رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأحد 26 يناير 2020

التقويم
يناير 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
الخبر الحقيقي فهو موجود على موقع الجامعة، ويقول إنه في ربيع 2012 جمّع طلاب وأساتذة وعاملون في هارفارد 33 مقولة عن العدالة وتم وضع هذه المقولات على جدران مباني كلية الحقوق بجامعة هارفارد (مصدر الصورة: حساب جتمعة هارفرد على تويتر)

ماهر جبره/

"بينما ينشغل العلمانيون العرب بتنفير الناس من الدين، إذ بجامعة هارفارد تنسِفُ كل جهودهم في لحظة، لتُعْلِن في أحدث دراسة لها أن القران هو أفضل كتاب للعدالة عرفته البشرية في تاريخها." هذا ما كتبه الشيخ عبد الله رشدي على توتير منذ أيام، نشر بعدها فيديو، شاهده حوالي 100 ألف شخص، يعلن فيه عن "انتصار الإسلام على العلمانيين بشهادة هارفارد".

ما قاله رشدي كان نقلا عن صحف ومواقع عدة نشرت خبرا في الأيام الماضية مفاده أن جامعة هارفارد تصنف القرآن الكريم كأفضل كتاب للعدالة على مر التاريخ.

ولكن الحقيقة أن القرآن لم يتم اختياره كأفضل كتاب للعدالة في دراسة هارفارد، لأن هارفارد ببساطة لم تقم بهذه الدراسة من الأساس. ولكن الأمر كله عبارة عن خبر مفبرك. مفبرك لدرجة ترقى إلى أن يكون درسا عمليا في كيفية صناعة الأخبار المزيفة أو الـ Fake News.

أما الخبر الحقيقي فهو موجود على موقع الجامعة، ويقول إنه في ربيع 2012 جمّع طلاب وأساتذة وعاملون في هارفارد 33 مقولة عن العدالة وتم وضع هذه المقولات على جدران مباني كلية الحقوق بجامعة هارفارد.

المقولات من مختلف الديانات والأيدولوجيات منها مقولات من المسيحية واليهودية والماغنا كارتا وغيرها. وبينهم مقولة من الإسلام وهي الآية 135 من سورة النساء "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا".

هؤلاء الشيوخ والدعاة لم يتحروا الحقيقة ونقلوا أخبار ومعلومات مفبركة

ولكن من أين جاء هذا الخبر المزيف؟ الجميع اعتمد على تغريدة من حساب على توتير لمنظمة تدعى "المجلس العالمي لمجتمعات المسلمين" مقرها أبوظبي في الإمارات. هذه المنظمة هي التي فبركت الخبر وتناقله عنها الجميع دون أدنى مجهود في التدقيق أو المراجعة.

أخذت هذه المنظمة الآية واختلقت فكرة الدراسة المزعومة، ووصلت لنتائجها التخيلية ونشرتها. ولم يسأل أي شخص من الذين نشروا الخبر، أين هي هذه الدراسة؟ أو من قام بها؟ أو لماذا لا يوجد أثر لها على موقع الجامعة؟ كلها أسئلة بديهية جدا، لكن يبدو أن من وجهة نظر من نشروا الخبر أن كل شيء مباح لنصرة الدين.

الملفت للانتباه أن صحفا كبيرة بحجم الأهرام نشرت الخبر. ولم يكلف الشيخ رشدي أو أحد من الصحفيين نفسه بأن يبحث على موقع جامعة هارفارد على الإنترنت. فأبسط قواعد التدقيق هي الرجوع للمصدر الأصلي للمعلومة.

بعد انكشاف الحقيقة عندما طالب بعض المتابعين رشدي بالمصدر الأصلي لهذه الدراسة المزعومة، نشر فيديو مدته دقيقتين يقول فيه لقد نقلت عن صحف مثل الأهرام، دون أن يحذف الفيديو الأصلي، أو حتى يعتذر عن نقل خبر مزيف.

ربما يقول البعض لقد أخطأ رشدي سهوا. ولكن الحقيقة أن فكرة تزييف ولي عنق العلم من أجل إثبات صحة القناعات الدينية هي أشبه بمنهج عند بعض الإسلاميين. وهناك أمثلة لا حصر لها على ذلك.

مثلا الشيخ محمد العريفي (الذي يتابعه أكثر من 20 مليون متابع على توتير) عندما سئل عن لماذا يقول الشرع إن المرأة شهادتها تعادل نصف شهادة الرجل، رد وقال إن هناك غدة "نسيت اسمها" مثبت عمليا أن لها وظيفتان في مخ الرجل، فهي قادرة أن تجعله يتذكر ويتكلم في نفس الوقت. أما نفس الغدة في مخ المرأة فهي قادرة فقط على أداء وظيفة واحدة فإما أن تجعل المرأة تتكلم أو تتذكر، مما يجعلها تحتاج لمن يذكّرها وبالتالي فشهادة امرأتان توازي شهادة رجل واحد.

والحقيقة أن هذا الكلام لا يمكن الرد عليه علميا لأنه كلام لا علاقة له بالعلم أو حتى المنطق. فضلا عن أننا ما زلنا نحاول معرفة اسم هذه الغدة العجيبة!

وفي مثال آخر قال الشيخ صالح اللحيدان (عضو هيئة كبار العلماء في السعودية) مبررا تحريم قيادة المرأة للسيارة في عام 2011، إن قيادة السيارة تجعل الحوض يرتد وبالتالي يضغط على المبايض، وبالتالي يؤثر ذلك بشكل سلبي على قدرة المرأة على الحمل والولادة.

ولكن يبدو أنه بعد أن سمح الملك سلمان في 2017 للنساء السعوديات بقيادة السيارات، تبدلت أجسادهن فجأة وأصبحت قيادة السيارة لا تؤدي إلى العقم، وأفتت هيئة كبار العلماء وقتها بأن القيادة حلال شرعا!

وبالتأكيد لا يمكن أن نتحدث عن فبركة العلم دون أن نذكر الدكتور زغلول النجار، الذي اشتهر بفكرة الإعجاز العلمي في القرآن، والذي بنى عمله بالأساس على فكرة فبركة الحقائق العلمية من أجل إثبات القناعات الدينية.

ففي رده مثلا على سؤال عن حجاب المرأة قال إن الشمس تضر بالجلد من خلال الأشعة فوق البنفسجية وتسبب أمراض عدة منها سرطان الجلد، وإن المرأة تتأثر بها أكثر ولهذا السبب أمر الله المرأة بالحجاب.

بالطبع هذا الكلام لا سند علمي له، فضلا عن أن الحجاب هو قطعة من القماش لا تحجب أكثر من نسبة بسيطة فقط من الأشعة فوق البنفسجية. ولو افترضنا إنه صحيح فهل يجوز شرعا استبدال الحجاب بالقبعة أو واق من أشعة الشمس (الـ Sun Block ) مثلا؟

تزييف ولي عنق العلم من أجل إثبات صحة القناعات الدينية هي أشبه بمنهج عند بعض الإسلاميين

في الواقع الأمثلة عديدة، ولولا ضيق مساحة المقال لسردت عشرات الأمثلة، ولكني أعتقد أن الفكرة باتت واضحة.

فهؤلاء الشيوخ والدعاة، الذين يتابعهم ملايين ويحترموهم ويجلوهم، لم يتحروا الحقيقة ونقلوا أخبار ومعلومات مفبركة، بل وزيفوا العلم لخدمة أفكارهم.

فإذا كانت فبركة الأخبار والحقائق العلمية تحدث في زمن فيه إنترنت وغوغل ويوتيوب حيث تمكننا هذه الأدوات من تقصى الحقائق بسهولة لم تكن متاحة لمن عاشوا في قرون ماضية. فالسؤال هنا هو ما الذي يمنع أن يكون هذا ما قد حدث في نقل بعد الأحاديث كما يقول باحثون إسلاميون مثل إسلام بحيري وأحمد عبده ماهر وغيرهم.

فقد لخص لؤي نصيرات هذا السؤال عندما كتب على توتير ردا على الشيخ رشدي، الذي قال نقلت الخبر عن الأهرام ولست مسؤولا عن صحته: "وهكذا كتبت الأحاديث الكاذبة عن رسول الله وهكذا كتب التراث ولكن للأسف لا وجود لتكنولوجيا قبل 1400 سنه لتبين كمية الكذب على رسول الله وكمية الأحاديث الموضوعة التي وضعت بين دفتين وسميت بالصحاح".

اقرأ للكاتب أيضا: حادث تحرش المنصورة والتحريض ضد المرأة!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

كم يلزمنا من التشهير بحالات شخصية لكي نعي أن قضايا الخيانة الزوجية يفترض أن تتم معالجتها بموجب القانون المدني لا الجنائي؟

سناء العاجي/

في حالة الخيانة الزوجية، يعتبر المشرع المغربي أنه، إذا "سامح" أحد الزوجين شريكه على الخيانة الزوجية، تسقط المتابعة.

مساواة تامة... على الأوراق.

الذي يحدث في الواقع أنه، في حالة الخيانة الزوجية من طرف الزوج، في الغالب "تسامح" الزوجة بمحض إرادتها أو تحت ضغط المحيط: "هل ستدخلين زوجك السجن؟". "كل الرجال لديهم علاقات خارج الزواج". "يجب أن تحافظي على بيتك". "أولادك سيلومونك لأنك أدخلت أباهم السجن"...

تسامح الزوجة، فتُلغى المتابعة ويغادر الزوج السجن.

ولنا أن نتخيل طبعا أنه، في حال خيانة الزوجة، فنفس العقلية التي تشجع (ترغم؟) المرأة على التنازل، سترغم الرجل ضمنيا على "الدفاع عن شرفه وكرامته".

والنتيجة؟ الخيانة واحدة والنص القانوني واحد... لكن العقليات تتغير بتغير جنسي الضحية والفاعل!

نحتاج لتعديل جدي وجاد للقانون الجنائي يلغي تجريم العلاقات الجنسية الرضائية

منذ بضعة أيام، نتابع في المغرب واقعة سجن سيدة مغربية اسمها ليلى، كانت مخطوبة لمحام لمدة تزيد عن الأربع سنوات. حسب أسرة ليلى، فالاثنين كانا متزوجين بقراءة الفاتحة (صيغة زواج ديني وغير مسجل قانونيا). نتج عن هذه العلاقة طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر. خلال فترة العلاقة، اكتشفت ليلى أن زوجها/خطيبها متزوج من محامية أخرى. الأخيرة رفعت دعوى خيانة زوجية ضد زوجها قبل أن تتنازل عنها. والنتيجة أن الزوج حر طليق بينما ليلى في السجن بتهمة المشاركة في الخيانة الزوجية!

بل أكثر من ذلك، نفى الزوج الخطبة وزواج الفاتحة، واعتبر أنه كان مخمورا وفاقدا للوعي حين مارس معها الجنس! وأن صور الخطوبة ليست في الحقيقة إلا صور... عيد ميلادها. (هو طبعا لم يقل لنا كيف ولماذا حضر عيد ميلاد ليلى، ما دامت قد جعلته يفقد الوعي ويمارس معها الجنس).

سريالية الواقعة أن ليلى (وهي العازبة قانونيا) متابعة بتهمة المشاركة في الخيانة الزوجية... بينما الزوج حر طليق وزوجته الأولى تعطي التصريحات الواحد تلو الآخر تتهم فيها ليلى بالعهر وتتهم العائلة بالقِوادة! المتزوج حر والعازبة في السجن بتهمة الخيانة الزوجية! مرحبا بكم في بلد السريالية القانونية حين يتعلق الأمر بالعلاقات الجنسية وبالمساواة وبكل ما له علاقة بالنساء.

هذه الواقعة، ومئات أخرى مثلها في محاكم وسجون المغرب، تضعنا أمام مجموعة من الإشكاليات التي يفترض أن تتغير:

أولا، هناك طفلة في القضية هي الضحية الأولى (وهناك حالات بالآلاف لأطفال ضحايا مثل هذا النوع من العلاقات). لنفترض أننا نرفض العلاقات الجنسية خارج الزواج. لماذا نجعل الأطفال يدفعون الثمن؟ للأسف، بالنسبة للقانون المغربي، قاعدة "الولد للفراش" تسبق نتائج تحليل الحمض النووي (DNA). بمعنى أنه، حتى حين يثبت التحليل بنوة الطفل(ة)، في حالة عدم الزواج وإذا نفى الأب النسب، لا ينسب له الطفل. هذا طبعا في مجتمع يتغنى بشعارات الدين الذي يدعو إلى العلم، بينما يرفض مجتمعيا وشرعيا الاعتراف بالعلم في عدد من القضايا الجوهرية، كما أشرنا لذلك في مقال سابق...

ثانيا، كم يلزمنا من التشهير بحالات شخصية لكي نعي أن قضايا الخيانة الزوجية يفترض أن تتم معالجتها بموجب القانون المدني لا الجنائي؟ ليس من المقبول أن ندخل السجن أشخاصا بسبب علاقات جنسية رضائية (في الوقت الذي تم فيه إطلاق سراح متابَعَيْن ضمن 20 متهما لم يتم بعد القبض عليهم، قاموا باختطاف واحتجاز واغتصاب قاصر عمرها 17 سنة، خلال 25 يوما، بمدينة الدار البيضاء). بل الأدهى أن هذا القانون يطبق بتمييز تكون المرأة دائما ضحيته.

في بلدان العالم المتقدم، تعطي واقعة الخيانة الزوجية حقوقا مدنية للضحية (تمييز في حضانة الأولاد، تعويض مادي، الطلاق، إلخ). لكن العالم المتقدم لا يضع في السجن رجلا أو امرأة بسبب علاقة جنسية رضائية، حتى لو كان أحد شريكي العلاقة متزوجا.

بالنسبة للقانون المغربي، قاعدة "الولد للفراش" تسبق نتائج تحليل الحمض النووي

في النقطة الثالثة والأخيرة، لننتبه إلى كون هذه الواقعة تضعنا، مرة أخرى، أمام تجليات العقلية الذكورية في أخطر آثارها: حين تتبناها المرأة نفسها!

زوجة المحامي تعطي لوسائل الإعلام تصريحات يبدو فيها زوجها ضحية قاصرا "خطفته" و"سحرته" امرأة أخرى. تتمسك بزوج يفترض أنه قام بفعل الخيانة، بمنطق "خطفته مني بنت الحرام... والله لن أتركه لها". سيدتي الزوجة المحترمة؛ على فرض أنك "انتصرت" عليها.... في النهاية، ما الذي سيمنع زوجك من شرب الخمر وفقدان الوعي وممارسة الجنس مع امرأة أخرى وحضور عيد ميلادها، ما دمت لم تعالجي المشكل من زاوية علاقتك به؟

ختاما، لنكرر خلف بعضنا البعض، حتى تترسخ هذه المطالب في ذهنياتنا جميعا... بما فيها تلك الذهنيات التي تعتبر أن "المرأة شيطان" وأن الرجل دائما ضحيتها، في الاغتصاب والحمل والخيانة: نحتاج لتعديل جدي وجاد للقانون الجنائي يلغي تجريم العلاقات الجنسية الرضائية. معالجة الخيانة الجنسية قانونيا يفترض أن تتم بناء على القانون المدني وليس الجنائي. تحليلات الحمض النووي يفترض أن تكون المحدد الرئيسي للنسب، لحماية حقوق الأطفال.

اقرأ للكاتبة أيضا: أميرة في بيت زوجها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG