رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 25 يناير 2019

مقاتل سوري من القوات المدعومة من تركيا خلال مناورة عسكرية في ريف حلب

حازم الأمين/

المهمة التي أوكلتها واشنطن لأنقرة، والمتمثلة بمتابعة ما تبقى من الحرب على "داعش" وعلى الإرهاب في سوريا بعد الانسحاب الأميركي، تبعث فعلا على الحيرة! هل تؤمن واشنطن فعلا بأن أنقرة يمكن أن تتولى هذه المهمة؟ حزمة مؤشرات هائلة كلها تذهب في اتجاه أن رجب طيب أردوغان مثل خلال صعود التنظيم الإرهابي في سوريا ما مثله برويز مشرف في باكستان خلال انقضاض حركة طالبان على أفغانستان في أواسط العقد التاسع من القرن المنصرم.

ابتسامة رجل الأمن التركي في مطار إسطنبول حين كان يختم جوازات سفر "المجاهدين" القادمين من أنحاء العالم إلى سوريا عبر تركيا، هي نفسها ابتسامة رجل الأمن الباكستاني في مطار اسلام آباد حين كان يستقبل أبناء الجيل الأول من المجاهدين. فلنراجع حكايات هؤلاء عن أنفسهم. الواقعة تكررت، ومضافات "القاعدة" في بيشاور يوازيها مضافات "داعش" و"النصرة" في مدن غازي عنتاب وأعزاز وأنطاكيا وغيرها، مع تقدير الفروق الزمنية وبعض الخفر التركي.

لا بد من إعادة نظر غربية بطبيعة أنظمة سياسية من نوع الأنظمة الحليفة في أنقرة وفي إسلام آباد وفي الرياض وفي غيرها من العواصم التي شكلت مصانع "مجاهدين"

ثم أن الشرط السياسي لإيكال واشنطن المهمة لأنقرة أكثر وضوحا من ذلك الشرط الواهي الذي تولت بموجبه اسلام آباد مهمة "الشراكة" في الحرب على الإرهاب في أعقاب فاجعة 11 أيلول/سبتمبر، ذاك أن حكومة اسلام آباد راوغت واشنطن على قاعدة حسابات محلية، وتمكنت طالبان في حينها من اختراق نظام فساد كان يرعاه برويز مشرف، أما في الحالة التركية، فـ"الشراكة" محكومة بالفشل لأسباب أيديولوجية أولا، فدونالد ترامب أوكل للإخوان المسلمين مهمة محاربة "داعش" و"النصرة"، ثم أن العامل القومي حاسم في الوضع التركي، إذ أن الشأن الكردي يتقدم في الوعي التركي على أي شأن آخر في سوريا. وفي هذا السياق يبدو "داعش" حليفا "موضوعيا" لأنقرة. وإذا كان المرء لا يعول على مقولة حزب العمال الكردستاني عن الظلامة الكردية في تركيا وفي سوريا، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق تعاميه عن وجود ظلامة كبرى، وربما كان "بي كي كي" أسوأ تعبير عنها.

لا بد من إعادة نظر غربية بطبيعة أنظمة سياسية من نوع الأنظمة الحليفة في أنقرة وفي إسلام آباد وفي الرياض وفي غيرها من العواصم التي شكلت مصانع "مجاهدين". استهداف "داعش" عرسا أو مسجدا أو دورية جيش في تركيا لا يعني انفضاضا للعلاقة "الموضوعية" بين أنقرة و"داعش". تماما كما أن تولي الجيش الباكستاني تدمير "المسجد الأحمر" على من فيه في إسلام آباد لا يعني أن الحرب الباكستانية على الإرهاب قد بدأت. عشرات الأمثلة تؤكد ذلك وواشنطن تعرف قبل غيرها ما لا يحصى من الحقائق التي تدفع إلى الريبة من هذه الأنظمة.

يبدو الانسحاب الأميركي هدية كبرى لأنقرة، لكن أيضا لطهران وموسكو وغيرها من قوى الشر

ثم أن المقولة الرسمية الأميركية حول الانسحاب من سوريا وتولي دول المنطقة متابعة مهمة "الحرب على الإرهاب"، تنطوي على إغفال لحقيقة أن العالم كله لم يعد في منأى عن الإرهاب، وأن "داعش" هو ابن العالم، تماما مثلما هو ابن أنقرة وطهران والرياض، وترك مهمة محاربته لأنظمة مراوغة سيعيد حتما عقارب الساعة إلى الوراء وسيستيقظ التنظيم في باريس ولندن وبرلين، وسيعبر المحيط مجددا.

الترحيب التركي بالخطوة الأميركية سرعان ما تحول إلى استعداد لحرب على الأكراد. وظيفة الشريط الحدودي الذي تزمع أنقرة على انشائه داخل الأراضي السورية لا يمت بأي صلة لما تعتقد واشنطن بأنه "حرب على الإرهاب".

بقايا "داعش" بعيدة كل البعد عن هذه المناطق، والمدن والبلدات التي سيضمها الشريط جرى فيها دحر التنظيم. وإذا كان من مساحة تقتضي الحرب على الإرهاب تعقب "داعش" فيها، فهي تلك التي سيتيح الانسحاب الأميركي لطهران أن تلعب فيها؛ الحدود السورية العراقية، والصحراء الممتدة إلى الحدود مع الأردن. "داعش" هناك الآن، وتركيا تفاوض طهران وموسكو على تقاسم النفوذ، وغير معنية بما تقول واشنطن إنه مهمتها الرئيسة في الإقليم هذه الأيام، أي إحكام الحصار على إيران.

كل هذا يجعل من محاولة فهم الخطوة الأميركية مهمة صعبة بالفعل. ففي ظل هذا المشهد يبدو الانسحاب الأميركي هدية كبرى لأنقرة، لكن أيضا لطهران وموسكو وغيرها من قوى الشر. لكن الخوف كل الخوف هو أن يكون هذا الانسحاب هدية لـ"داعش" أيضا، ذاك أن التنظيم الإرهابي لم يكن يوما بعيدا عن حسابات هذه الأنظمة المراوغة. فلنعد خطوة إلى الوراء ولنتأمل كيف تقاطعت مصالح هذه الأنظمة على نحو لا يقبل الشك عند مشهد تدفق التنظيم على البلاد والعباد.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ناشط من غرينبيس خلال حملة لتنظيف شاطئ عين الذئاب في الدار البيضاء

سناء العاجي/

المكان: شركة خاصة في مدينة الدار البيضاء (المغرب)، تستقبل عددا كبيرا من الزبائن يوميا. في الفضاء المخصص للأداء والتسليم، توجد لافتة كبيرة كتب عليها ما مضمونه: "موظفونا لا يقبلون البقشيش ولا الهدايا".

للوهلة الأولى، تبدو العبارة جميلة تبين بوضوح شفافية الشركة وأن الخدمة التي يتم تقديمها، لها مقابل مادي واضح هو ذلك المسجل على الفاتورة؛ وأن لا إلزامية لدفع أي مبلغ إضافي آخر، حتى لو كان على شكل هدية.

لكن، وبعد تفكير بسيط، تصبح العبارة موجعة. هذه اللافتة تترجم ببساطة أننا مجتمع يعيش حالة تطبيع مع الرشوة، للاستفادة من خدمات يفترض أنها حقه الطبيعي كزبون أو كمواطن. تطبيع كبير لدرجة يصبح معها العكس استثناء تجب الإشادة به.

حين يطبق القانون، يشعر سائق السيارة أو الدراجة بالظلم، حتى وهو قد ارتكب مخالفة فعلية

الذي يحدث أنك تعطي مبلغا بسيطا لموظف، كـ"هدية" أو بقشيش، لكنه يتعود على ذلك البقشيش/الهدية فيصبح مع مرور الأيام غير قادر على القيام بعمله، الذي يتلقى من أجله أجرة، إلا إذا استفاد من البقشيش. هنا بالضبط، تتحول "الهدية" لرشوة، لأنها تصبح مقابلا لخدمة يفترض أن لا مقابل لها خارج ما هو معلن رسميا.

من بين مشكلاتنا العويصة، أننا نشتكي (عن صواب) من أشكال الخلل التي تغرق فيها مجتمعاتنا: الفساد بكل أشكاله، الرشوة، الفوضى، النفايات في الشارع... لكن هذه الممارسات، وإن كانت تترجم تهاون السلطات والمنتخبين المحليين في القيام بواجبهم (النظافة، البنيات التحتية، إلخ)، إلا أنها تترجم انخراطنا في نظام عام "غير المواطن"، ومساهمتنا في دعم هذا النظام اللامواطن.

هناك نفايات في الشوارع لأن السلطات المحلية لا تقوم بواجبها بشكل جيد في عملية التنظيف. لكن هذا يعني أيضا أن كثير من المواطنين يرمون النفايات في الشارع، حتى حين تتوفر صناديق القمامة. بل لا يتورع بعض الذكور (مثلا) عن التبول في الشارع العام بشكل وقح يساهم في العفن المحيط بنا، لكنه، أكثر من ذلك، يخلّ بالذوق العام وبمبادئ العيش المشترك والاحترام... وربما بالإنسانية بكل بساطة.

هناك فوضى في الشوارع لأن قانون السير لا يطبق إلا في إطار حملات موسمية وبشكل انتقائي، وبالتالي يعيش المواطن الذي يملك سيارة أو دراجة نارية إحساسا عاما بـ"الإفلات من العقاب". سرعة زائدة، عدم احترام الإشارات، الركن في أماكن غير قانونية، إلخ. لا شيء يستدعي العقاب، إلا نادرا.

الكارثة أنه، حين يطبق القانون، يشعر سائق السيارة أو الدراجة بالظلم، حتى وهو قد ارتكب مخالفة فعلية. شعور قد نتفهم أسبابه حين نعرف أن لدى هذا المواطن الوعي بأن القانون لا يطبق إلا بين الفينة والأخرى. لذلك، فحين يطبق عليه، يشعر أنه "ضحية".

هناك فوضى في الشوارع لأن قانون السير لا يطبق إلا في إطار حملات موسمية وبشكل انتقائي

هذا طبعا ليس تبريرا ولا شرعنة لخرق القانون. لكن الأكيد أنها مسؤولية مشتركة: شرطة المرور لا تطبق القانون بشكل صارم (تبقى لدي القناعة الأكيدة أن تطبيق قانون السير بشكل صارم وجدي ومستدام، وحده سيحل العديد من إشكاليات السير وتدبير الفضاء العام في المغرب). لكن إشكالية السلوك المواطن تبقى مطروحة وبحدة: السائق المغربي عموما، وخصوصا في مدينة الدار البيضاء، يمارس نوعا من الفوضى غير الخلاقة بتاتا، في علاقته بالطريق وبقانون السير. أنانية وعجرفة وشطط في استعمال الطريق وإشارات المرور تصنع من شوارعنا حربا حقيقية تقتل حوالي 11 شخصا يوميا (هو تقريبا نفس الرقم في فرنسا، لكن بتعداد سكاني يعادل قرابة الضعف مقارنة مع المغرب وبعدد سيارات يعادل ثلاث مرات عدد السيارات في المغرب).

في مدينة كتطوان ونواحيها، شمال المغرب، نجد سلوكا مختلفا بالمرة. علاقة السائق بالطريق هناك مختلفة ومتحضرة جدا: احترام الأسبقية للراجلين، احترام قانون السير وإشارات المرور، إلخ. فهل المواطن المغربي في تطوان غير المواطن المغربي في الدار البيضاء، أم أن هناك وصفة نجحت هناك وتصرّ السلطات على عدم استعمالها في باقي المدن؟

القضية ليست قضية قانون السير أو النفايات. هذه الفوضى العارمة يمكن أن نطبقها على علاقتنا بالمشترك العام: التجهيزات العامة، الفضاء المشترك في الإقامات السكنية سواء منها الشعبية أو الراقية، تدبير فضاءات العمل المفتوحة (open spaces)، إلخ: هناك خلل من طرف السلطات والمنتخبين وغيرهم، في القيام بمسؤولياتهم وفي تنفيذ القانون بشكل صارم وواضح وشفاف، وخصوصا تطبيقه على الجميع.

وهناك، من جهة المواطن، علاقة نفور مع السلوكيات المواطنة: ينتقد غيابها في بلده، لكنه يساهم بدوره في الفوضى العارمة. ينتقد السلوكيات السلبية لغيره لكنه يمارس نفس السلوكيات.

في النهاية، واقعنا المرير الذي ننتقده... نحن جزء فاعل فيه!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG