رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 22 أكتوبر 2018

التقويم
أكتوبر 2018
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عثر في غرفة دفن "حور ـ عحا" ثاني فراعنة الأسرة الأولى على 36 مقبرة لشباب يعتقد أنهم كانوا حاشيته أو حرسه

بقلم د. عماد بوظو/

لا يوجد طقس أجمعت عليه كل الشعوب ومختلف الديانات منذ فجر التاريخ مثل تقديم القرابين والذبائح للآلهة. ففي حضارات ما بين النهرين هناك آثار لعدة معابد سومرية تعود للألف الثالث قبل الميلاد مثل تل العبيد والمعبد البيضاوي في العراق ومعبد باربار في البحرين تشترك في وجود حجارة مصفوفة بشكل دائري تشير إلى مكان تقديم القرابين وبجانبها مكان لربط الحيوانات المعدة للذبح، وفي أحد الزوايا ممر يؤدي إلى منطقة منخفضة يتم فيها شوي الأضحية بالنار. استمرت عمليات تقديم القرابين للآلهة في حضارات ما بين النهرين التالية كالبابلية والآشورية وأصبحت طقوسها دقيقة تترافق مع صلوات معينة ورش بالماء المقدس.

كما أن مظاهر الاحتفال عند الدولة القديمة في الحضارة المصرية كانت تبدأ بذبح الحيوانات وتقديمها قرابين للإله وقيام الكهنة بتوزيعها على الفقراء. وكان المصريون القدماء يضعون جرسا حول رقبة العجل في طريقه للمعبد حتى يوسعون له الطريق وحتى يعلم الفقراء أن هناك أضحية فيذهبون للمعبد لأخذ قطعة من اللحم.

ظهرت عمليات ذبح للبشر باسم الدفاع عن الإسلام، على خطى ما قام به والي الكوفة خالد القسري في بدايات القرن الثاني الهجري

وقد عثرت بعثة أميركية على مقبرة في الدير البحري بالأقصر تعود لنهاية القرن الثالث قبل الميلاد لمدير القصر الملكي في عهد منتوحتب الثالث، فيها مجسمات للبيوت والأسواق والمذابح. وتشير الرسوم على جدران المعابد المصرية إلى أنه كان يتم تخصيص الكتف الأمامي من الذبيحة للآلهة. وفي عصر الأسرة الأولى في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد كانت تقدم أحيانا أضاحي بشرية كعقاب لبعض المجرمين أو الأسرى، أو عند قتل خدم الفرعون بعد موته لمرافقته للعالم الآخر. وقد عثر في غرفة دفن "حور ـ عحا" ثاني فراعنة الأسرة الأولى على 36 مقبرة لشباب تتراوح أعمارهم بين 20 و25 عاما يعتقد أنهم كانوا حاشيته أو حرسه.

وكان الفينيقيون والكنعانيون يقدمون الذبائح البشرية والحيوانية في أماكن مرتفعة بالهواء الطلق ويحتفظون ببقاياها في جرار خاصة. ويقوم الهندوس حتى اليوم بتقديم الأضاحي وفق طقوس معينة. كما كان سكان أميركا الأصليون يعبدون مظاهر الطبيعة ويقدمون لها الذبائح، كالأزتك الذين كانوا يقدمون الأضاحي البشرية والحيوانية لآلهتهم خاصة من أسرى الحرب في مواعيد معينة يتم تحديدها حسب مواقع النجوم. في المقابل، كانت شعوب المايا تركز أكثر على إراقة الدماء خاصة الديك الرومي وأحيانا الغزلان والكلاب، وفي مناسبات استثنائية كانوا يتخذون من البشر قرابين، خاصة الأطفال مثل الاحتفال بصعود ملك جديد للعرش أو مرض الحاكم أو الجفاف والمجاعة.

في التوراة تم التعرض بالتفصيل في الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين لكيفية أخذ إبراهيم ابنه الوحيد إسحق إلى رأس الجبل الذي عيّنه له الله ليقوم بالتضحية به وكيف افتداه الله بكبش بعد أن تأكد من صدق عزم إبراهيم على تقديم ابنه قربانا، فباركه الرب ووعده بتكثير نسله. وتدل هذه الحادثة على إبطال الذبائح البشرية واعتماد الذبيحة الحيوانية كجزء من الشعائر اليهودية. وقد ورد ذكر القرابين في العهد القديم 80 مرة، ما يؤكد أهميتها. في مكة، قبل الإسلام، كان العرب يأتون إلى الكعبة لأداء الحج وفي نهايته كانوا يقفون في عرفة ثم يذبحون الذبائح ويلطخون بدمائها جدران الكعبة اعتقادا منهم أن ذلك يقربهم من الله.

في الإسلام؛ ذكر في سورة الصافات كيف فدى الله إبراهيم بذبح عظيم وبشّره بإسحق نبيا من الصالحين، وبارك على إبراهيم وإسحق وذريتهما. ورغم عدم ورود اسم إسماعيل في هذه السورة، فإن بعض المفسرين قالوا إن إبراهيم اصطحب إسماعيل للتضحية به إلى أن افتداه الله، في وصف مماثل لقصة التوراة حول إبراهيم وإسحق.

واستمرت عادة تقديم الأضاحي في الإسلام رغم عدم ورود لفظ الأضحية أو الأضاحي في القرآن، واستند رجال الدين في جعلها شعيرة إسلامية إلى الآية "إنا أعطيناك الكوثر فصلي لربك وانحر"، مع أن المطالب بأن ينحر فيها هو الرسول. فحسب الأحاديث قال الرسول لأصحابه بعد هذه الآية "أتدرون ما الكوثر إنه نهر في الجنة أعطانيه ربي". وفي آية أخرى: "ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة" (الحج 34)، وقد فُسّر المنسك هنا بمعنى المذبح أو الذبح؛ ومعنى الآية أن كل الشعوب كانت تتقرب لله بالأضاحي، وهذه الشعيرة لا تقتصر على شعب أو دين بعينه.

كما أوضح القرآن أن المقصود بالذبيحة ليس وجودها المادي بل التقوى وذكر الله الذي يرافق تقديمها: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين" (الحج 37).

خفف عبر التاريخ من دموية طقوس الذبائح عند مختلف الشعوب، وأبطلت عمليات تقديم الذبائح البشرية، وكانت قصة إسحق في التوراة وإسماعيل في التراث الإسلامي من المؤشرات على ذلك. وازدادت التقديمات غير الحيوانية للمعابد؛ ففي الديانة البوذية كانت المواد التي تقدم تتكون من الفواكه والزهور والبخور، وفي اليهودية أصبح تقديم الذبائح الحية يتم على نطاق ضيق وبشكل شبه تعليمي لطوائف يهودية معينة في محاولة لتقديم نموذج عما كان يفعله الأجداد، حتى طقس ذبح الدجاج الأبيض في عيد الغفران أصبح يواجه برفض متزايد من كثير من اليهود الليبراليين وحتى من بعض الحاخامات الذين يرونه طقسا دخيلا لم يرد ذكره في التوراة. وقال بعضهم إن التكفير عن خطايا سابقة بارتكاب خطيئة جديدة بتعذيب كائن بريء تبدو فكرة غير صائبة.

وقدمت الديانة المسيحية أوضح مثال على التحول نحو الذبيحة غير الدموية، عندما اعتبرت أن المسيح قد افتدى جميع البشر بتضحيته، وبالتالي لم يعد هناك حاجة لتقديم الذبائح البشرية أو الحيوانية؛ وأصبح القربان المقدس طقسا رمزيا يتم فيه تناول قطعة صغيرة ورقيقة من الخبز باعتبارها جسد المسيح مع غمسها أو تناولها مع القليل من الخمر الذي يمثل دمه.

يعتبر انتقاد هذه الطقوس تهجما على الإسلام، رغم أن علاقة هذه الطقوس بالدين الإسلامي لا تختلف عن علاقتها ببقية الشعوب والديانات

لم تسر الأمور على هذا النحو عند بعض المسلمين، بل ظهرت عمليات ذبح للبشر باسم الدفاع عن الإسلام، على خطى ما قام به والي الكوفة خالد القسري في بدايات القرن الثاني الهجري عندما خطب على المنبر في أول أيام عيد الأضحى: "يا أيها الناس ضحّوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحي بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما"؛ ثم نزل فذبحه قرب المنبر.

وقال ابن تيمية أن عملية الذبح هذه تمت برضا علماء الإسلام، وقد أطلق بعضهم على هذه العملية اسم "الذبح المبارك". وقال ابن القيم مادحا فعلته تلك "لله درك من قربان". واعتبر الذهبي هذه العملية من حسنات خالد القسري، وقال ابن العماد في شذرات الذهب "فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية".

ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتكرر عمليات الذبح باسم الدين الذي لازم الصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي. ونتيجة ذلك كان من الطبيعي أن تعيد التنظيمات المتطرفة كـ"القاعدة" و"داعش" وأمثالهما إحياء هذا الطقس من خلال مئات عمليات الذبح للبشر بذرائع واتهامات مختلفة مع الحرص على أن ترافقها التكبيرات وكأنها تنفيذ لأمر الله.

كما أن بعض رجال الدين المتأخرين جعلوا من إراقة الدماء "عبادة"، مثل ابن تيمية الذي قال إن "إراقة الدم لله أبلغ في الخضوع والعبادة له". كما قال أتباعه من السلفيين المعاصرين "الذبح والنحر عبادة مقصود منها إراقة الدم لأنه علامة الحياة عند الكائن الحي". ولذلك فقد انتشرت في السنوات الأخيرة مظاهر المبالغة في تقديم الأضاحي الحيوانية في المناسبات الدينية وارتفعت أعدادها بشكل كبير؛ ففي موسم حج 2017 تم ذبح أكثر من 840 ألف رأس من الغنم، رغم أن أغلب المذاهب الإسلامية ترى أن الأضاحي سنة غير واجبة أو ملزمة، كما أن عالم اليوم ينظر باحترام لحياة كل الكائنات، وينتقد الطريقة والعلنية التي تتم فيها عملية ذبح الأضاحي خاصة لأن هدفها طقس ديني وليس الحاجة للحومها.

يعتبر انتقاد هذه الطقوس تهجما على الإسلام، رغم أن علاقة هذه الطقوس بالدين الإسلامي لا تختلف عن علاقتها ببقية الشعوب والديانات. فعندما عبرت الشاعرة والكاتبة المصرية فاطمة ناعوت عن انتقادها لفيديوهات تظهر ما تعانيه الحيوانات قبل وأثناء الذبح والدماء التي تملأ الشوارع في هذه المناسبات، أحيلت للمحاكمة بتهمة انتقاد "إحدى شعائر المسلمين الهامة"، أي أن المراجع والمراكز الإسلامية الحالية لم تشعر حتى الآن أن هناك حاجة لإعادة النظر بطريقة تنفيذ الكثير من الشعائر للتوفيق بين الطقس الديني وتطورات العصر كما فعلت بقية الديانات والشعوب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مجسمات لـ 84 رجلا على سطح مبنى أحد المحطات التلفزيونية ضمن حملة ضد الانتحار، و84 يمثل عدد الرجال الذين ينتحرون أسبوعيا في بريطانيا

بقلم سناء العاجي/

منذ بضعة أيام، انتحر شاب مغربي بعد أن كان قد أعلن نيته تلك عبر "فيسبوك".

خبر حزين ومؤلم. لكن الموجع أكثر، هو التغريدات والرسائل التي انتشرت لاحقا على المواقع الاجتماعية، من تذكير بفتاوى تحرم الانتحار وإعلان أن هذا الشاب سيذهب إلى جهنم. رسائل ومنشورات أخرى قامت بتحليل نفسية الشاب المنتحر وتفسيرها وتأنيبها، حتى بعد الموت.

مهما كنت تعتبر نفسك ذكيا ومثقفا، فأنت لا تستطيع أن تكون خبيرا دينيا، وخبيرا في التحليل النفسي، وخبيرا في الاقتصاد...

خبراء علم النفس والأخصائيون الذين اشتغلوا على ظاهرة الانتحار يعتبرون أن التحولات النفسية التي تؤدي إليها معقدة للغاية ومن الصعب رصدها بسهولة. كما أن محاولة الانتحار لا تترجم بالضرورة مرضا أو أزمة نفسية، لأنها قد تكون رسالة أو تسجيل موقف من واقع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وقد تكون أسلوب استغاثة موجها للوسط القريب، ينبه عبره الشخص المعني إلى كونه ليس على ما يرام؛ إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة والمعقدة.

باختصار، كيف لنا ونحن نجلس خلف حواسبنا وشاشاتنا، أن نتهم أو نخون أو نكفر شخصا، لعله تعرض لمعاناة نفسية كبيرة، لعله كان مريضا، لعله كان يحتاج لنجدة من حوله حتى لا يقدم على فعلته، لعله بلغ حدا من اليأس لم يحتمله.. باختصار، كيف نعطي لأنفسنا الحق في الحكم عليه وعلى صحته النفسية وعلى تدينه؟

بل وأكثر من ذلك، هل نعي أن لذلك الشاب أسرة وأشخاصا يحبونه، فجعوا في موته وفي انتحاره؟ هل ندرك أن والديه وكثيرين حوله يحملون ثقل الألم لأنهم لن يعرفوا يوما الأسباب الحقيقية التي دفعت به لوضع حد لحياته؛ وأنهم سيعيشون مع الإحساس بالذنب لأنهم لم ينتبهوا له ولألمه المحتمل، قبل أن يقدم على فعلته؟ هل ندرك أي ألم نخلف لديهم إذا قرأوا ما يكتب عن ابنهم في لحظات مثل هذه؟

هل نحن ساديون مجرمون إلى هذا الحد؟ إلى حد العبث بمشاعر الغير والتعدي على حيواتهم وعلى موتهم، لمجرد إرضاء بعض غرور الأنا بحصد اللايكات؟

بل، وبعيدا عن انتحار هذا الشاب، متى سنعي أننا، بكل بساطة، لا يمكننا أن نكون خبراء في كل شيء؟

عبث يجعل العنف سمة مميزة لـ"النقاش العمومي" على المواقع الاجتماعية؛ والتهكم على الآخرين، والسخرية القاتلة

أنت، مهما كنت تعتبر نفسك ذكيا ومثقفا، فأنت لا تستطيع أن تكون خبيرا دينيا، وخبيرا في التحليل النفسي، وخبيرا في الاقتصاد، وخبيرا في كرة القدم، وخبيرا في تحليل الخطاب السياسي، وخبيرا في الإعلام، وخبيرا في جوائز نوبل في كل التخصصات، وخبيرا في الدبلوماسية، وخبيرا في الموضة، وخبيرا في الفن، و"خبيرا في التحليل النفسي للمجتمع العربي" كما كتب أحدهم في توقيعه (علما أن التحليل النفسي يهتم بالأفراد، وليس المجتمعات؛ خلافا لعلم الاجتماع).

من المؤكد أن المواقع الاجتماعية فتحت اليوم الفرصة لملايين عبر العالم للتعبير عن مواقفهم وآرائهم، دون الحاجة لأن يكونوا بالضرورة صحافيين أو كتابا. هذا في حد ذاته أمر إيجابي لأنه يغني النقاش العمومي ويطور مساحات النقاش والحرية والتعبير. هذا إيجابي أيضا لأنه يسمح بفتح نقاشات ما كانت لتفتح لولا توفر هذه الإمكانيات التكنولوجية الجديدة؛ كما يسمح بتوفير فرصة التعبير للجميع دون استثناء (تقريبا).

لكن هذا لا يمنع أن الكثير من العبث يرافق هذه الحرية في التعبير. عبث يجعل العنف سمة مميزة لـ"النقاش العمومي" على المواقع الاجتماعية؛ والتهكم على الآخرين، والسخرية القاتلة..

هل نعي أن تغريدة عابثة نكتبها، قد تسبب كثيرا من الألم لغيرنا، رغم أنها لا تساعد كثيرا في تطوير النقاش العمومي؟

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG