رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأربعاء 19 فبراير 2020

التقويم
فبراير 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29

متى ننجو؟

"أصبح التحكم في الداخل الثائر عصي على النفس إبان وبعد أي حوار عنصري"

د. ابتهال الخطيب/

وكأن العمل الحقوقي في أقل درجات إخلاصه يتطلب أعلى درجات التجرد والمثالية، فأي خطوة خارج دائرة التجرد والمثالية تخرجك مباشرة، مجرجرا ذيل الهزيمة والعار، خارج دائرة العمل الحقوقي.

والحقوقيون، كما تصفهم دكتورة القانون الكويتية مشاعل الهاجري في مدونتها الرائعة المعنونة "التباس" وتحت موضوع بعنوان "الجدل القانوني وشرف السلاح"، هم "افتراضا (وثقة) من مجتمعهم... لن يتحرّوا إلا الحق، ولا شيء عدا الحق. لهذا فقط سُموا ـ تشريفا ـ باسم نِسبةٍ إلى "الحق"، فهم "حقوقيون".

المعضلة العميقة هنا هي أن الحق نسبي في أغلب الأحيان، وإن اختلف على هذا الرأي الفلاسفة على مر الأزمان، وهو يبدو بوجوه عدة من زوايا الحياة المختلفة، فإن كنت تقف في شرق الكرة الأرضية فالحق لربما سيبدو ساخنا، غاضبا وحزينا وإن كنت تقف في غربها لربما سيبدو مرتفعا قويا فارضا نفسه؛ أحيانا يبدو الحق صديقا للفقر والمعاناة وأحايين أخرى يبدو متوازيا والمخاطر الجمة وأحايين ثالثة يبدو عدوا للخير والعدل والسلام. الحق مائع لزج، كأنه صابونة كثيفة الرغوة، لا أنت قادر أن ترى جوفها ولا أن تحكم قبضتك عليها.

هنا تحديدا معضلة الحقوقي، فهو يجب أن يستشعر قوة إيمان كل فرد بحقوقه، وأن يقف موقفا محايدا من هذه الحقوق في ذات الوقت، فالحقوقي يجب أن يؤمن بكل شيء وبلا شيء في آن، أو بالأحرى أن يظهر عمق مساندته وكذلك عمق حياده تجاه المواضيع الإنسانية العميقة الحساسة في ذات اللحظة، وتلك مهمة مستحيلة استحالة وجود حقوقي مثالي.

كيف تقارع بالحجة من يعتقد أن له حقوقا كفلها له حظ لا يد له فيه مطلقا؟

رغم ذلك، علينا كلنا أن نحاول وأن نستمر في المحاولة للوصول إلى درجة مقبولة من الحياد والتعاطف، من فصل القيم والمعتقدات ودمج المشاعر والأحاسيس، من أن نكون على درجة عالية من الموضوعية دون فقدان الاندماج الإنساني والتداخل العاطفي. وفي هذا تقول الدكتورة الهاجري:

"السلاح" الحقوقي ـ مثل أي سلاحٍ نبيل ـ لا يُسحب من غمده إلا بعد فك العديد من الأحزمة القيميّة (التثبّت من الحقيقة، التزام المنطق، اللغة النظيفة، الاستعداد للاعتراف بالخطأ، عدم التحزب، القبول بالمسلمات، افتراض حسن النية، تجنب التضليل، الامتناع عن الخوض بالنوايا، احترام الآخر، دعم الاجتهاد، و عدا ذلك كثير). وفي هذا كله، على الحقوقي دائما أن يضمن مسافة كافية لخصمه يحفظ فيها كرامته، لا تفضلا، وإنما كضمانة أخرى من قبل الحقوقي نحو الوصول إلى الحقيقة، فتمكين الخصم من حفظ ماء وجهه سوف يعني ضمان خطٍ سلسٍ لعودته إلى جادة الصواب، مما يعني مساهمة نبيلة أخيرة من الحقوقي نحو عدم عرقلة أية مساعٍ تقود إلى الحقيقة المرجوّة، بل وفتح كافة المسالك الموصلة إليها".

تأهيل للنفس للوصول إلى قمة المتناقضات التي يتطلبها العمل الحقوقي، أي الموضوعية التامة والمشاعرية الخالصة، أقول انطلاقا من تجربتي، إن استحققت فعلا شرف لقب "حقوقية"، إن تدريب العقل على التثبت من الحقيقة والتزام المنطق واللغة النظيفة والاعتراف بالخطأ وعدم التحزب واحترام الآخر وغيرها من التوصيات التي جاءت على لسان الدكتورة الهاجري ممكن، وإن كان على درجة بالغة من الصعوبة، فهو تدريب يحتاج للذهاب إلى "نادي العقل الصحي" بشكل يومي، لرفع أثقال البحث العميق وتمرين عضلات المنطق واللغة النظيفة واحترام الآخر بشكل مستمر.

معضلتي اليوم هي في "تمكين الخصم من حفظ ماء الوجه" خصوصا وأن الكثير من خصوم هذا الزمن ما عاد لهم ماء وجه يحفظ. وعلى أنني ألتزم الأدب والهدوء الخارجي، أصبح التحكم في الداخل الثائر عصي على النفس إبان وبعد أي حوار عنصري، حيث باتت نفسي تفور داخليا بغضب أكاد أستشعره حروقة في معدتي أو مادة لاسعة في عيني، لا أدري أهو غضب فار نتاج سنوات من محاولة كبحه وتحجيمه أم انطلق نتاج ارتفاع نسبة العنصريات في منطقتنا وهبوط لغة الحوار حول مواضيعها؟

قبل أيام دار حوار قصير بيني وبين إحدى المعارف، أخبرتني من خلاله ما معناه أن التفاوت بين البشر حقيقة لا بد من القبول بها، أن هناك بشر حظهم أن يكونوا فوق وآخرون حظهم أن يكونوا تحت، وأن الحظ هذا عامل لا بد من الاعتراف به ولربما أيضا احترام ضرباته مهما بدت عشوائية وغير عادلة.

دارت بعض الجمل الشائعة من نوع "نعم على رأسنا ريشة" و"هؤلاء يموتون على الدينار" وغيرها بما ذكرني بكلام الجهل والتغييب الذي يدور حول عموم المواضيع الإنسانية في بلدان النفط الغنية حيث أعمت الراحة المادية البصيرة الجمعية لشعوبها، مع الاعتذار عن تعميم غير مقصود هنا وإنما المقصد هو انتشار وافر أعطى الكارثة الأخلاقية هذه صفة الظاهرة المنتشرة.

المعضلة العميقة هنا هو أن الحق نسبي في أغلب الأحيان

كان صعب عليّ أن أستمر في الحوار، وكان أصعب أن أقدم محاولة حفظ ماء وجه وتوفير خط عودة. شعرت ببقايا أكل في معدتي تتسلق مريئي ببطء، حروقة هاجمت عيناي، وغضب ماج في أمعائي، لا أعرف كيف يصل الغضب إلى الأمعاء؟ التزمت الصمت أمام هذه الرؤية الداروينية البشعة التي تحول الحياة إلى غابة، حيث عدد القابلين المقتنعين بها في ارتفاع مستمر، ماذا سيحدث لو أصبحت هذه الفكرة هي سيدة الموقف، هي الكود الأخلاقي الجديد؟

صمت حتى لا أقول شيئا قبيحا، حتى لا أتلفظ بشيء قاس، حتى لا أقطع آخر طرق الرجوع كما تقول دكتورة الهاجري. سكت لحظتها حين لم أجد لطفا ولا منطقا قادرين على تولي المهمة الدفاعية، كيف تستخدم المنطق لمواجهة العنصرية؟ كيف تستخدم المبادئ الإنسانية النبيلة لمصارعة من يتمرغ فرحا في لحظة حظ، لحظة نشوة وضعته في هذا الرحم عوضا عن ذاك؟ كيف تقارع بالحجة من يعتقد أن له حقوقا كفلها له حظ لا يد له فيه مطلقا؟

لا أعلم حقيقة لم أخذني هذا الحوار تحديدا إلى هذا البعد من الغضب، فأنا أسمع من الكلام العنصري وبشكل يومي ما قدم وافر التمرين لعقلي على تحمله والتعامل معه، فما الذي أخذني إلى هذه الدرجة من الغضب والألم، درجة أرقدتني بآلام شديدة في الخاصرة كأنني أمشي بسكين مسنون مغروس فيها؟ أهو مخزون الصبر نفذ؟ أهو تكرار البشاعة حتى مرضت الروح بسبب من روائحها الكريهة؟ أم تراني كبرت وما عدت أتحمل؟ نعم، كبرت وتراكمت عليّ السنوات، وتعبت من القسوة، فمتى "أنجو من الأسر وتنجو؟... لست أدري"*.

*البيت للعظيم إيليا أبو ماضي

اقرأ للكاتبة أيضا: كوميديا فاشلة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صورة تجمع بشار الأسد والأمين العالم لـ "حزب الله" حسن نصرالله خلال التعازي في وفاة الرئيس حافظ الأسد

بابكر فيصل/

شكَّل سقوط الملكية المصرية على يد الجيش المصري في يوليو 1952 (سمّه حركة أو ثورة أو انقلابا) العلامة الأبرز في التحولات التي شهدها العالم العربي من أنظمة الحكم الملكي إلى أنظمة الحكم الجمهوري، وقد أعقب التحول المصري تحولات أخرى في العراق وليبيا واليمن.

من ناحية أخرى، فقد شهدت معظم الجمهوريات العربية انقلابات عسكرية بتوجهات اشتراكية وقومية وإسلامية، بينما ظلت الأنظمة الملكية تحكم العديد من الدول العربية مثل دول الخليج والأردن والمغرب.

وعلى الرغم من الاختلافات الشكلية بين الأنظمة المسماة جمهورية وتلك المسماة ملكية إلا أن أوجه الشبه بينها في النواحي الدستورية والقانونية والاقتصادية كبيرة، وتشكل مزيجا فريدا لهذين النظامين لا يعرفه فقهاء القانون الدستوري ولا يتوفر إلا في بلاد العرب.

تعاني أنظمة الحكم المسماة جمهورية والمتناسلة عن انقلابات عسكرية من أزمة شرعية دستورية وقانونية، وهو الأمر الذي يدفعها الى حل تلك الأزمة عن طريق فبركة دساتير على مقاسها، وتزوير الانتخابات، حتى يتسنى لها البقاء في سدة الحكم، وقد يصل بها الأمر إلى إجراء تعديلات دستورية استثنائية لملء الفراغ الدستوري بسبب وفاة الرئيس وحتى تنتقل السلطة للابن كما حدث في سوريا (ربما كانت هذه أول سابقة في نظام جمهوري في العالم).

القمع يعتبر الوسيلة الثانية التي تلجأ إليها تلك الأنظمة لسد فراغ الشرعية

شعور الكثير من حكام الجمهوريات العربية بعدم التمتع بالشرعية الحقيقية التي تؤمن لهم الاستمرار في الحكم يدفعهم للاعتماد على أفراد العائلة والأقارب والتابعين لملء المناصب ذات التأثير السلطوي ليكونوا سندا فاعلا للحاكم، وكذلك إقامة أجهزة قمع متعددة ومتداخلة الاختصاص لمتابعة المعارضين أحزابا وأفرادا وجماعات.

أنظمة الحكم العربية المسماة جمهورية تعاكس التعريف والمفاهيم التي يعطيها فقهاء القانون الدستوري ومفاهيم أنظمة الحكم باعتبار أن النظام الجمهوري، يستند إلى الإرادة الشعبية ويتيح الفرصة للجميع للتداول على السلطة وتكون صناديق الاقتراع هي الفيصل. وهو الأمر الذي لا يحدث في الجمهوريات العربية التي يبقى فيها الرئيس لعشرات السنين في سدة الحكم.

الأنظمة الملكية كذلك تعاني من أزمة شرعية، فهي تستند إلى شرعية أسرية تاريخية وأخرى دينية (الانتماء لآل البيت)، وترسم خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها، ولا تعرف الإرادة الشعبية، ولا تداول السلطة.

تلجأ الجمهوريات/الملكيات العربية لسد فراغ الشرعية عن طريق الابتزاز، وذلك باللعب على وتر إثارة مخاوف الشعوب من أي منافسين على السلطة، والتشكيك في بدائل النظام القائم، مع تشويه سياسات الأنظمة السابقة من خلال تضخيم ما وقعت فيه من أخطاء. والقصد من توظيف هذه الوسيلة هو إفهام الجماهير أن أوضاعها هي الأفضل في ظل الحكم القائم وأن أي تفكير في تغيير النظام سينطوي على مخاطر كبيرة.

اتسعت دوائر الفقر، وازدادت الهوّة بين قلة من الناس تملك كل شيء، وأكثرية لا تملك شيئا

بجانب الابتزاز، فإن القمع يعتبر الوسيلة الثانية التي تلجأ إليها تلك الأنظمة لسد فراغ الشرعية. انتهاكات حقوق الإنسان هي السمة الأساسية لتلك الأنظمة، مضافا اليها التطبيق الصارم للقوانين المقيّدة للحريات (قانون الطوارئ مطبق في سوريا منذ العام 1963 أي قبل أن يولد الرئيس بشّار الأسد). وكذلك توظف تلك الأنظمة ميزانيات مالية مفتوحة لبناء الأجهزة الأمنية ليس بغرض تأمين المواطن، ولكن لترويعه، ومن أجل السيطرة على الحكم لأطول فترة ممكنة.

بالإضافة لفقدان الشرعية الدستورية والقانونية (غياب الديمقراطية) فإن تلك الأنظمة تشترك في كونها أنظمة تعتاش على الريع الذي لا يحقن الاقتصاد بأي قيمة مضافة ناتجة من تفاعل عوامل الإنتاج (الأرض، العمل، رأس المال)، ولا توجد بها قاعدة صناعية تذكر. فهناك دول يعتمد اقتصادها على ريع النفط مثل دول الخليج، وهناك أخرى ريعية غير نفطية، مثل الأردن ومصر التي تعيش على السياحة وعائدات المغتربين في الخارج والمساعدات الأميركية.

في الأنظمة الريعية المفتقدة للشرعية يحكم النظام قبضته على الثروة (في بعض الأنظمة الملكية يصل نصيب الأسرة المالكة من نفط البلد إلى 40 في المئة)، ويتحكم في صرفها بحسب الأولويات التي يراها، وهي في الغالب أولويات تهدف لاستمرار السيطرة على الحكم، فيتم الصرف على الأجهزة الأمنية وأجهزة القمع، وشراء الذمم والأتباع، وخلق طبقة من رجال الأعمال والمصالح المرتبطة بالنظام الحاكم، ويسيطر الوزراء والمتنفذين وأبناءهم على الشركات وعلى المفاصل المهمة في الاقتصاد (زواج السلطة والثروة).

التتويج الأعلى لخصائص الأنظمة المفتقدة للشرعية الدستورية والقانونية، والمعتمدة على الاقتصاد الريعي يتمثل في انتشار الفساد الذي هو ظاهرة إنسانية لا يخلو منها أي مجتمع أو دولة، ولكنه يشكل كارثة حقيقية في الدول التي تحكمها الأنظمة مدار حديثنا.

قد أدى الانتشار الواسع للفساد المؤسسي في تلك الدول إلى شروخ كبيرة في منظومة القيم الأخلاقية والثقافية، فانتشرت ظواهر الرشوة والمحسوبية والغش والنفاق. وقوى الاتكال والاستهلاك على حساب روح المبادرة.

في الأنظمة الريعية المفتقدة للشرعية يحكم النظام قبضته على الثروة

من جانب آخر، فقد اتسعت دوائر الفقر، وازدادت الهوّة بين قلة من الناس تملك كل شيء، وأكثرية لا تملك شيئا. وتقول الإحصاءات أن أكثر من خمسة وعشرين مليونا من سكان هذه الدول يعانون من سوء التغذية.

على الرغم من أن الفقر لم يستشر بصورة كبيرة في عدد محدود من تلك الدول (الدول البترولية)، إلا أن ذلك لا يعزى للخطط والسياسات الاقتصادية الناجعة بقدر ما هو ناتج عن الفوائض الضخمة من ريع النفط، وحتى هذه الفوائض لم يتم توظيفها بطريقة سليمة، حيث أدى سوء الإدارة والنهب والتبديد لعائدات النفط ـ على سبيل المثال ـ إلى حرمان شعب مثل الشعب الليبي من أن يصبح واحدا من أغنى شعوب العالم إذا أخذنا في الاعتبار تعداده القليل مقارنة بناتجه الضخم من البترول.

اشتراك تلك الدول في الخصائص التي أتينا على ذكرها في هذا المقال (فقدان الشرعية الدستورية والقانونية، الاعتماد على الاقتصاد الريعي، القمع والابتزاز، والفساد) يقود إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد فوارق جوهرية بين الأنظمة التي تحكم تلك الدول، بل هو فقط فارق في الأسماء "جمهورية/ملكية".

اقرأ للكاتب أيضا: رجال الدين والتطبيع مع إسرائيل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG