المشهد التلفزيوني في ليبيا يتسم بالانقسام والفوضى منذ سقوط نظام العقيد القذافي

بقنوات انطلقت وأخرى أغلقت أو اندمجت مع بعضها، شهد الليبيون ولادة عشرات القنوات التلفزيونية في ليبيا بعد عام 2011. كثير من هذه القنوات تأثرت بالاستقطاب السياسي الحاد في ليبيا، وتحاول أخرى الوقوف على الحياد فيما اختفت أخرى من المشهد تماماً.

ويتنافس خليط من القنوات ذات التوجهات المختلفة على جذب المشاهد في ليبيا، يبث بعضها من داخل البلاد والبعض الآخر من خارجها، وتتوزع توجهاتها على الأطراف السياسية المسيطرة على الأرض، وهنا تبرز إشكالية المقر والتمويل الذي غالباً ما يفرض نوعية المحتوى.

وتقدر الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي في ليبيا عدد القنوات التلفزيونية التي ظهرت بعد 2011 بـ26 قناة تلفزيونية، توقفت منها 4 قنوات عن الخدمة لظروف يتعلق أغلبها بالتمويل، فيما تقدر عدد محطات الإذاعة المسموعة بـ 134  لكن عددا من هذه المحطات لم يستمر طويلاً بسبب ظروف مشابهة.

قنوات الداخل 

ومن أبرز الأمثلة على القنوات التي تبث من داخل ليبيا، قناتا "ليبيا الرسمية" و "ليبيا الوطنية" في العاصمة طرابلس اللتان تدعمان توجهات حكومة الوحدة الوطنية الحالية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والأطراف الداعمة لها في طرابلس.

 وقد صدر قبل يومين قرار تنظيمي من حكومة الدبيبة بضم  قناة  "ليبيا الرسمية"، إضافة لقنوات أخرى  كـ"الهداية"، و"إذاعة القرآن الكريم"، والقناة الناطقة بالأمازيغية،  لقناة "ليبيا الوطنية"، والإذن للأخيرة بإطلاق واجهتها الجديدة ضمن ما قالت الحكومة إنها لدعم جهود إعادة ترتيب الإعلام الحكومي.

ومن القنوات التي تبث من طرابلس أيضاً قناة "التناصح"  الخاصة والمؤيدة بقوة لتيار "الإسلام السياسي" وتتبع مباشرة لدار الإفتاء، برئاسة المفتي السابق الصادق الغرياني، إضافة لقناة "بانوراما" الخاصة والمؤيدة لمعسكر الغرب، قبل أن تتوقف الأخيرة عن البث مؤخراً.

أما في شرق البلاد فتبرز قناة "ليبيا الحدث" التي تبث من بنغازي وتدعم بقوة للمشير خليفة حفتر ومجلس النواب وحكومة فتحي باشاغا المنبثقة عنه، إضافة لقناة "المسار" التي تبث برامجها من داخل بنغازي ومن مقرها في الأردن.

قنوات “المهجر”     

وبمقابل تلك التي تبث من الداخل، اتخذت قنوات أخرى من دول مثل تركيا والأردن ومصر مقرات لها، ولها توجات مختلفة.

ومن بين أكثر تلك القنوات متابعة قناة "ليبيا الأحرار" التي تبث من تركيا والمؤيدة لمعسكر غرب البلاد، وقناة "تلفزيون الوسط" التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، و تحاول اتخاذ نهج متوازن بين كل الأطراف،  إضافة لقناة "سلام" ذات الطابع الترفيهي (تبث من تركيا)  وقناة "218" التي كانت تبث من الأردن، قبل أن تعلن توقف  قناتيها العامة والإخبارية،  بعد 7 سنوات من العمل بسبب ما قالت إنها صغوطات وصعوبات مالية.

 

حالة الاستقطاب الحاد ومنزلق "خطاب الكراهية"  

وبعيداً عن مسألة المقر، فإن قليلا من القنوات التلفزيونية من تحاول السير بحذر وسط ألغام الوضع السياسي المتأزم، لكن هناك من انجرفت بالفعل إلى سيل التجاذبات السياسية بين الأطراف المتصارعة، ووقعت في فخ ارتكاب مخالفات مهنية وأخلاقية، بحسب تقارير الهيئة العامة لرصد المحتوى الإعلامي في ليبيا.

وقال الإعلامي الليبي جلال عثمان، وهو رئيس الهيئة، إن الهيئة رصدت نحو 15070 إخلالاً بمعايير العمل الإعلامي الصحيح  "بين جسيمة وعادية"، ضمن نتقريرها نصف السنوي الذي أصدرته خلال الأشهر الستة الأولى يعد تأسيس الهيئة، في يناير 2022.

وتابع عثمان، في حديث مع "أصوات مغاربية"، أن المخالفات المرصودة أثبتت أن الكثير من القنوات قد تحولت من القيام بدورها في الإعلام والإخبار والترفيه، إلى "أذرع إعلامية" لتيارات سياسية ومجموعات مسلحة، و أجازت لنفسها "إعلان الحرب عبر شاشاتها"، رغم أن الأمر مجرم وفقاً للقوانين الداخلية والدولية.

و أكد أن أكثر من نصف المخالفات المرصودة في التقرير يندرج تحت “خطاب الكراهية”، كما أن هناك مخالفات أخرى مثل تمجيد استهداف المدنيين والإرهاب ونشر المعلومات غير الموثقة ونشر صور بعض الفئات المحمية دون إذن، بحسب المتحدث.

محاولات لضبط فوضى المشهد 

ويشكل هذا العدد الكبير من مخالفات الخطاب الإعلامي في ليبيا تحدياً أمام هيئة رصد المحتوى، التي تسعى حالياً لتشكيل لجنة مستقلة، مكونة من قانونيين وصحافيين مستقلين، تعمل وفقا للقوانين المعمول بها في ليبيا والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الصحافة.

ويشير عثمان إلى أن هناك "محاولات جادة" من قبل الحكومة الحالية لتنظيم المشهد من خلال عدد من الإجراءات، منها تشكيل لجنة لوضع تصور لهيكلة الإعلام أسست بناء على توصياتها أجسام بينها "هيئة رصد المحتوى الإعلامي"، و"مصلحة الفضاء السمعي"، كما أنها بصدد تأسيس "منطقة حرة" للإعلام وصندوق لدعم الإعلاميين.

وكمحاولة لضبط فوضى المشهد الإعلامي الحالي، أصدرت الحكومة القرار رقم 811 لسنة 2022 بشأن اعتماد الشروط والضوابط الخاصة بمزاولة النشاط الإعلامي في البلاد.

ويقول عثمان إن أغلب القنوات الإذاعية التي أنشأت بعد عام 2011 هي قنوات غير مرخصة، وقد بدأت لجنة مختصة في حصر تلك المحطات واشترطت على من يريد الاستمرار منها استيفاء المستندات المطلوبة والتوقيع على "مدونة السلوك المهني الإعلامي" المكونة من 17 مادة والمعتمدة من قبل هيئة رصد المحتوى الإعلامي في ليبيا.

المصدر أصوات مغاربية