Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

نهج الدباغين، زقاق متخصص في بيع الكتب بتونس
نهج الدباغين، زقاق متخصص في بيع الكتب بتونس

بين المدينة العتيقة والحي الأوروبي الحديث بالعاصمة تونس، يوجد زقاق صغير يطلق عليه اسم "نهج الدباغين". صار الآن من أشهر أماكن بيع الكتب في العاصمة.

أصل التسمية يعود إلى كون المكان كان سوقا لبيع الجلود ودبغها وصباغتها في القرون الماضية، قبل أن يتحول إلى فضاء لبيع الكتب القديمة والمستعملة وشرائها.

لمكتبات الدباغين زبائن أوفياء وآخرون يختلسون أوقاتا لزيارة المكان. بيد أن أعداد الزبائن بدأت بالتناقص في السنوات الأخيرة، تأثرا بانتشار الإنترنت وسهولة الولوج إلى القراءة الإلكترونية، كما يقول أصحاب المكتبات في هذا الشارع.

'الأزبكية'.. في تونس أيضا

في عدد من دول العالم توجد ساحات أو أزقة متخصصة في بيع الكتل، ففي مصر سوق "الأزبكية"، وببغداد شارع المتنبي، وفي المغرب "ساحة السراغنة" و"البحيرة"، ولتونس "نهج الدباغين"، الذي تحول منذ عقود إلى محج لهواة الكتب من المثقفين والشعراء والطلبة والكتاب.

قام سوق بيع الكتب القديمة، كما يقول عمار الدبوسي، صاحب إحدى المكتبات بالدباغين، في "نهاية سبعينات القرن الماضي على يد صحافي معارض، طُرد من عمله في الإعلام، فاختار الاشتغال في مجال الكتب القديمة بهذا المكان".

جميع أنواع الكتب تباع في هذا المكان
جميع أنواع الكتب تباع في هذا المكان

​​قبل سنوات قليلة، كانت المحلات المخصصة لبيع الكتب القديمة تحتل جل مرافق "نهج الدباغين"، لتقتصر حاليا على بضعة محلات مفتوحة وسط متاجر  بيع الأقمشة والأكلات السريعة والمقاهي والسلع الصينية.

يقول رمزي الطرخاني، صاحب مكتبة قديمة بهذا الزقاق، إن أبرز أسباب تراجع محلات بيع الكتاب في هذا المكان هو تراجع معدلات القراءة بفعل انتشار الإنترنت وتيسيره لعملية القراءة الإلكترونية، فضلا عن بيع أصحاب المكتبات محلاتهم لتجار سلع مختلفة. 

"السوق سيندثر لا محالة، ولن يقدر أصحاب المكتبات على الصمود"، يردف الطرخاني.

واحة معرفة

سوق "نهج الدباغين" صار مقصدا لهواة جمع الكتب والمخطوطات القديمة، إذ يحدث أن يعثر عشاق القراءة هنا على كتب قيمة وسط أكوام الكتب.

هذا ما يؤكده سمير الفوزري، الذي يعشق جمع الكتب القديمة، لـ"أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أنه عثر على نسخة من الطبعة الأولى لكتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، للكاتب الطاهر الحداد، والذي كان له دور في مد تحرير المرأة بتونس. هذه الطبعة، التي يقول الفوزري إنه وجدها في هذا السوق، تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي.

إلى جانب ذلك، يؤكد المتحدث ذاته أنه عثر أيضا على نسخة أولى من كتاب "الخيال الشعري عند العرب" للشاعر التونسي الشهير، أبو القاسم الشابي.

الطاهر الرزقي، أحد باعة الكتب بزقاق الدباغين
الطاهر الرزقي، أحد باعة الكتب بزقاق الدباغين

​​ونظرا لوقوع مخطوطات قديمة وخرائط ثمينة بين أيدي أصحاب المكتبات في "نهج الدباغين"، فإن الطاهر الرزقي، الذي يملك مكتبة متخصصة في الكتب العلمية هنا، يحرص، كما يقول، على مد المكتبة الوطنية التابعة للدولة بكتب ومخطوطات، في حالة عدم توفرها على نسخ منها.

زبائن من نوع خاص

بيع الكتب مهنة متفردة عن غيرها من أصناف التجارة، كما يوضح الطاهر الرزقي، إذ لا تتطلب الدخول مع الزبون في لعبة إقناع لحثه على شراء كتاب، "فالزبائن هنا مثقفون"، يقول الزرقي.

لكن، كيف تصل كتب ذات قيمة عالية وتباع بأثمنة زهيدة إلى هذا المكان؟ يجيب عمار الدبوسي قائلا إنه يحصل، وكغيره من الباعة، على هذه الكتب من خلال شراء  مخزونات دور النشر من الكتب التي لم يتم ترويجها في الأسواق، أو عبر عمليات شراء لمكتبات قديمة يتخلى عنها الأبناء بعد وفاة أصحابها الذين قضوا حياتهم في تجميعها.

بيد أن وراء هذه التجارة مشاكل عدة كما يقول الباعة هنا، بينها ارتفاع أسعار الكراء وثقل الضرائب. "الدولة لا تعفي هذا القطاع من الضرائب على الرغم من خصوصيته"، يستطرد الزرقي.

ونظرا لقيمة الكتب التي قد توجد بـ"نهج الدباغين"، فإن كتابا وأدباء يترددون عليها، على غرار الروائي التونسي، كمال الرياحي، الفائز بعدة جوائز عربية في مجال الرواية، آخرها جائزة ابن بطوطة لأدب اليوميات، والذي تصادف وجود "أصوات مغاربية" بالمكان زيارته له أيضا.

كمال الرياحي يتصفح كتابا
كمال الرياحي يتصفح كتابا

​​يقول الرياحي: "منذ كنت تلميذا صغيرا في قرية عروسة، بمحافظة سليانة في الشمال الغربي للبلاد، كانت تصلنا أخبار الدباغين، إلى أن نلت الباكالوريا وجئت للدراسة في العاصمة، إذ أصبحت أحج إلى هذا النهج أسبوعيا، وأخصص له الجزء الأكبر من منحتني الجامعية لشراء الكتب القديمة، لإثراء معارفي".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

بات تراجع منسوب المياه بالسدود مشهدا مألوفا في السنوات الأخيرة بتونس

يشهد مخزون السدود التونسية من المياه تراجعا حادا بفعل تواصل مواسم الجفاف وانحباس الأمطار جراء التغيرات المناخية، مما دفع عددا من الخبراء والجمعيات الرقابية إلى مطالبة السلطات في البلاد بإعلان "حالة طوارئ مائية".

وتكشف آخر الإحصائيات المتعلقة بحالة السدود التونسية، التي قدمها الثلاثاء المرصد الوطني التابع لوزارة الفلاحة، أن معدل المخزون العام للسدود من المياه بلغ 504 مليون متر مكعب أي بنسبة 21.5 في المئة من طاقة استيعابها بعد أن فاق 582 مليون متر مكعب في الفترة نفسها من سنة 2023.

وفي أواخر أغسطس المنقضي، دعا المرصد التونسي للمياه (جمعية رقابية غير حكومية)، إلى إعلان "حالة طوارئ مائية"، وذلك عقب تراجع مستوى مخزون السدود التونسية إلى 23.2 بالمائة في ذلك الحين.

وقبلها بأسابيع، أصدر المرصد ذاته تقريرا كشف فيه عن تلقيه 598 تبليغا من المواطنين، منها 510 تهم انقطاعات غير معلنة واضطرابات في توزيع الماء الصالح للشرب خلال شهر يوليو 2024، على مستوى كامل محافظات البلاد.

وتعاني تونس من آثار شح مائي طيلة السنوات الأخيرة بسبب ضعف الإيرادات من الأمطار، مع تراجع كبير في مخزون السدود من المياه، وسط بلوغ الحرارة درجات قياسية خلال صائفة 2024، ما ساهم في تبخر كميات هامة من مياه السدود، وفق ما يؤكده مختصون. 

وضع حرج

في هذا الإطار، تقول الخبيرة والمستشارة في الموارد والسياسات المائية والتأقلم مع التغيرات المناخية، روضة القفراج، إن الوضع المائي في تونس حرج، ما ينذر بأزمة حادة تهدد بلادا بأكملها بالعطش.

وتضيف قفراج، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن هذه الأزمة التي جاءت بفعل التغيرات المناخية وتوالي مواسم الجفاف عمقها الاستنزاف العشوائي للموارد المائية الجوفية، حيث يوجد في تونس نحو 30 ألف بئر عميقة دون ترخيص قانوني وتستهلك أكثر من 700 مليون متر مكعب من المياه في السنة، لافتة إلى أن السدود توفر 20 في المئة فقط من مياه الشرب.

وتابعت، في تشخيصها للوضع المائي، أن عددا من سدود البلاد  جفت بالكامل، فضلا عن ضياع نحو 30 بالمائة من نسبة من المياه الموزعة عبر الشبكات التابعة للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (حكومية)، في حين تصل نسبة ضياع المياه في في بعض المناطق السقوية إلى ما يناهز 50 في المئة.

وسبق للرئيس التونسي، قيس سعيد، أثناء معاينته لوضعية بعض السدود في 22 يوليو الماضي، أن أكد أن انقطاع المياه "أمر غير طبيعي وليس بريئا". 

وشدد أن ما يحدث في عدد من محافظات البلاد "أمر تدبره شبكات إجرامية تستهدف شبكات توزيع المياه وتستهدف المحطات الكهربائية".

وتردّ الخبيرة المستشارة في الموارد والسياسات المائية والتأقلم مع التغيرات المناخية، روضة القفراج، أن الأمر لا يتعلق بمؤامرة، بل بأزمة ناجمة عن سياسات حكومية خاطئة منذ عشرات السنين، وفق تعبيرها.

سياسات قديمة

وتثير السياسات المعتمدة من قبل السلطات التونسية في مجابهة أزمة الماء وآثار التغيرات المناخية التي تلقي بظلالها على البلاد انتقاد عدد من الخبراء إذ يعتبرونه "لا تواكب هذه التطورات".

وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير في الموارد المائية، حسين الرحيلي، لـ"أصوات مغاربية" أن السياسة العمومية للمياه في تونس لم تتغير منذ الستينات، بحيث بقيت المقاربات الحكومية تكتسي طابعا تقليديا يرتكز على الشعارات دون انتهاج سياسة تقوم على التكيف الاستباقي مع التغيرات المناخية.

ويضيف أنه لم يتم بعد إعادة النظر في أولويات استعمال الماء في المجالات الفلاحية والصناعية والسياحية، مشيرا إلى أن مجلة المياه في البلاد لم يتم مراجعتها منذ 1975.

وبشأن الحلول الممكنة لمعالجة أزمة الشح المائي، دعا الخبير السلطات التونسية إلى إقامة حوار مجتمعي لسن قوانين جديدة تواكب التحولات المناخية، فضلا عن التركيز على إنشاء سدود جوفية تدعم الموارد المائية وذلك لمجابهة ظاهرة تبخر المياه.

ولفت إلى أن أول تجربة لإحداث سد جوفي كانت سنة 1994 وقدمت هذه التجربة نتائج إيجابية، وفق قوله. 

وللحد من آثار وتداعيات الجفاف، شرعت السلطات التونسية في الأعوام الأخيرة في إنشاء سدود جديدة، وتشييد محطات تحلية مياه البحر بعدد من المحافظات الساحلية منها محافظتي صفاقس وقابس (جنوب شرق)، فضلا عن المساعي لدخول مجال الاستمطار الصناعي للحد من تبخر مياه البحيرات، وفق ما أعلن عنه وزير الفلاحة الأسبق منعم بالعاتي مطلع العام الجاري. 

وتمتلك تونس نحو 37 سدا أبرزها سد سيدي سالم، إضافة إلى البحيرات الجبلية وتقع أغلبها في شمال البلاد.

خيار المواءمة 

في هذا السياق، يرى الخبير في السياسات الفلاحية، فوزي الزياني، أنه في ظل التغيرات المناخية، يجب تعديل السياسات الحكومية بشكل يوائم بين الموارد المائية لتونس ودعم الإنتاج الفلاحي حفاظا على الأمن الغذائي للبلاد.

ويوضح الزياني، لـ "أصوات مغاربية"، أن التحكم في المياه المهدورة الناجمة عن تساقطات الأمطار في غياب البحيرات التلية بمحافظات الوسط والجنوب، يمكن أن يوفر جزءا مهما من الاحتياجات المائية في الفلاحة السقوية، وفقه.

وشدد الخبير الفلاحي أن الأراضي الفلاحية في المناطق الحدودية مع الجزائر تضررت بشكل لافت، عقب سعي السلطات الجزائرية لتشييد سدود منعت وصول مياه الأودية إلى تونس.

وتبعا لذلك دعا المتحدث الحكومة التونسية إلى التفكير في معالجة المياه المستعملة التي يمكن أن توفر حوالي 600 ألف متر مكعب، وتغطي 25 في المئة من احتياجات الفلاحة بتونس من الماء، مؤكدا أن المراهنة على تحلية مياه البحر ستكون له انعكاسات وخيمة على المنظومة الفلاحية.

جدير بالذكر أن تونس تخطط هذا الموسم لإنتاج مليون و173 ألف هكتار من الحبوب من ضمنها مساحة مروية تقد بـ 80 ألف هكتار، في خطوة تهدف إلى الحد من توريد هذه المادة بحسب مسؤولين في وزارة الفلاحة.

 

المصدر: أصوات مغاربية