Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

منظر عام لمدينة "الكاف" التونسية
منظر عام لمدينة "الكاف" التونسية

في طقس شديد البرودة لا تتعدى فيه الحرارة ثماني درجات، حرص عشاق المسرح، من مختلف جهات تونس وخارجها، على اتخاذ مدينة الكاف، في الشمال الغربي للبلاد، محجا لهم، فيه أحيوا تظاهرة ثقافية فريدة من نوعها؛ 24 ساعة متواصلة من المسرح.

يوم بلا نوم

24 ساعة من المسرح دون انقطاع. هذا هو الحدث الذي عاشت على وقعه المدينة التي تتسلق ببناياتها القديمة مرتفعا تمتد أسفله سهول خضراء منبسطة. لم تنم الكاف طيلة الليلة الفاصلة بين 26 و27 مارس الجاري.

الحركة بمدينة "الكاف" تنطلق منذ ساعات الصباح الأولى ولا تتوقف في يوم المسرح

​​جمهور من مختلف الأعمار ظل يقظا؛ شيب وشباب، نساء ورجال.. كلهم توافدوا على الفضاءات الثقافية، خاصة مركز الفنون الدرامية والركحية، والذي شهدت قاعاته وساحته ما يفوق 50 عرضا من تونس ودول أخرى، على غرار الجزائر والمغرب وليبيا وإسبانيا.

​​يجوب أهالي المنطقة والزوار شوارع المدينة ليلا باحثين بين مقاهيها وحاناتها ومطاعمها عن فسحة قصيرة، يعودون على إثرها إلى أجواء العروض المستمرة.

لم يتوقف المهرجان على خشبات المسرح، إذ خلق دينامية مكثفة، استفاد منها تجّار المدينة، في مناسبة بدت لهم فرصة لتحريك تجارتهم الراكدة طيلة أيام السنة.

جمال فضلاوي، صاحب دكان بالمدينة، يقول لـ"أصوات مغاربية" إن التجّار ينتظرون، بصفة سنوية، هذا المهرجان المسرحي الكبير، وعلى عقاربه يعدلون ساعاتهم، أملا في تحقيق مكاسب جديدة.

على غرار الفضلاوي، جهزت مريم فريقها العامل في مطعمها لاستقبال زوار المدينة، إذ قرّرت، بهذه المناسبة، فتح محلّها للزبائن طوال ساعات الليل الممتدة، كما تؤكد لـ"أصوات مغاربية".

مركز الفنون الدرامية والركحية يستقبل عددا كبيرا من الزوار

​​​تعج الدكاكين والمقاهي والحانات بالزبائن، في مشهد نادر قلّما يتكرر في هذه المدينة التي تتصدّر ترتيب المحافظات الأكثر فقرا في البلاد.

أما سوار، إحدى حاضرات هذا الحدث، فتُعلِّق على ما يجري بالكاف في هذا اليوم، مومئة إلى الركود الذي يعمّ المدينة بعد انتهاء يوم المسرح المشهود، مضيبة بنبرة فرحة: "إن شاء الله أيامنا كلها مسرح".

​​أما الفضلاوي، فيرى أن للثقافة دورا كبيرا في تنمية مدينته. ففي نظره، مناسبات على غرار "سيكا جاز"، وهي تظاهرة لموسيقى "الجاز"، وحدث "24 ساعة مسرح"، تشكل لحظات لا تقدّر بثمن لأصحاب المقاهي والحانات والنزل والمطاعم والفنادق وسيارات الأجرة.

مشهد من أحد العروض المسرحية المقدمة

تتحول الكاف، خلال هذه المناسبات، إلى وجهة سياحية، كما يقول الفضلاوي. هذا ما تؤكده أيضا مريم، صاحبة المطعم الشعبي في المدينة، مشبهة تنظيم هذه الأحداث بمدينة "الكاف"، باحتضان مدينة نائية لحفل رياضي ضخم، "فمعه تتضاعف الأرباح بشكل وقتي"، تقول مريم.

حج أهل المسرح

على الرغم من البرودة الشديدة بالمدينة، حرص عدد كبير من محبّي الفن الرابع على حضور هذه التظاهرة الثقافية. ويعلّل طالب المسرح، آدم الجبالي، حرصه على حضور المهرجان، في مثل هذه الظروف المناخية القاسية، بحاجته إلى التعلم، على غرار بقية زملائه من المسرحيين المشاركين.

يقول الجبالي إن حدث المسرح بمدينة الكاف يشكل، بالنسبة له، فرصة للاحتكاك بالممثلين أصحاب الخبرات العالية.

على امتداد ساعات الليل الطويلة، ينتقل الحضور من قاعة إلى أخرى، في ملاحقة لا تتوقف للعروض المسرحية المتوفرة بسخاء.

فرق مسرحية مغاربية شاركت في هذا الحدث

​​من بين هؤلاء، فاتن الغزواني، طالبة القانون التي تقول لـ"أصوات مغاربية" إن هذه التظاهرة هي واحدة من الفعاليات الثقافية القليلة التي تحرّك المدينة على هذا النحو، وهو ما يفسر، من وجهة نظرها، الحضور الواسع.

في مشهد نادر قلّما يتكرر، حرص الحاضرون على ملاحقة متعة الفرجة حتى ساعات الفجر الأولى وحتى بشائر الصباح. يغالبون النعاس، متسلحين بشغف الفن الرّابع. أمضى بعضهم ليلته هنا، في دور العرض، في انتظار بزوغ الشمس من خلف التلال المطلة من بعيد، للعودة إلى مدنهم وقراهم.

فن بلا حدود

في دورته 17، انفتح مهرجان "24 ساعة مسرح"، على دول عربية وأفريقية وأوروبية. ويقول مدير المهرجان، عماد المديوني، لـ"أصوات مغاربية"، إن هذه الدورة شهدت مشاركة قياسية للمسرحيات الأجنبية، من بينها ثمانية عروض من الجزائر والمغرب وليبيا.

العروض المغاربية جذبت اهتمام الحضور المكثف. من بين تلك العروض مسرحية ليبية تحمل عنوان "عفوا يا أبي"، والتي تنتقد، بكوميديا سوداء، واقع الأوضاع السياسية في هذا البلد.

​​مسرحية "ميزاجور" المغربية جذبت الجمهور أيضا. الممثل المغربي المشارك في هذه المسرحية، محسن بودرار، يقول إن المسرح يقرّب بين الشعوب المغاربية، وينشئ جسرا للتواصل فيما بينها، في ظل حضور جزائري ومغربي وليبي بارز، فضلا عن تنظيم المهرجان في تونس.

ويتبنى عضو فرقة "كناوة أدرار" الجزائرية، عمر الصالحي، الفكرة ذاتها، قائلا لـ"أصوات مغاربية" إن هذه التظاهرة سمحت له بالتعرّف على عدد كبير من المثقفين المغاربيين، مشيرا إلى أن الثقافة من شأنها كسر الجمود في العلاقات بين بلدان المغرب الكبير.

فرقة "كناوة أدرار" الجزائرية

​​أما المخرج المسرحي التونسي، عماد المي، فيقول لـ"أصوات مغاربية" إن الفن هو الإنسانية، تحتها تنضوي كل الشعوب وتذوب الفوارق فيما بينها، مشيرا إلى أن مثل هذه التظاهرة تمحو الحدود الجغرافية بين شعوب المنطقة، وتؤسس لثقافة مغاربية متكاملة.

​​

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

Presidential election in Tunis
يتجه الرئيس قيس سعيد للظفر بولاية رئاسية ثانية

أظهرت النتائج التقديرية لسبر آراء قدمته مؤسسة "سيغما كونساي"، مساء الأحد، فوز الرئيس المنتهية ولايته قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية التونسية، بنسبة تخطت 89 بالمئة متقدما على منافسيه، العياشي زمال (6.9 بالمئة) وزهير المغزاوي (3.9 بالمئة).

ومرت الانتخابات الرئاسية التونسية في مناخ سياسي متوتر ووسط مقاطعة سياسية من أحزاب سياسية، بينها "العمال" و"التكتل" و"القطب" و"المسار" و"الاشتراكي"، فضلا عن هيئات رقابية وحقوقية.

من جانب آخر، شكك كل من الأمين العام لحزب "حركة الشعب"، زهير المغزاوي، والأمين العام لحركة "عازمون" الموقوف في السجن، العياشي زمال، في النتائج المعلن عنها في سبر الآراء ووصفوها بأنها "مجانبة للصواب".

ومن المرتقب أن تعلن الهيئة العليا للانتخابات عن نسبة المشاركة والنتائج الأولية للاقتراع مساء الإثنين، وسط نقاش في الأوساط التونسية عن مآل الأوضاع بعد الرئاسيات، وما إذا كانت هذه الانتخابات ستضع حدا للأزمة السياسية أم تفاقمها.

يبرز أيضا نقاش بخصوص نسبة المشاركة، الأقل في تاريخ رئاسيات تونس بعد ثورة 2011، هل تعكس عزوفا سياسيا؟ ما أسباب هذا العزوف؟

رهان الاستقرار 

في تعليقه على ما أفضت إليه التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات الرئاسية، يقول محمود بن مبروك، الأمين العام لـ"مسار 25 جولية/يوليو" الداعم للسلطة، إن الأرقام أظهرت "بونا شاسعا" بين الرئيس التونسي قيس سعيد ومنافسيه "من حيث القابلية الشعبية في البلاد".

تحدثت هيئات مراقبة عن وقوع "إخلالات" يوم الاقتراع
حديث عن "إخلالات".. هكذا مرت رئاسيات تونس بأعين المراقبين
بعد 5 ساعات من فتح مكاتب الاقتراع، توجه 14.16 بالمئة من الناخبين التونسيين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات حاسمة يتنافس فيها الرئيس المنتهية ولايته قيس سعيد مع الأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، ورئيس حركة عازمون العياشي زمال الذي يقبع في السجن لاتهامه بتزوير التزكيات الشعبية.

ورصدت منظمات عاملة في مجال مراقبة الانتخابات "إخلالات" في بعض المراكز الانتخابية، لكن الهيئة تقول إنها لم تسجل "مخالفات ترتقي إلى جرائم انتخابية".

ويضيف بن مبروك لـ "أصوات مغاربية" أن تونس "ستتجه إلى استقرار سياسي ولن يبقى أمام السلطة إلا رهان يتعلق بالمجالين الاقتصادي والاجتماعي"، ويشمل رفع النمو وتحسين الوضع المعيشي للتونسيين، مشددا على أن أي حراك احتجاجي ذي طابع سياسي "لن يجد صداه في الشارع مستقبلا".

وبخصوص واقع الحقوق والحريات، فيؤكد المتحدث أن الأحزاب التي تدعم السلطة، وضمنها حزب "مسار 25 جولية/يوليو"، ستطالب بمراجعة المرسوم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتعلق بأنظمة الاتصال والمعلومات ومراجعة الايقافات التي طالت عدة شخصيات.

وسبق للرئيس التونسي قيس سعيد أن أكد، عقب انتهاء التصويت وخلال لقائه بمناصريه في مقر حملته بالعاصمة تونس، أن ما تعيشه تونس هو "استكمال للثورة"، معتبرا نتائج سبر الآراء المعلنة "قريبة من الواقع".

شرخ سياسي

في المقابل، يرى الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري المعارض، وسام الصغير، أن المسار الانتخابي برمته، وصولا لنتائج الانتخابات، سيعمق "الشرخ السياسي" الحاصل في تونس، بالنظر إلى ما وصفها بالانتهاكات التي سادت الفترة الانتخابية وتصفية منافسي الرئيس في السباق الرئاسي.

وتابع في حديثه لـ "أصوات مغاربية" أن "مقاطعة طيف سياسي واسع" للانتخابات الرئاسية، فضلا عن عدم مشاركة المنظمات والهيئات الرقابية فيها، يعد "مقدمة لما بعد 6 أكتوبر 2024"، حيث "تتواصل التحركات الاحتجاجية المناهضة للسلطة القائمة"، وفق قوله.

وفي هذا الصدد، ذكر المتحدث أن كافة مكونات الشبكة التونسية للحقوق والحريات، من أحزاب ومنظمات وجمعيات حقوقية، ستجتمع في الأيام القليلة القادمة لمناقشة طرق التعامل مع التطورات الحاصلة في تونس.

وتعد مشاركة التونسيين في الانتخابات الرئاسية، والتي لم تتجاوز وفق النتائج الأولية 28 بالمئة، أدنى نسبة يقع تسجيلها في المحطات الانتخابية الرئاسية التي أجريت بتونس عقب ثورة 2011، إذ كانت معدل المشاركة في رئاسيات 2014 في حدود 40 في المئة وبلغ في 2019 نسبة 39 في المئة.

رسائل مشفرة

مستقبل تونس ما بعد الانتخابات لا يرتبط فقط بهوية الرئيس الجديد، بل يتعلق أيضا، وفق المحلل السياسي، خالد كرونة، بأزمة العزوف السياسي التي أظهرتها نسب المشاركة في الرئاسيات وما قبلها من محطات انتخابية.

وفي هذا السياق، يقول كرونة إن تضاؤل المشاركة السياسية ليس مقصورا على رئاسيات 2024 في تونس، بما أن حوالي 70 بالمائة من الجسم الانتخابي "غابوا عن الاستحقاق"، بل إن نسبة المشاركة في التشريعيات وفي انتخابات الغرفة الثانية كانت أقل. 

ويضيف "يمكن أن نعزو ذلك بالأساس إلى غياب عرض سياسي يلائم انتظارات الناس، فالنخب والطبقة السياسية معزولة كليا عن عموم الشعب، مما عمق القطيعة من جهة، وفاقم ازدراء النخب من جهة ثانية".

ويرى الخبير السياسي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن كل مناسبة انتخابية باتت "موعدا جديدا للصامتين" ينبغي على الطبقة السياسية موالاة ومعارضة أن "تفك شيفرات رسالتها".

هذه الرسالة، وفق كرونة، هي أن ما سماها الأغلبية الصامتة "لا تجد في أي من المرشحين صوتها ولا تعثر على برنامج وطني جامع يسمح فعلا بتغيير حقيقي لأسس المنظومة الاقتصادية"، بل إن "السياسيين جميعا لا يتناقضون مع أسس المنظومة حتى إن انتقدوها، وأمسوا على هذا النحو أو ذاك خدما لها"، وفقه.

ويختم كرونة حديثه بالقول "طالما أن المشروع الوطني لم يولد، لا ينبغي أبدا الاعتقاد أنه يمكن تعزيز المشاركة السياسية لأن الانتصارات التاريخية الكبرى تبدأ بانتصارات الفكر".


المصدر: أصوات مغاربية