم إن "مطالب المحتجين واضحة وهي الهواء النقي والبيئة السليمة"، معتبرا أن "الحل باعتماد مشروع لإعادة تدوير النفايات من قبل الحكومة، والعودة إلى العقل والحوار مع المعنيين في المحافظة".

بدوره، يشدد المحلل السياسي، حسان القبي، وهو ابن المحافظة، أن "الرئيس أخطأ بالحل الأمني، وكان عليه الاحتكام إلى العقل". 

ولم يستبعد القبي، في حديث لموقع "الحرة"، "وجود أحزاب سياسية معارضة للرئيس، تحاول استغلال الأزمة البيئية لغايات سياسية من شأنها تشويه سمعة الحكومة الجديدة".

وفي 11 أكتوبر، أقر سعيد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة نجلاء بودن، والمؤلفة من 24 وزيرا، بينهم 9 سيدات.

واستدرك القبي قائلا: "وجود استغلال سياسي لا ينفي أحقية التظاهرات المطلبية في عقارب"، معربا عن أمله في الوصول إلى "الحل البيئي الذي اقترحته جامعة صفاقس".

والثلاثاء، نظمت كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس بالتعاون مع جامعة صفاقس وبلدية صفاقس ندوة تحت عنوان "رسكلة (إعادة تدوير) النفايات بجهة صفاقس: الحلول العاجلة واآجلة" .

وتعهد رئيس جامعة صفاقس، عبد الواحد المكني، بتقديم "تقرير مفصل للحكومة يتضمن أهم الحلول المقترحة لتجاوز هذه الأزمة على المدى القريب وإبراز ملامح الحلول والبرامج التي سيتم الإعداد لها وتنفيذها على أرض الواقع على المدى المتوسط والبعيد لضمان بيئة نظيفة وسليمة".

وفي السياق نفسه، يعتبر المحلل السياسي، نزار الجليدي، في حديث لموقع "الحرة"، أن "التظاهرات في عقارب  لها وجهان: الأول مطلبي بيئي لم تعرف الحكومة كيفية التعامل معه بشكل صحيح، والثاني سياسي بحت".

وأكد الجليدي أن "عدد كبير المجالس البلدية في محافظات تونس تحكمها أحزاب سياسية تريد ضرب قرارت الرئيس سعيد"، متوقعا أن "اندلاع تظاهرات في مدن أخرى تحمل شعارات بيئية ومطلبية ولكن لغايات سياسية".

وأشار إلى أن "الأمور تتجه نحو التصعيد على مستويات مختلفة"، معتبرا أن "المعركة المعارضة لسعيد ستكون من قلب المجالس البلدية والأهلية في بعض المحافظات المحسوبة على جهات معينة".

 

المصدر: موقع الحرة

مواضيع ذات صلة

منطقة سياحية بالجنوب الجزائري

عاد المهندس الجزائري ومؤسس الحزب الوطني للتضامن والتنمية، رابح بن شريف، إلى واجهة الأحداث، مؤخرا، على خلفية مشروع اقترحه، بداية التسعينات يتضمن إنجاز بحر اصطناعي في جنوب البلاد اعتمادا على المياه الجوفية.

وقد جلب هذا التصريح، وقتها، العديد من الانتقادات لصاحبه، الذي اتهم بـ"الترويج إلى طرح خيالي غير قابل للتجسيد"، وفق ما كان متداولا في السنوات الأخيرة، قبل أن يتراجع مؤخرا مجموعة من المدونين والنشطاء عن موقفهم القديم ويقرروا إعادة الاعتبار للرجل على خلفية المشاريع الفلاحية المكثفة التي أطلقتها الحكومة في المناطق الجنوبية.

وفي حصة مشهورة عرضها التلفزيون العمومي، قبل 30 سنة، عرض بن شريف جزءا من برنامجه التنموي تحدث فيه عن إمكانية إقامة "بحر اصطناعي" من خلال استغلال المياه الجوفية.

قبل 30 سنة

وكشف المتحدث، آنذاك، أن "الصحراء الجزائرية تتوفر على طاقة هائلة من المياه الجوفية تقدر بحوالي 66 ألف مليار متر مكعب"، مؤكدا أن "المشروع سيسهم في جلب السياح إلى البلاد، كما يسمح بتشغيل الأيادي العاملة".

ويتطابق كلام هذا السياسي الجزائري مع دراسة تحليلية أجراها موقع "واتر فاناك"، نهاية 2022، حيث أشار إلى أن "الجزائر تقع فوق نظام طبقات المياه الجوفية في الصحراء الشمالية الغربية (NWSAS)، وهو احتياطي ضخم من المياه الجوفية الأحفورية العابرة للحدود"، مضيفا أن "الموارد المائية في هذا النظام محصورة ضمن خزانين متداخلين رئيسيين، وهما الحوض المتداخل القاري وحوض المركب النهائي، وكلاهما يحتوي على حوالي 60 ألف مليار متر مكعب من المياه الجوفية".

وعادت نظرية المهندس رابح بن شريف إلى التداول بين الجزائريين، مؤخرا، تزامنا مع المشاريع الجديدة التي أطلقتها الحكومة من أجل الرفع من المنتوجات الفلاحية في المناطق الصحراوية، خاصة ما تعلق بمادة القمح.

وتوقعت جهات حكومية أن يصل منتوج البذور، هذا الموسم،  إلى حوالي مليوني قنطار، بعدما كانت العام الماضي في حدود 1.5 مليون قنطار تم جمعها بالمنيعة وتيميمون وأدرار وتبسة وخنشلة، تحضيرا لحملة الحرث والبذر المقبلة.

"اعتذار جماعي"

وضجت مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر بمجموعة من التعليقات أجمعت على "صحة الآراء التي قدمها السياسي رابح بن شريف في بداية التسعينات" بخصوص 'القدرة الهائلة" التي يتمتع بها الجنوب الجزائري بخصوص المياه الجوفية.

وكتب الباحث في التاريخ الجزائري، محمد آرزقي فراد، على بفيسبوك، "ما أكثر العقول التي أضاعتها الرداءة السياسية في الجزائر في مجالات كثيرة.. من هذه العقول السيد رابح بن شريف (خبير في الفلاحة)، الذي تحدث كثيرا  قبل 30 سنة عن  مشروع استغلال المياه الباطنية الموجودة في صحرائنا (60  ألف مليار متر مكعب) من أجل تعميم الزراعة المسقية فيها".

وأضاف "بعد مرور عقود من الزمن، ها هي الأيام تؤكد صواب مشروعه الزراعي. لذا فهو جدير بأن يعاد له الاعتبار ولو رمزيا".

ودون ناشط آخر "هذا الرجل اسمه رابح بن شريف قبل 30 سنة قال إنه قادر، بإذن الله، على جعل الصحراء مروجا خضراء واستغلالها في الزراعة وحينها وصفوه بالمجنون وتهكموا على أفكاره والآن تأكدنا أنه كان على حق.. نفس الشئ يحدث لبعض المفكرين حاليا عندما يتم الضحك على أفكارهم.. الخلاصة : هناك رجال سبقوا زمانهم يجب الاستفادة منهم".

 

وتفاعلا مع هذا النقاش الدائر، علق مدون آخر قائلا "كان مجرد مهرج سياسي عند الكثير من الجزائريين سنوات التسعينيات وكان محل سخريه من بعض طلاب المعهد، لكن اليوم تبين للجميع أنه كان سياسي وفيلسوف اقتصادي.. مفكر استشرافي على المدى القريب، المتوسط والبعيد.. رجل سبق زمانه عندما تكلم عن زراعة الصحراء طول العام بالرش المحوري بدل القمح الموسمي".

وعلى موقع "إكس"، وصف أحد المغردين السياسي رابح بن شريف بـ "المثقف والخزان الفكري السابق لزمانه"، مضيفا  "قبل 30 سنة قال لهم ندير لكم بحر في الصحراء.. ضحكو عليه!! هو من تكلم في بداية  التسعينات عن الثروة البديلة للنفط..  هو من كان لديه مشروع  البحيرة العملاقة في الجنوب".

في السياق ذاته، اقترح أحد النشطاء على الرئيس عبد المجيد تبون تولية المهندس رابح بن شريف منصب مستشار في رئاسة الجمهورية للاستفادة من خدماته في مجال الفلاحة بالمناطق الجنوبية.

بالمقابل، اعتبر فريق آخر من المعلقين أن مشاريع استنهاض الأنشطة الزراعية في الصحراء الجزائرية تعتبر أحد محاور برنامج الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة.

وكتب أحد المغردين "ما تجنيه الجزائر اليوم من محاصيل بجنوبنا الكبير هو ثمرة دراسات وخطة فلاحية قام بها الرئيس السابق المرحوم عبد العزيز بوتفليقة.. هو من استدعى شركة بلجيكية لدراسة الحجم المائي بالمنطقة وقدرتها على استيعاب المشروع،  لكن تأجل كل شيء بسبب الخلافات حول توزيع الأراضي".

 

المصدر: أصوات مغاربية