قررت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بمدينة القيروان التونسية، الثلاثاء، اعتقال عضوين بالحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي العياشي زمال وشقيق له، وإصدار مذكرة بحث عن شقيق آخر.
وزمال هو أحد المرشحين الثلاثة للانتخابات الرئاسية المقررة في السادس من أكتوبر المقبل، إلى جانب الرئيس الحالي قيس سعيّد والسياسي والأمين العام لـ"حركة الشعب" زهير المغزاوي.
ومثل العياشي زمال رفقة أحد أشقائه وعضوين من حملته الانتخابية أمام إحدى الفرق الأمنية بالقيروان على خلفية شكايتين تتعلقان بشبهات تزوير تزكيات خاصة بالترشح للانتخابات الرئاسية، وفق ما أوردته "موزاييك" المحلية.
وكان من المقرر أن يمثل زمال الأربعاء أمام النيابة العمومية بالمحكمة نفسها.
مقاطعة جلسات التحقيق
في مقابل ذلك، قرر زمال مقاطعة جلسات التحقيق معه، وفق بلاغ له صادر الأربعاء.
وأوضح المرشح الرئاسي أن هذا القرار يأتي احتجاجا على "أسلوب الهرسلة (التضييق) الذي يمارس ضده وسلسلة المحاكمات السياسية التي يتعرض إليها"، معلنا تمسكه بـ"حقه في القيام بحملته الانتخابية حرا طليقا بين أبناء شعبه ومناصريه".
وفي وقت سابق، أكد رئيس هيئة الدفاع عن زمال، في تصريح لوسائل إعلام محلية، أن عدد القضايا المفتوحة في حق المرشح الرئاسي ناهزت 35 قضية، معلنا أن دفاعه قرر الأبحاث الأمنية في ملفاته "ما لم يتم احترام الإجراءات المنصوص عليها في مجلة الإجراءات الجزائية"، وفقه.
وجرى اعتقال العياشي زمال في 2 سبتمبر 2024 على خلفية تهم تتعلق بـ"افتعال تزكيات" ليحاكم بالتهمة نفسها في أكثر من محكمة بمختلف محافظات البلاد.
ويشار إلى أن الحملة الانتخابية للرئاسيات التونسية انطلقت في 14 سبتمبر، وتمتد لواحد وعشرين يوما.
يتجه الرئيس التونسي المنتهية ولايته قيس سعيّد إلى حسم سباق الظفر بولاية ثانية عقب انتخابات رئاسية تظهر معطياتها الأولية تقدمه بفارق شاسع عن منافسيه.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "سيغما كونساي" الخاصة وبثه التلفزيون الحكومي الأحد، تقدم سعيّد (66 عاما) بـ89.2% على رجل الأعمال المعتقل حاليا، العياشي زمال، الذي حصل على 6.9% من الأصوات، والنائب السابق زهير المغزاوي الذي حصد 3.9% من الأصوات.
ورغم أنه أقرب إلى حكم التونسيين لخمس سنوات أخرى، إلا أن تباين المواقف تجاه سعيد يقسم الآراء من أنصاره ومعارضيه. هل هو "الرئيس الصالح الذي يحمي البلاد من الفاسدين" أم "مستبد جديد يحكم الدولة بيد من حديد"؟
أستاذ جامعي يواجه "المؤامرات"
ولد سعيّد في 22 فبراير 1958 بمنطقة بني خيار (وسط شرق) في عائلة من الطبقة المتوسطة ومحافظة. متزوج من القاضية إشرف شبيل وأب لبنتين وصبي.
سعيد خرج للشارع للاحتفال مع مناصريه
درّس سعيّد القانون الدستوري حتى تقاعده في العام 2018، وهو عاشق للموسيقى العربية الكلاسيكية والخط العربي، ويكتب رسائله المهمة بالحبر والقلم.
لم يقم سعيّد بحملة انتخابية لافتة عقب الرئاسيات، وظل يعوّل على زيارات سابقة قام بها بصفته رئيسا إلى الأحياء أو المناطق المحرومة حيث ندّد مرارا بصوت عال يغلب عليه الغضب بـ"المؤامرات" التي يحوكها "أعداء تونس" في الداخل والخارج.
هذا الخطاب لقي صدى لدى الكتلة الناخبة في تونس، إذ يصف صلاح العسالي (45 عاما)، الميكانيكي في منطقة أريانة حيث كان سعيّد يقطن، لوكالة فرانس برس، سعيّد بأنه "شخص جاد يعمل كثيرا، لكن الأيادي الخفية تعوقه باستمرار".
ويقول عماد المحيمدي (45 عاما)، وهو نادل في مقهى يتردّد إليه سعيّد منذ أكثر من عشرين عاما وحتى بعد أن أصبح رئيسا، "يواجه العديد من المشاكل والمافيا والفساد، خلال حكمه وأعاد البلاد إلى المسار الصحيح وسينطلق القطار مرة أخرى".
أنصار سعيد خرجوا ليلة الانتخابات فرحين بإعلانه فائزا بحسب استطلاع رأي
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، نادرا ما عقد سعيّد مؤتمرات صحافية أو مقابلات بالرغم من أن التونسيين عرفوه من خلال مشاركاته السابقة في البرامج التلفزيونية والإذاعية طوال فترة الانتقال الديموقراطي التي مرّت بها البلاد بعد ثورة 2011.
واقتصر تواصله الإعلامي على البيانات الصحافية ومقاطع الفيديو على صفحة الرئاسة بفيسبوك. كما ظهر في فيديوهات نشرتها الصفحة أمام المسؤولين الحكوميين، يوجه عبرهم الكلام للتونسيين، ويتوعد من يصفهم بالفاسدين.
رجل بـ"مهمة إلهية ثورية"
في مقابل الزخم الذي راكمته خرجات سعيد وتفاعل التونسيين معها، يبدي جزء من النخبة السياسية والمثقفة في تونس ملاحظات على شخصية سعيد السياسية.
"يتحدّث سعيّد إلى الناس بلغة لا يفهمها إلا نفسه". هذه خلاصة الكاتب في الإنثروبولوجيا، يوسف الصديق، عن الرئيس التونسي، وهو انطباع بدأ يتشكل لديه عندما التقى به بانتظام قبل انتخابات العام 2019.
الصديق قال لفرانس برس أن سعيد "أذهله بلطفه وبقدرته على الإصغاء"، وهو "ما يتناقض اليوم مع الصلابة" التي يظهرها.
ويتمسّك سعيّد في خطاباته بمبدأ السيادة ولا يتردّد في انتقاد المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والذي رفض "إملاءاته" كما قرضا بقيمة ملياري دولار، أو المجتمع المدني التونسي الذي يتهمه بـ"تلقي مبالغ هائلة من الخارج".
سعيد يدلي بصوته في الرئاسيات
كما يرى أن معالجة الأزمة الاقتصادية تمرّ ببعث "الشركات الأهلية" واستئناف نشاط إنتاج مادة الفوسفات و"التعويل على الذات".
كل هذه المؤشرات تشكل معالم صورة عن رئيس يدير البلد بـ"قبضة من حديد". إذ يقول الناطق الرسمي باسم منظمة "المنتدى التونسي للحقوق والحريات"، رمضان بن عمر، إن سعيد "لا يؤمن بدور الوسطاء بين الشعب وبينه وهو يعتبر أن لديه مهمة إلهية ثورية" تتمثّل في "تحقيق إرادة الشعب".