رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 18 أكتوبر 2019

التقويم
أكتوبر 2019
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
أطفال يدرسون العربية في مدرسة بباريس

سناء العاجي/

في زمن مضى وولى، كنت أقول إني أحب بالعربية، وأفكر بالفرنسية.

مرت السنوات لأكتشف بأني، في الواقع، أحب وأفكر وأحلم وأغضب... بالعربية وبالفرنسية وبالدارجة المغربية. ولو أني تمكنت من إتقان الإنكليزية، لفعلت كل هذا بها.

ببساطة، لأن كل لغة تحملني إلى عوالم تعبيرية مختلفة. هناك أشياء أجدني عاجزة عن التعبير عنها بدون دارجتنا المغربية. كيف أقول "الحكرة" (hogra) بأي لغة من لغات العالم؟ كل الترجمات الممكنة من "احتقار"، "humiliation" و"humbling" لا تحمل لي تلك الشحنة القوية التي تترجمها الكلمة بالدارجة.

ثم، هناك تعبيرات، مواقف وأفكار، لا أجدني قادرة على التعبير عنها بغير لغة عربية أعشقها وتسكنني.

عدد من مهاجمي اللغة العربية يهاجمون في الحقيقة جهلهم بها وبجماليتها

حين غضبت يوما من شخص وصرخت فيه لا شعوريا باللغة الفرنسية، أدركت حينها أني تمكنت منها وأنها أصبحت جزءا من تكويني الشخصي. لغة ثانية حقيقية قد تخرج تلقائيا في لحظات العشق والغضب وفي الأحلام.

أنا كل هذا. لغاتي متعددة...

نعيش في المغرب بعقدة اللغة الفرنسية. لقد تجاوزت الفرنسية في المغرب دورها كلغة، لتصبح رمزا لانتماء اجتماعي واقتصادي ومعرفي... بل وأيديولوجي. إن كنت فرنكفونيا، فأنت غني، أو حاصل على درجات عالية في التعليم، أو حداثي... وربما كل هذا. حتى أن بعض معارفي يقولون لي، وهم يتصورون أن في ذلك تكريما ومجاملة وتعظيما لي: "أنت لست كغيرك من المتحدثين بالعربية. أنت تفكرين بالفرنسية، وتكتبين بالعربية".

وكأن قيم الحداثة والحرية محصورة في اللغة الفرنسية...

وكأن اللغة العربية مسجلة لغة رسمية للرجعية والتخلف.

وكأن التفكير باللغة الفرنسية والكتابة باللغة العربية، يجعلني في مكانة أسمى من مكانة غيري ممن يفكرون ويكتبون حصريا باللغة العربية.

كيف أشرح لهؤلاء بأن اللغة ليست حمالة أيديولوجية؟ بأنك تستطيع أن تكون فرنكفونيا... ومتخلفا جدا! كأن تعتبر مثلا أن مجرد إتقان شخص للغة لاتينية، يجعله أكثر حداثة ممن يتقنها بشكل أقل.

يحدث كثيرا أن أسافر إلى بلدان، أجدني فيها فقيرة لغويا! أكتشف أن لغتي الفرنسية، التي أتقنها وأكتب بها، لا تنفعني كثيرا في تواصلي مع الآخرين. بمجرد ما أغادر باريس وبروكسيل، أتصارع بإنكليزيتي المتوسطة لكي أتواصل مع العالم... وأتساءل: كيف جعلنا في المغرب اللغة الفرنسية لغة الحداثة والتموقع الاجتماعي والاقتصادي، وهي تجعلنا فقيري اللغة إلى هذا الحد، شبه منفصلين عن العالم؟

عدد من المدافعين عن اللغة العربية، يُضيعون اللغة وسط أوهام الدين والأيديولوجية

يتصارع السياسيون والأيديولوجيون في المغرب بين اللغة العربية والدارجة والفرنسية؛ بينما معظمهم، في الحقيقة، يدافع عن مصالح ذاتية أو عن تموقعات أيديولوجية. ووسط كل هذا، تضيع اللغة ويضيع التواصل.

عدد من المدافعين عن الدارجة المغربية لا يدركون تعقيداتها وجمالياتها.

وعدد من مهاجمي اللغة العربية يهاجمون في الحقيقة جهلهم بها وبجماليتها.

وعدد من المدافعين عن اللغة العربية، يُضيعون اللغة وسط أوهام الدين والأيديولوجية.

وعدد من المدافعين عن الفرنسية، يختصرون فيها الكون بشساعته وسعته وتعدده اللغوي والمعرفي.

تعلمت منذ زمن أن الحداثة قيم وأن الحرية توجد في الفكر والجسد والتعبير والجرأة، وليست في لغة نستعملها وأخرى لا نتقنها. تعلمت بأن اللغة هي وسيلة تعبير ووسيلة انفتاح على العالم، لا أكثر. كلما تعددت لغاتنا، كلما توسعت هوامش التعبير عندنا وتوسعت معها حدود المعرفة.

لذلك، وبدل أن نحصر أنفسنا في عوالم ضيقة تختلط فيها اللغة بالإيديولوجيا، لنفتح أنفسنا على عوالم تعبيرية متعددة تجعل من غنانا اللغوي مكسبا، بدل أن نحوله لحرب تتصارع فيها المصالح الاقتصادية والإيديولوجية والسياسية والدينية... تحت ذريعة اللغة.

اقرأ للكاتبة أيضا: أخلاق في المزاد

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
Jordan supporters cheer ahead

نضال منصور/

في الملاعب العربية كثيرا ما تتوه في مشاعر الفوضى والعبث، فلا تعرف إن كنت تشاهد مباراة لكرة القدم، أم معركة عتادها الشتائم والهتافات التي تحض على الكراهية.

في ملاعبنا، من المحيط إلى الخليج، يحدث ذلك. يهتف الجمهور المقهور والمطحون والمنهك للطغاة والمستبدين، ولا تفهم ما هو السر وراء ذلك؟ لماذا يفعلون ذلك؟ ما هي السيكولوجيا التي تدفع وتحكم سلوكهم؟

الأسبوع الماضي كان آخر ما يتوقعه الجمهور الكويتي أن يهتف بعض الجمهور الأردني للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في استحضار للاحتلال العراقي للكويت قبل ما يقارب ثلاثة عقود.

ليست المرة الأولى، ولا أعرف إن كانت الأخيرة، فقد فعلها الجمهور الأردني من قبل حين هتفوا لصدام في مباراة مع المنتخب العراقي في تاريخ ليس ببعيد.

لا تعرف إن كنت تشاهد مباراة لكرة القدم أم معركة عتادها الشتائم وهتافات الكراهية

حتى الآن يبذل الأردن جهودا لتطويق الأزمة التي أشعلها هتاف الجمهور لصدام، وأيقظ تاريخا من الحساسيات التي طويت لكنها لم تمت.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني هاتف أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد ليؤكد له أن ما يسيء للكويت يسيء للأردن، ورئيس الحكومة عمر الرزاز غرد قائلا "تعادلنا في الملعب، وخسرنا في المدرجات... علاقتنا بالكويت أقوى من أي محاولة إساءة عابثة لا تمثلنا، فالفرق شاسع بين تنافس شريف ومغالبة بأي ثمن".

لن يترك الأردن رسميا وشعبيا هذه الحادثة قبل أن يعالجها سياسيا ويرأب الصدع، ولكن كيف تمحو من ذاكرة الكويتيين الشعور بالعداء والكراهية الذي لمسوه في مدرجات أردنية عربية؟

لن يحتاج الكويتيون لكثير من الفطنة والبحث حتى يدركوا أن الهتافات لصدام ليست أكثر من مناكفات وعبث لشباب ولد جلهم بعد احتلال الكويت عام 1990، وربما غالبيتهم لم يعرف صدام، ولم يعايشوا الألم والمعاناة التي تعرّض لها الشعب الكويتي.

لو عرف الكويتيون أن هناك من هتف لآرييل شارون وبنيامين نتانياهو في الملاعب الأردنية نكاية بفريق أردني شقيق لتأكدوا أن الأمر لا يستحق كل هذا الغضب.

ولو عرف الكويتيون والعراقيون أن خطاب الكراهية والتحريض الجهوي والإقليمي وصل حد الهتافات لمشجعين ضد ملكة الأردن لاعتبروا ما تعرضوا له لا يستحق الالتفات والعتاب.

♦♦♦

كثيرون يجادلون أن شغب الملاعب ظاهرة تكتسح العالم، وليس استثناء في الأردن والعالم العربي، مذكرين بالعنف البائن للجمهور البريطاني حتى وصل الأمر بالاتحاد الأوروبي لكرة القدم لحرمان جميع الأندية الإنكليزية من المشاركة بأي بطولة أوروبية لمدة خمس سنوات.

يحتفظ عالم كرة القدم بذاكرة موجعة لأحداث عنف وشغب لن تنسَ على مر العقود الماضية، وأطلق لقب "هوليغانز" على مشجعي كرة القدم الذين يتبنون العنف منهجا، والكلمة جذورها إنكليزية ومشتقة من "هوليغان" وتعني المشاكس أو العنيف أو الشخص صاحب السلوك المدمر.

ففي مباراة لا يمكن أن تسقط من التاريخ اقتحم جمهور منتخب البيرو الملعب عام 1964 خلال مباراتهم مع الأرجنتين وسقط 327 قتيلا، وفي كأس الاتحاد الإنكليزي عام 1974 اقتحم "هوليغانز" فريق "نيوكاسل" الملعب وهجموا على لاعبي ومشجعي "توتنهام" فأصيب 23 شخصا بجروح.

وخلال نهائيات دوري أبطال أوروبا 1985 تسبب "هولغانز" نادي "ليفربول" بسقوط جدار فوق جماهير نادي "يوفنتوس" الإيطالي مما خلف عشرات القتلى.

وحتى وقت قريب جدا وبعد الثورة المصرية اقتحم مشجعي نادي بورسعيد المعلب خلال مباراتهم مع النادي الأهلي فكانت الكارثة مقتل 77 شخصا، وأصيب 1400 بجروح، وتركت هذه الحادثة المؤلمة ندوبا مؤلمة في ذاكرة كرة القدم المصرية.

حوادث العنف والشغب في ملاعب كرة القدم بالعالم حقيقية وليست من صنع الخيال، وما يحتاج إلى دراسة وتدقيق هل ما يحدث من حوادث عنف وشغب في الملاعب العربية مرتبط فقط بأشخاص "عنيفين" في التعبير عن تشجيعهم لفريقهم ودعمه، أم أن هناك "تصنيع وتفريخ" متعمد للأزمات عربيا، وأن هذه الظاهرة تمتد أصابع الاتهام فيها إلى ما هو خارج أسوار الملاعب، وأن السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية ليست بريئة على الإطلاق منها.

لا توجد دراسات تحقق وتجيب على هذه الأسئلة، ولكن الاتهامات لم تتوقف ولم تغب، فبعد كارثة الدوري المصري عام 2012 اتُهمت قوى "ثورة يناير" فلول حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك بأنهم وراء ما وقع خلال المباراة لإثارة الفوضى وتحميل "الثورة" مسؤولية ما حدث.

♦♦♦

مذ كنا صغارا والقلق يصاحبنا خلال مباريات كرة القدم العربية، فالتعصب الذي يحمل دلالات سياسية يسود، فمنذ عقود وحتى الآن مباراة الأهلي والزمالك تُحدث حالة من التوتر والارتباك، والمجتمع المصري وحتى العربي منقسم في تشجيع أحد الفريقين، وجري التعبير عن هذه الانحيازات بغضب وعنف أحيانا، والانقسام في جمهور الفريقين له دلالات طبقية واجتماعية وسياسية.

في الأردن، تجليات الصورة أكثر خطورة، فحين يلعب فريقا الوحدات والفيصلي يعيش الأردن حالة من الاستنفار، وفي كل مرة حوادث العنف تتكرر، وخطابات الكراهية تُسمع وتُرى، والمعالجات والعقوبات لم تمنع وقوعها مجددا، وهو ما يدفع للهمس والمجاهرة في الاتهامات والأسئلة عمن يقف خلف هؤلاء الذين يزرعون الفتنة، ولا يبالون بالقانون، ولا حتى بوحدة النسيج المجتمعي.

في برقية للسفارة الأميركية بعمان نُشرت على موقع "ويكيليكس" بتاريخ 6/12/2010 تعليقا على وقف مباراة بين الفيصلي والوحدات بتاريخ 17/7/2009 حملت عنوانا "وقف مباراة كرة قدم بسبب هتافات معادية للنظام وبلطجة ضد الأردنيين".

السلطة السياسية والأجهزة الأمنية العربية متهمة بأنها ليست بريئة من حوادث العنف والشغب في الملاعب

وفي التفاصيل، تدعي البرقية أن مباريات الوحدات والفيصلي لها تاريخ طويل من "البلطجة" والعنف السياسي، وقد أنهت الشرطة مباريات سابقة بسبب عنف أوقعته شعارات مسيئة، ومع مرور الوقت أصبحت الشعارات مقياسا للعلاقة المتوترة ـ حسب زعمهم ـ بين "الشرق أردنيين" والأردنيين من أصول فلسطينية.

التعليق والاستخلاص الذي توصلت له برقية السفارة أن ما حدث في مباراة الفيصلي والوحدات كشف الفجوة غير المريحة بين مكونات المجتمع الأردني، والذي يفضل الأكثرية تهميشها واخفائها في سبيل الاستقرار السياسي.

إذن، الهتاف غير المألوف والمستهجن في المدرجات الأردنية لنتانياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلي، لا يمكن أن يُفصل عن السياقات السياسية، وهو تعبير "مراهق" لمناكفات مجتمعية تترك شروخا عميقة في الوجدان والسلم الأهلي.

بعد هتاف بعض مشجعي الأردن للرئيس الأسبق صدام حسين خلال مباراتهم مع الكويت أوقف الأمن الأردني أربعة مشجعين بتهمة "تعكير صفو العلاقات بدولة شقيقة"، وتم إحالتهم إلى مدعي عام محكمة أمن الدولة، مما يسهم في "تبريد" وتطويق الغضب الكويتي، ولكن الأهم والمقلق دون إجابات منذ سنوات؛ من يطفئ الغضب والهيجان في المدرجات الأردنية، وكيف نوقف "الماكينة" التي تنتج البغضاء والكراهية وتحرض على العنف في ملاعبنا موقدة نارا تحت الرماد؟!

اقرأ للكاتب أيضا: حين رفعت الحكومة الأردنية "الراية البيضاء"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG