رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 16 أغسطس 2018

التقويم
2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
أغسطس 2018
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
تونسيات تحتفلن بعيد المرأة التونسية وقد أعلن الرئيس التونسي في هذا اليوم عن خطة لتقديم مشروع قانون ينص على المساواة

بقلم سناء العاجي/

.. وفعلتها تونس! قامت بالخطوة الأولى في اتجاه مجتمع مدني حداثي يساوي بين مكوناته في الحقوق والواجبات.

لنكن واضحين صرحاء مع ذواتنا: بغض النظر عن أي قناعات دينية، فإن تقسيم الإرث في النظام الإسلامي يجب أن يستفزنا بشكل جدي.

في مجتمعات كمجتمعاتنا اليوم، تشتغل فيها المرأة وتساهم في إنتاج القيمة المضافة، كيف يعقل أن ترث نصف ما يرثه الذكر، لا لوجه حق بل لمجرد انتماء جنسي لم يختره أحدهما ولا يعتبر إنجازا في حد ذاته؟

بإلغاء نظام العبودية، لم نصبح أقل إسلاما. فهل سنفقد إسلامنا إن جعلنا نظام الإرث يتماشى مع تطورات الواقع؟

في المغرب مثلا، وحسب المندوبية للتخطيط (وهي هيئة رسمية)، فإن خمس الأسر المغربية تنفق عليها امرأة فقط؛ هذا دون احتساب الأسر التي ينفق عليها الزوجان معا أو أخ وأخته أو ما دون ذلك. خمس الأسر المغربية تنفق عليها امرأة فقط... حوالي 20 في المئة! لكننا، حين تقسيم الإرث، نعود لمنطق قديم يمنحها النصف فقط، ولا يأخذ بعين الاعتبار مساهماتها المالية في الواقع.

كذلك، فإن المرأة المسلمة لا تدفع نصف التأمين الصحي، ولا نصف سعر الحافلة، ولا نصف ثمن الدواء. فلماذا تأخذ نصف إرث؟ ما دامت تؤدي نفس الواجبات في الضرائب وفي مختلف مشترياتها، فلماذا تأخذ نصف إرث؟ وإلا، فلنفكر في حلول اقتصادية تجعلها لا تدفع في كل مرة إلا نصف السعر المحدد! يبدو هذا عبثيا؟ بالتأكيد... لكن ليس أقل عبثية من حكاية نصف الإرث!

و كلام الله؟ بالتأكيد... تماما كتدبير العبيد والإماء والسبايا، وغيرها من التعاليم التي حدد القرآن كيفية التعامل فيها. لكن أغلب المجتمعات الإسلامية قررت في لحظة معينة أن تنخرط (إلى حد ما) في مجتمعات عصرية، بإلغاء نظام العبودية والسبي.

نفس الأمر ينطبق على تقسيم الإرث الذي كان، بشكله الحالي، ينطبق على واقع اقتصادي واجتماعي معين. واقع تغير اليوم كثيرا. نحن، بإلغاء نظام العبودية، لم نصبح أقل إسلاما. فهل سنفقد إسلامنا إن جعلنا نظام الإرث يتماشى مع تطورات الواقع؟

إنه ببساطة منطق لا يزال يعيش بعقلية قديمة كان الرجل فيها، في معظم الحالات، ينفق على زوجته وابنته وأخته. عقلية لا تقبل تحولات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية. عقلية تعتبر المرأة كيانا ناقصا وكل دفاع عن حقوقها يعتبر تهديدا للهوية الإسلامية، مدعوما من التيارات الليبرالية الغربية الصهيونية. بينما السؤال بكل بساطة هو: هل كل البشر سواسية أم أن المرأة كائن من الدرجة الثانية؟ متى سنقتنع بأن كل الناس (رجالا ونساء، سودا وبيضا) يتساوون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين، علنا نستعيد بعض إنسانيتنا؟

لا يمكننا أن نستمر في التفكير بمنطق يؤمن بتعدد الزوجات للرجل الواحد، وبالسبايا وما ملكت اليمين

لا يمكننا أن نستمر في التفكير بمنطق يؤمن بتعدد الزوجات للرجل الواحد، وبالسبايا وما ملكت اليمين، وبالنفقة والمتعة والصداق ونصف الإرث وكل الممارسات التي تجعل من المرأة كائنا قاصرا تحتاج الوصاية ممن هو أسمى منها؛ ثم نتحدث بعد ذلك عن تكريم الإسلام للمرأة. أي تكريم نختزل عبره المرأة في جسد عليها أن تحجبه؟ أي تكريم ونحن نشرعن تقييم علاقاتها الإنسانية والعاطفية ماديا؟ أي تكريم ونحن نبخسها حقوقها، ونفرض عليها في نفس الوقت الواجبات القديمة والجديدة؟

طبعا، سيخرج علينا من يقول إن مشكل الإرث يطرح أيضا في الديانة اليهودية فلماذا "لا نملك جرأة التطرق له؟". ببساطة لأننا في بقعة من العالم تطبق علينا الشريعة الإسلامية لا اليهودية. هناك الكثير من أشكال الحيف في مختلف بقاع العالم وفي مختلف الثقافات. لكننا، بالضرورة، نناقش تلك التي تعنينا بشكل مباشر في حياتنا اليومية. أما أشكال الحيف لدى اليهود أو البوذيين أو الإغريق القدامى، فهي تعنينا كمعطى معرفي، لا كواقع حقوقي يمسنا يوميا وبشكل مباشر.

أضف إلى ذلك كل المغالطات التي يطرحها البعض في كل نقاش عن الإرث، من قبيل أن هناك حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل. لكن من يقولون هذا الكلام يغفلون، جهلا أو تجاهلا، أن يحددوا أن الأمر يتعلق بنساء على درجة قرابة وطيدة بالمتوفي، يرثن أكثر من رجال يوجدون على درجة قرابة أبعد بكثير؛ في حين أن النقاش هو حول المساواة في نفس درجة القرابة (الأخ والأخت/ الابن والابنة/ الزوجة والزوج).

المغالطة الأخرى تعتبر أن "الشعب فقير، فماذا سيرث؟". رغم أننا نعرف جميعا أن حالات الصراع على الإرث لا تفرق بين فقير يتصارع ورثته حول تركة هزيلة وبين غني يترك الملايين. لكن الأصل.. أصل السؤال وكله ومركزه، هو مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات.. مهما كان حجم التركة!

________________

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

الحجر الأسود

بقلم حسين عبد الحسين/

يقف في الأسبوعين المقبلين مليونا زائر أمام الحجر الأسود، في الركن الجنوبي الشرقي للكعبة، في مدينة مكة السعودية، للبدء بالطواف كجزء من شعائر الحج السنوية، وسيحاولون تقبيل الحجر للتبرك به، أو توجيه التحية له عن بعد، إن لم يتسن لهم الاقتراب منه.

وأن يقوم الدين الداعي للتخلي عن عبادة الأصنام والحجارة إلى إجلال حجر هو أمر مربك. ويزيد في الإرباك التبريرات الإسلامية غير المقنعة، المستقاة في غالبها من أحاديث منسوبة إلى من هم أصحاب سند ضعيف.

مذهب الحجر الأسود هذا يبدو أنه كان منتشرا في مناطق تمتد من تركيا، إلى سورية ولبنان والأردن، والأرجح حتى مكة

يمكن تلخيص التفسير الإسلامي بالقول إن الرسول وصف الحجر بأنه من حجارة الجنة، وتم إرساله إلى إبراهيم، الذي ثبته في مكانه. وفي بعض الأقوال إنه سيكون للحجر عيون وفم يوم القيامة، وإنه سيشهد شفاعة لمن قبله. وفي الأحاديث أيضا أن الحجر نزل من الجنة أبيض، لكن خطايا الناس سودته.

كما ينقل التقليد الإسلامي أن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب (634 ـ 644 ميلادية) توجه للحجر بالقول: "إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وإنك لا تضر ولا تنفع. ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك". مع حديث عمر، يصبح إجلال الحجر الأسود بمثابة تقليد متوارث عن الرسول، وهو تقليد تبناه أقرب الصحابة، مثل عمر، من دون أن يفهموا سببه.

لكن الحجر الأسود، الذي قد يبدو أحجية منحدرة من زمن عرب قبل الإسلام (الحج تقليد سابق للإسلام)، ليس من الأحجية بشيء، بل إنه يمكن كتابة تاريخه بالاستناد إلى عدد من المصادر المشرقية والرومانية السابقة للمسيحية والإسلام.

أقدم المصادر منسوب إلى الفينيقي فيلو، من جبيل اللبنانية، والذي كتب بالإغريقية في القرن الميلادي الأول، نقلا عن أعمال فينيقية أقدم كتبها سكون عطا. في وصفه لبدء الخليقة، نقل فيلو رواية فينيقية مفادها أنه في البدء كانت العناصر الأساسية الأربعة ـ الريح والماء والتراب والنار ـ وأن الريح اشتهت الماء ودفعتها، فامتزجت بالتراب وأنتجت وحلا، فطالته النار، فكان حجرا يسبح في الفضاء، ويرى ويسمع، فراكم حكمة، وصار اسمه الإله صافون، أي صوفيا بالإغريقية، آلهة الحكمة.

واللافت أن من معاني صفات أو صفاء أو صفا (مشتقات صافون) بالعربية هي الحجر، وقد تكون كلمة صوفية، مذهب المتصوفين، منحدرة من اسم هذا الإله الأول. وفي تقاليد الصوفيين أن الطالب يرتدي رداء أبيض، وفوقه عباءة سوداء، وهو ما يشبه الحجر الأسود المكي. حتى "عباءة الرسول"، المعروفة بـ"البردة" والتي يفترض أنها محفوظة في تركيا، هي سوداء من الخارج وبيضاء من الداخل.

والأسود هو لون الخلود، فيما الأبيض هو لون دورة الحياة المبنية على الموت والقيامة من الموت.

في عقل الأقدمين، بدأت الحياة الأولى بحجر أسود، وهو حجر الأساس لكل الخليقة، وهو الذي اتجه إليه المؤمنون في عبادتهم. من طوائف الحجر الأسود من تركت خلفها بعض الآثار، مثل صورة معبد "ايلا غبالوس" المنقوشة على نقد يورانيوس انطونيوس، وهو معبد كان في مدينة حمص السورية، ولم يبق منه أثر. والإله غبالوس كان يتمتع بشعبية حتى أسبغ اسمه على أحد أباطرة الرومان بعد موته، وهو الإمبراطور ماركوس أوريلوس (218 ـ 222 ميلادية). ويعتقد المؤرخ فيرغوس ميلار أن اسم "ايلا غبالوس" يعني "إله الجبل"، وهو ما لا يبدو صحيحا، والأغلب أن الأحرف "غ ب ل" تتطابق مع كلمة "قبال" أو "قبلة"، أي المركز الذي يتوجه إليه المؤمنون في صلواتهم وعباداتهم.

مذهب الحجر الأسود هذا يبدو أنه كان منتشرا في مناطق واسعة تمتد من تركيا، إلى سورية ولبنان والأردن، والأرجح في الحجاز حتى مكة. ويلفت ميلار إلى أنه تم العثور على نقوشات مكتوب عليها اسم الإله غبالوس في ضواحي تدمر. وفي السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى أن بعض البلدات السورية التي لا تزال تحمل اسم هذا الإله، مثل الحجر الأسود، ضاحية دمشق، ويمكن أن بعض البلدات الأخرى حملت أسماء مشتقة من "قبلة"، مثل جبلة السورية وجبيل اللبنانية.

استخدم الأتراك الحجارة السود بمثابة طواطم مانحة للشرعية الدينية للحكم

أما الحجارة السوداء، كحجارة نيزكية متساقطة من السماء، فلم يتبق منها في أماكن العبادة إلا في مكة، وفي اسطنبول التركية. وحسب بعض الروايات، فإن الحجر الأسود المكي يتألف من ثماني قطع، فيما ست قطع من الحجر الأسود نفسه موجودة في تركيا.

والرقم ثمانية هو رمز الحياة بعد القيامة، مثل في الأضلاع الثمانية لمبنيي قبة الصخرة وكنيسة الصعود في القدس. أما الرقم ستة، فهو يرمز إلى كل من يحمل صفة "رسول"، وهو رمز مستوحى من الدورة الكاملة لكوكب المشتري، الذي يسير بين نجمتي الصباح والمساء وكأنه رسول بينهما.

القطع في تركيا موجودة في مسجد محمد صوكولو، وهو شخصية خيالية في الغالب يفترض أنه كان زوج إحدى حفيدات السلطان سليمان الأول (1520 ـ 1566 ميلادية)، الذي تم نقل واحدة من الحجرات الست إلى مقام قبره، وأخرى إلى الجامع الأزرق.

هكذا استخدم الأتراك الأحجار السود بمثابة طواطم مانحة للشرعية الدينية للحكم، فيما الأرجح أن هذه الحجارة، وغيرها نيزكية سوداء كثيرة، كانت منتشرة في عدد من المعابد منذ زمن سحيق كرمز للإله الأول، قبل أن تتم إعادة تعريف تاريخها، وتحويلها من رمز لدين الإله صافون أو صوفيا، الحجر الأساس للخليقة، إلى حجر من الجنة، وهو حجر لا سبب واضح للتبرك به، غير التقليد بلا تشكيك، على ما فعل الخليفة عمر.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG