رابط إمكانية الوصول

logo-print

آراء وتحليلات

الأحد 22 أكتوبر 2017

التقويم
سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
أكتوبر 2017
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4

بقلم كوليت بهنا/

لم يكن مستغرباً أو مفاجئاً عدم التفاعل العربي المطلوب مع الحملة العالمية ضد التحرش، التي أطلقت قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي. وهي حملة نسبت إلى تغريدة أطلقتها الممثلة الأميركية (أليسا ميلانو) مطالبة جميع مستخدمي مواقع التواصل الذين تعرضوا لتحرش، استخدام وسم (#Metoo) وكتابة تجاربهم بغرض لفت الانتباه إلى خطورة وحجم هذه المشكلة. وبدا قلب العالم الافتراضي مع استجابة نجوم وشخصيات عالمية أو عادية للحملة، مكسوراً مع سيل القصص التي سُردت مخلّفة وراءها ندبات عميقة في الأرواح لم ينج منها الرجال، وإن كان النصيب الأكبر منها للنساء.

عربياً، اكتفت نسبة خجولة من السيدات المثقفات والناشطات النسويات، وكذلك نخبة من الرجال الداعمين لقضايا المرأة، بالتفاعل مع الوسم الذي ترجم إلى (أنا أيضاً) وشرح أهمية التفاعل معه كخطوة أولى للحد من المشكلة مستقبلاً. وسردت هذه السيدات ذكريات متشابهة إلى حدٍ ما عن تحرش حدث في مرحلة ما من حيواتهن، وتجرأت أشجعهن وطالبت ألا تكتفي الحملات القادمة ضد التحرش بتسجيل أسمائهن كضحايا له، بل بذكر أسماء المتحرشين علناً وصراحة وفضحهم وسوقهم للعدالة.

أما النسبة الأكبر من النساء فقد اختفين عن العالم الافتراضي خلال أيام الحملة أو تجاهلنها لسبب واضح ومبرًّر هو الخوف، إذ إن مشاركة وسمٍ كهذا تعني تعريض أنفسهن إلى (الشبهة) بين أسرهن ومجتمعاتهن التي تراقب أنفاسهن في الحياة العادية والافتراضية، وفتح باب الجحيم عليهن من حيث الشك أولا بالعذرية (حتى لو كانت متزوجة منذ سنوات) جراء أي تحرش يذكرن أنهن تعرضن له، ومن ثم إرغامهن على اعترافات أو تطليقهن أو سوقهن للفحص النسائي، وربما حرمانهن من متابعة التعليم أو الذهاب للعمل أو الخروج من المنزل أو إلى ما لانهاية من السلوكيات المضادة اتجاههن. باختصار قد يوسمن بالعار الذي يجيز قتلهن، ويتحولن إلى ضحايا مرتين.

التحرش الذي تجرّمه أغلب القوانين العربية وتقضي بسجن المتحرش بحسب نوع التحرش مدة لا تقل عن ستة أشهر مع غرامة مالية، يحدث داخل البيوت على يدي أحد ذكور العائلة، أو في الشارع والمدارس والمواصلات وأماكن العمل وغيرها. ويمكن القول إن نحو 99 في المئة من الحالات مسكوتٌ، لا تفصح عنها الضحايا لا لقريب ولا لغريب، بسبب الجهل العلمي والقانوني، والخوف الاجتماعي، والخوف من الجاني وخاصة إن كان صاحب سلطة أو يمتلك حصانة ما. وفي هذا الإطار أدى الضغط والرقابة على وسائل الإعلام إلى مزيد من التدهور عبر التعتيم على تقارير صحافية أو منع عرض أعمال درامية تتعلق مثلا بانتهاكات وتحرشات تحدث من قبل نافذين أو أساتذة جامعيين يساومون طالباتهن خلال الامتحانات. كما أدى التواطؤ القانوني في حالات كثيرة مع المتحرشين أو المعتدين جنسياً، واعتبارهم مهووسين أو مرضى، وعدم تجريمهم وعقابهم، إلى تعزيز عدم الجدوى بالتشكي، الأمر الذي فاقم عدم الثقة بنزاهة القانون الذي قد تتورط بعض عناصره أحياناً بجرمٍ مشابه، إذ تعرضت نساء كثيرات قدمن شكاوى تحرش لتحرشٍ مماثل من قبل عناصر من الشرطة أو احتقارٍ لفظي أو ابتزاز بفضحهن. كما أن نسبة التحرش ترتفع حدّتها من جهة عناصر حكومية أو غير نظامية خلال الحروب وحالات التمرد الشعبية لإذلال المعتقلين (نساء ورجالاً) وكسر كراماتهم وكرامة مجتمعاتهم.

التحرش آفة عالمية، نحن أيضاً مصابون بها، علاجها الجدّية بتفعيل القوانين العربية وآليات تنفيذها ومراقبتها كما تفعل القوانين الغربية، وتمكين المرأة وتنمية المجتمع الشاملة والمستدامة، إذ إن الإنكار المستمر والادّعاء المزيف بحصانة مجتمعاتنا لا ينقصه إلا اختراع وسم كاذب بأنه (لا مشاكل لدينا#).

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

احتجاجات ضد التحرش الجنسي في مصر-أرشيف

بقلم ماهر جبره/

فزعتني صورة صديقة على فيسبوك وهي غارقة في دمائها بعد أن تعرضت لحادث مؤلم جدا السبت الماضي. سمية ط. التي تعرضت للتحرش الجسدي والجنسي منذ سنتين، في حادثة شهيرة عرفت وقتها بحادثة "فتاة المول". ففي أكتوبر 2015 كانت سمية تتسوق في الحرية مول في حي مصر الجديدة، عندما اقترب منها الجاني، ودون أي سابق معرفة طلب منها أن تذهب معه إلى منزله، بحسب روايتها. وعندما رفضت وقالت له سأطلب لك الأمن، رد عليها بالصفع والركلات!

وقتها عوقب الجاني بالحبس أسبوعين وكفالة قدرها مئة جنيه! وللأسف، ظهر نفس الشخص مرة أخرى بعد سنتين لينتقم من ضحيته، ويعاقبها على شجاعتها عندما أبلغت عن الحادث. وعندما حاولت سمية الهرب منه، لحق بها وضربها بسلاح أبيض، مما تسبب لها في عاهة مستديمة، عبارة عن جرح غائر في الوجه طوله 20 سم.

سمية لم تستطع أن تحصل على حقها في المرة الأولى. فقد خذلها القانون الذي أعطى للمجرم عقوبة لا تُذكر ولا تتناسب مع ما اقترفه. وقد خذلها أيضا جزء من المجتمع الذي وجه لها اللوم، باعتبار أن البنت دائما هي السبب. أما الإعلام ففي معظمه تضامن معها، إلا أن إحدى مقدمات برامج التوك شو الشهيرة شهّرت بها، بدلا من مساندتها كضحية للعنف والتحرش الجنسي!

والحقيقة أن تحويل المجني عليه إلى جانٍ في مسألة التحرش بالنساء، أمر شائع جدا. فكمُّ الحالات التي رصدها الإعلام في السنوات الماضية عن نساء تعرضن للتحرش سواء في المواصلات أو أماكن العمل أو الشوارع وفشلن في معاقبة الجاني لا يُحصى! ففي أغلب الأحيان عندما يحاولن الحصول على حقهن بالقانون، يقف الجميع ضدهن. بداية من المارة الذين غالبا ما يلومون الضحية بسبب ملابسها أو طريقة مشيها أو ما شابه، ووصولا إلى رجال تنفيذ القانون الذين يتعاملون في أحيان عديدة مع التحرش الجنسي، باعتباره أمرا تافها لا يستحق أن يتحول إلى قضية.

ومن الجدير بالذكر أنه في عام 2013 أجرت الأمم المتحدة دراسة عن الموضوع، فأظهرت أن أكثر من ٩٩٪ من نساء مصر تعرضن للتحرش. علما بأن الدراسة سجلت التحرش الجنسي بصوره المتعددة بداية من استخدام الألفاظ غير اللائقة مرورا باللمس ووصولا إلى الاغتصاب. والسؤال هنا هو لماذا وصلنا لهذه الدرجة من تفشي هذا الوباء اللعين؟

الحقيقة أن الأسباب عديدة لكني سأكتفي هنا بمناقشة سببين، الأول والأخطر في رأيي، هو ثقافة لوم الضحية. فكم من مرة سمعنا أن لبس المرأة هو السبب، وأنها كقطعة الحلوى التي لو تغطت فستقي نفسها من التحرش، أما لو كشفت شعرها أو ارتدت من الملابس ما يظهر قليلا من أنوثتها فهي السبب في تحرش الشباب بها! للأسف أن هذه الأفكار التي تلقي باللوم على المرأة وتبرر التحرش هي ملخص ما قاله عدد لا بأس به من الشيوخ على مدار السنوات الأربعين أو الخمسين الماضية.

والحقيقة أن هذا الادعاء يخالف الواقع تماما. فعلى سبيل المثال، لو شاهدت أفلام الأبيض والأسود في الخمسينيات والستينيات، ستجد أمهاتنا وجدّاتنا يسرن في الشوارع بالتنورات والفساتين القصيرة، ومع ذلك فإن نسب وصور التحرش لم تكن أبدا بهذا الشكل. وهنا ببساطة علينا أن نعترف أن انتشار ظاهرة الحجاب والخمار، لم يقلل من التحرش بل زاد منه. وتفسير ذلك بسيط جدا، فالمشكلة ليست في الحجاب أو الخمار، ولكن المشكلة في ثقافة عدم احترام وأحيانا احتقار من لا تلتزم بهذا الزي، مما يجعل المعتدي ينظر لضحيته باعتبارها مخطئة وتستحق التحرش بها.

دعني أضرب لك مثالا حتى تتضح الصورة. منذ عدة أشهر، ظهر الشيخ صبري عبادة وكيل الأزهر مع وائل الإبراشي على قناة دريم وتحدث عن قضية الحجاب. وفي معرض كلامه قال أنتِ كامرأة عندما تسيرين بلا حجاب أو كمتبرجة، فإنك تساعدين المتحرش أن يتحرش بك. كما هاجم إحدى الضيفات التي ظهرت معه في نفس البرنامج باعتبارها غير محجبة وقال لها أنتِ ضد الدين.

بعدها بأسابيع قليلة بدأت ظاهرة خطيرة جدا في منطقة عزبة النخل في القاهرة. حيث بدأ بعض الشباب الصغير السن من سائقي التوك توك بإلقاء الكلور الخام على البنات غير المحجبات. ربما لن يرى البعض أي علاقة بين الحادثتين، وبالطبع الشيخ عبادة لم يأمر الشباب بأن يفعلوا ذلك. ولكنه حرض علنا على غير المحجبات، باعتبارهن مفسدات وعدوات للإسلام، وهذا يكفي في مجتمع مثل مجتمعنا المصري.

السبب الثاني في نظري، هو ثقافة الإفلات من العقاب. فهناك مثل شهير يقول من أمن العقاب أساء الأدب. أنا شخصيا عشت معظم حياتي في مصر قبل أن أنتقل للولايات المتحدة، ورأيت كيف إنه في مصر، من السهل جدا الإفلات من العقاب في حالات التحرش الجنسي على عكس ما رأيته في أميركا.

أتذكر أول أسبوع عشته في الولايات المتحدة، عندما توقفت أنا وصديق لي عند محل صغير علي طريق سريع لشراء بعض اللوازم. دخلنا المحل لنجد البائعة تقف وحيدة في منطقة شبه مهجورة وفي ساعة متأخرة من الليل. سألت صديقي والذي كان حينها قد قضى سنة في أميركا وقلت له كيف لفتاة صغيرة وجميلة أن تقف وحدها في منتصف الليل على طريق خال من المارة، دون أن تخاف من التحرش؟ ضحك صديقي وقال لي: يا ماهر الرجال هنا هم من يخافون، فالشرطة تتعامل بجدية شديدة مع بلاغات التحرش.

عشت في أميركا بعدها سنوات ورأيت بأم عيني كيف تحقق الشرطة بمنتهى الجدية في هذه البلاغات، حتى ولو كان الدليل الوحيد المتاح هو شهادة الضحية دون أي دليل مادي آخر. هذا القانون وثقافته هو الذي يعطي المرأة الحماية المطلوبة للعمل والتحرك بحرية واثقة أن الدولة ستحميها إن تعرضت لشيء. لا يعني هذا إن كل متحرش يتم عقابه، فالبعض بالتأكيد يفلت. ولا يعني ذلك أيضا أن أميركا ليس فيها تحرش، فهذا ليس حقيقيا. ولكن يعني ذلك شيئا واحدا ألا وهو أن كلا من الدولة والمجتمع ينحاز لصف الضحية إن تعرضت للانتهاك، بينما ننحاز نحن لصف الجاني فنجعل الانتهاك أضعافا، مرة من الجاني ومرة من الدولة التي تتهاون مع هذه الجرائم ومرة من المجتمع الذي يبررها!!

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG