Tunisian President Kais Saied waves to bystanders as he stroll along the avenue Bourguiba in Tunis, Tunisia, Sunday, Aug. 1,…
الرئيس التونسي قيس سعيد- أرشيف

لا يتوانى الرئيس التونسي قيس سعيد عن استخدام تعبيراته بشأن محاربة الفساد والفاسدين، الذين نهبوا الدولة، في كل مناسبة يظهر فيها منذ قرر، في 25 يوليو الماضي، حل البرلمان، وإقالة الحكومة، وتوليه السلطات الثلاث، متعهدا بالقضاء على الفساد المنهجي الذي يقول إنه يعرقل الإصلاح الاقتصادي.

ويدافع سعيد، منذ ذلك الحين، عن توليه كل السلطات، كسبيل وحيد لإنهاء الشلل الحكومي بعد سنوات من الخلاف السياسي والركود الاقتصادي وتفشي الفساد، ووعد بدعم الحقوق والحريات التي تم تحقيقها في ثورة 2011.

لكن مع مرور 5 أشهر تقريبا منذ إعلان الرئيس بدء حملته لمكافحة الفساد، والفاسدين، فإن "معركة الرئيس في محاربة الفساد، حتى الآن، تمس أطرافا هامشية على مستوى الدورة الاقتصادية"، بحسب المحلل السياسي التونسي، صلاح الدين الجورشي، في حديثه مع موقع "الحرة". 

ويقول الناشط المدني، سعد بن لعمار، لموقع "الحرة": "سمعنا كلاما كثيرا من الرئيس ولم نر أي وثائق، كما لم نر أشخاصا تم معاقبتهم بسبب الفساد فعلا، حتى الآن". 

ويشير الجورشي إلى أن "الحرب على الفساد لابد أن تستهدف مراجعة القوانين، وكذلك الاقتراب مما يسميه البعض بالحيتان الكبيرة، التي يمكن أن تكون مؤثرة في المجال الذي يتحرك فيه الفساد الاقتصادي".

وفي نوفمبر الماضي، قالت رئاسة الجمهورية إنه تقرر إنهاء تكليف محافظين، دون إعطاء أي تفاصيل، ليخرج المتحدث باسم محكمة سيدي بوزيد، بعدها بساعات، ليقول إن النيابة العامة أمرت بالقبض علي محافظي ولايتي سيدي بوزيد وقبلي للاشتباه في "فساد مالي واستغلال المسؤولين العموميين للسلطة الرسمية".

لكن بن لعمار يقول إن هذا لا يعتبر قضية فساد مالي، وإنما إداري، لأنها كانت حول تزوير شهادات عليا لمعلمين تم تعيينهم، وجاءت القضية بناء على بلاغ مواطن عادي. 

ويضيف: "نحن نحكي عن الفساد المالي، سواء من رجال الأعمال والبنوك والوزارات ومؤسسات كبرى وأحزاب، لم نر أيا من هؤلاء تم إيقافهم بناء على وثائق، مثل الأموال المنهوبة والمرسلة للخارج، والسوق الموازية". 

والشهر الماضي تم اعتقال وزير الزراعة السابق، وسبعة مسؤولين سابقين آخرين، للاشتباه في فسادهم.

ويقول الجورشي إن "التقارير التي تصدرها منظمات خاصة في مكافحة الفساد تبين أن الظاهرة لم تتقلص، لأن بعض الأطراف المتورطة في الفساد أضحت أكثر حذرا، وتحاول أن تتجنب التسرع في اتجاه كشف بعض آلياتها". 

وأضاف أن "آليات الفساد بدأت تتغير وفق المرحلة الجديدة، وفي ضوء الحملة، لكن الفساد كظاهرة وإضعاف الاقتصاد التونسي لا يزالا مستفحلين وبشكل مؤكد". 

ويواجه اقتصاد البلاد صعوبات منذ 2011، ولم يتجاوز معدّل النمو الاقتصادي 0.6% خلال السنوات العشر الأخيرة. كما ارتفعت نسبة التضخم إلى 6%، وزادت أزمة جائحة كورونا من تفاقم الوضع في البلاد.

ووفقا لأرقام البنك المركزي بلغ احتياطي النقد الأجنبي 7 مليارات دولار، أو ما يعادل 119 يوما من الواردات.

ويقول الجورشي: "مع أهمية ما يقوم الرئيس، لكن ذلك حتى الآن لم يؤثر على النمو ولا على الحالة الاقتصادية في البلد". 

ويوضح أن "الاقتصاد يسوء ليس فقط بسبب الفساد، لأن هناك أزمة تمويلات، وهناك تخوف من أن البلد لم تعد دولة قانون، ولذلك العديد من المؤسسات لا تفكر حاليا في الاستثمار في تونس، كما أن هناك مستثمرين أوقفوا أعمالهم في البلد، وآخرون هاجروا للاستثمار في بلاد أخرى، بما في ذلك المغرب". 

"في مصلحة الفاسدين"

وعلقت السلطات التونسية عمل هيئة مكافحة الفساد وأقالت الكاتب العام للهيئة، أنور بن حسن من منصبه. 

ويرى الجورشي في حديثه لموقع "الحرة"، أن تعطيل عمل هيئة مكافحة الفساد، أضر كثيرا بمعركة الرئيس في هذا المجال. 

وقال: "هذه المؤسسة التي تم تعطيلها وتم منع نشاطها لديها رصيد مهم من الوثائق كما أنها تقدمت بالفعل بالكثير من الملفات للمحاكم، كما اقترحت بعض الآليات التي يمكن أن تساعد على مواجهة هذه الظاهرة، ولهذا أرى أن رئيس الجمهورية لم يستفد حين قرر تعطيلها، دون أن يعوضها بهيئة أخرى". 

بينما يقول بن لعمار، أنه "كان على الرئيس أن يتبنى قضاياها وأن يحلها، ما فعله لا يندرج في رأيي تحت بند محاربة الفساد، بل هو في مصلحة الفاسدين أنفسهم لأننا لم نسمع عن متابعة قضاياهم التي أثارتها الهيئة التي كانت تقوم بعمل جيد وجبار في رأيي". 

وتم إنشاء الهيئة عام 2011، خلفا للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة التي أنشئت مباشرة بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي.

محاربة الفاسدين وليس المؤسسات

وبينما يوافق بن لعمار على حملة الرئيس في مكافحة الفساد، فإنه يقول إنه "يجب أن تكون الحملة ضد الفاسدين في المؤسسات المختلفة، وليس من خلال تعطيل الدولة بأكملها". 

ويوضح "أوافق على إحالة البرلمانيين الفاسدين إلى القضاء، ولست مع تعطيل عمل البرلمان وحله بأكمله، ولست مع تعطيل هيئة مكافحة الفساد، إذا كان هناك أشخاص فاسدون فيها تتم محاكمتهم، وكذلك في المجلس الأعلى للقضاة، لأنه ليس كل القضاة فاسدين بالطبع، يجب معاقبة الشخص الفاسد وأن تترك المؤسسة تعمل". 

"استراتيجية وطنية جديدة"

ويرى رئيس المركز العالمي لمحاربة الفساد، كمال العيادي، أنه بناء على دراسة قام بها، فإن 68 في المائة من آراء 200 خبير تذهب إلى أن "الاستراتيجية الوطنية في مكافحة الفساد لا تقود البلاد إلى الاتجاه الصحيح". 

وقال العيادي، في تصريحات نقلتها "وكالة تونس أفريقيا للأنباء"، الرسمية، إن " 71 في المائة من الخبراء يقولون إن الآثار الجانبية السلبية لهذه الاستراتيجية تفوق الإيجابيات".

وأضاف أن الإدراك الجماعي للفساد يفوق ثلاث مرات حجمه الحقيقي، وهو ما خلق مناخ انعدام الثقة في الاقتصاد التونسي، مشيرا إلى أن "التوظيف السياسي أيضا للظاهرة يكون على حساب تونس وصورتها. علينا ألا نجمل الحقيقة ولكن نعطي الحقيقة كاملة ولا نأخذ الجزء السلبي فقط". 

وخفضت وكالة التصنيف الائتماني "موديز" درجة تونس، مع آفاق سلبية، في هذا البلد الذي يمر بأزمة اقتصادية عمّقها الوباء وتواصل غياب الاستقرار السياسي.

وتراجع تصنيف تونس من "بي3" إلى "سي ايه ايه1" مما يعني أن الثقة الممنوحة للمالية التونسية قد تقلصت.

في المقابل يقول الجروشي: إنه "من المؤكد أن هناك فساد مستفحل لكن التصور الحالي لمواجهته قاصر ولا يملك الوسائل، ولا الآليات القادرة على فتح ملفات كبرى، يقال إنها يمكن أن تؤدي إلى إبراز كمية هذا الفساد". 

ويضيف "تنقص هذه المعركة التي يخوضها الرئيس العديد من الإمكانات مثل خطة استراتيجة متكاملة تشارك فيها أطراف أخرى في البلاد، وكذلك مراجعة القوانين والتشريعات التي تستفيد منها شبكات المصالح بأشكال متعددة، كما يجب على المجتمع المدني أن يقف بكل قوته وثقله لدعم هذه المعركة، بعد أن يتم توضيح أهداف هذه الاستراتيجية وخططها". 

وقال العيادي "يجب أن يكون هناك مزيد من التشريع والتقنين لمكافحة الفساد"، مقترحا أن يكون هناك "مؤشر وطني يقوم على جملة من المعطيات التجريبية، وتصبح له السلطة والشرعية لإدارة الرأي العام في مكافحة الفساد".

مواضيع ذات صلة

لحظة انهيار المبنى (صورة مأخوذة من الفيديو المنتشر على مواقع التواصل)
لحظة انهيار المبنى (صورة مأخوذة من الفيديو المنتشر على مواقع التواصل)

هزّت مشاهد انهيار عمارة سكنية في أحد أحياء مدينة الدار البيضاء مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، مثيرة جدلا واسعا خصوصا أن هذه الواقعة جاءت بعد يوم واحد من حادث انهيار مبنى قيد الإنشاء في مدينة طنجة (شمال) والذي أسفر عن مصرع حارس المبنى، بعد ساعات من بقائه تحت الأنقاض، وفق وسائل إعلام محلية.

ووثقت مقاطع فيديو جرى تداولها على نحو واسع في المنصات الاجتماعية لحظة انهيار المبنى، الذي فرّ منه السكان في وقت مبكر بعد اكتشاف تصدعات كبيرة بداخله.

ووفقا لموقع التلفزيون المغربي الرسمي، فإن المبنى عبارة عن "عمارة مكونة من أربعة طوابق (R+4)، تقع عند تقاطع شارعي مولاي يوسف والعنق" بحي بوركون في الدار البيضاء.

ويشتبه في أن يكون سبب انهيار المبنى "قيام أحد السكان بإصلاحات، مما أدى إلى ظهور تصدعات في العمارة".

انهيار عمارة سكنية مكونة من أربعة طوابق بحي بوركون بعد ظهر يوم الخميس 23 ماي 2024 pic.twitter.com/CxnpbJp82F

— SNRTNews (@SNRTNews) May 23, 2024

وأشار المصدر ذاته إلى أن "هذه التصدعات دفعت بالسلطات المحلية إلى أن تطلب من السكان إخلاء البناية أول أمس الأربعاء، قبل أن تنهار  الخميس في حدود الساعة الثانية والنصف" مساء بالتوقيت المحلي.

ولم تقع أي خسائر بشرية في هذه الحادثة، لكنها خلفت حالة من الخوف والقلق بين السكان وجمهور الشبكات الاجتماعية، الذين اعتبر بعضهم أن "الفساد" و"المحسوبية" سبب ما وقع.

ولم تقتصر ردود الفعل على التعبير عن الارتياح بسبب عدم سقوط أرواح، إنما تحول بعضها إلى موجة غضب تطالب بمحاسبة المسؤولين عن إهمال سلامة المباني، خاصة بعد وقوع حوادث مماثلة في المدينة خلال السنوات الماضية خلفت عشرات الضحايا.

ففي عام 2014، هزّت فاجعة انهيار ثلاث بنايات سكنية في حي بوركون أيضا مشاعر الرأي العام المغربي، تاركة وراءها 23 قتيلا، وعشرات الجرحى، ودمارا هائلا.

وأعاد حادث يوم الخميس في المنطقة نفسها (بوركون) إلى الأذهان مأساة عام 2014، حيث عبّر البعض عن خشيتهم من تكرار مثل هذه الكوارث، مطالبين بتحقيق شامل لمعرفة أسباب الانهيار واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع حوادث مشابهة مرة أخرى.

وتعليقا على الحادث، اعتبر يوسف الساكت أن "إشكالية المباني القديمة معقدة جدا وفيها عدد لا يحصى من المتدخلين" قبل أن يردف مؤكدا أن "أرواح الناس وسلامتهم يجب أن تكون في قائمة الحسابات". 

 

 

من جانبه، اعتبر محمد الحساني، في تدوينة له، السلطات المحلية والجماعة "المسؤولان الرئيسيان" عما وقع مشيرا إلى بدء أعمال ترميم وإصلاحات في أسفل المبنى منذ شهرين قبل يتساءل "أين كان هؤلاء؟ كان عليهم مراقبة من كانوا يقومون بتلك الإصلاحات؟".

ودعا المتحدث ذاته إلى فتح تحقيق في الواقعة وتطبيق عقوبات رادعة على جميع المتورطين.

بدوره تحدث هشام الشرقاوي، عن عمليات حفر أسفل المبنى وربطها بانهياره، مؤكدا أن ذلك أدى إلى تصدع أحد أعمدته واهتزازه، مشيرا إلى أ ن السلطات تدخلت بعد ذلك وأخلت المبنى من  السكان.

وشدد الشرقاوي على ضرورة فتح تحقيق معمق في الحادث،"علما أن ساكنة العمارة أصبحت حاليا في عداد المشردين".

وفي السياق نفسه، توقع متفاعلون آخرون أن تقوم السلطات في الدار البيضاء بتوفير مأوى مؤقت لسكان هذه العمارة المنهارة، بينما يتم التحقيق في المسؤولية عن الانهيار. 

 

المصدر: أصوات مغاربية/ وسائل إعلام محلية