رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 1 نوفمبر 2019

طالبة طب ترفع لافتة تقول: "نريد وطن" خلال التظاهرات المعارضة للحكومة

د. عماد بوظو/

مشهد الدراجات النارية وعناصر "حزب الله"، وهي تقتحم ساحات الاعتصام لترهيب المتظاهرين اللبنانيين السلميين، والتي تزامنت مع قتل عشرات المتظاهرين العراقيين وإصابة آلاف منهم بجراح على يد ميليشيات موالية لإيران، وما سبقها من تقرير رسمي اعترفت فيه الحكومة العراقية بمقتل 149 متظاهر في بداية شهر أكتوبر الماضي على يد الميليشيات نفسها، كشف عن المدى الذي أوصل إليه النظام الإيراني الأحزاب الموالية له، وكيف دفعها إلى القيام بممارسات تتناقض مع تاريخ وجوهر الفكر الشيعي.

فقبل النظام الإيراني الحالي كان تاريخ الشيعة هو سلسلة من النضال والثورات ضد الحكام المستبدين، استلهم فيها الفكر الشيعي الكثير من منطلقاته ومبادئه من ما حدث في كربلاء يوم عاشوراء، عندما أقدم جيش من آلاف الجنود على قتل الحسين حفيد الرسول مع ثلّة صغيرة من أهله وأصحابه والتمثيل بجثثهم. صاغ استنكار هذه الجريمة والندم على عدم القيام بما يكفي لمنعها، التقاليد الفكرية والروحية عند الشيعة، التي دعت إلى الالتزام بنصرة الحق والوقوف مع المظلوم، ونتيجة لذلك وجد شيعة العصر الحديث أن هناك الكثير مما يجمعهم مع الحركات الوطنية واليسارية في إيران والعراق ولبنان والخليج.

ترافق السلوك الدموي للميليشيات والأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران مع فساد وإثراء وبذخ

ففي إيران تبنى رجال الدين الشيعة قضايا شعبهم ودافعوا عن مصالحه ووقفوا ضد سيطرة الشركات البريطانية على الاقتصاد فدعموا ثورة التبغ عام 1890 ضد الاتفاق الذي أبرمه الشاه ناصر الدين، وحصر فيه تجارة التنباك بيد شركة بريطانية، ثم تحالفوا في خمسينيات القرن الماضي عبر آية الله كاشاني مع الزعيم الوطني محمد مصدّق، وكان لهذا التحالف الدور الرئيسي في تسلّم مصدق رئاسة الوزراء بصلاحيات كاملة وقيامه بتأميم النفط الإيراني، وعندما وقع الخلاف بين مصدّق وكاشاني حاول آية الله طالقاني التوسط بين الإثنين.

وبعد ربع قرن في بدايات الثورة الإسلامية اعترض طالقاني على محاولات المتطرفين اعتقال ومحاكمة اليساريين والليبراليين، ولكن مساعيه لم يكتب لها النجاح لأنه توفي عام 1979 ويقال إنه لو بقي حيا ربما لتغير الكثير من الممارسات القمعية للنظام الإيراني.

وفي ذلك الوقت كان جنوب العراق يأوي المحرومين الريفيين وهم في أغلبيتهم من الشيعة، بينما كانت الفئات الميسورة تتواجد في بغداد والمنطقة الوسطى، في استمرار للسياسة العثمانية والبريطانية التي كانت تعطي للنخبة المدينية السنيّة امتيازات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ساعد هذا الغبن على انتشار الأفكار التي تدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والنضال ضد الظلم في صفوف الشيعة، ومن هؤلاء أتت أبرز الوجوه الثقافية والفكرية في العراق من محمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وجعفر الخليلي وجواد علي حتى مظفر النواب والكثير جدا من الأسماء التي من الصعب حصرها، وتعرّض جميع هؤلاء للسجن والملاحقة نتيجة إخلاصهم لقيمهم وصلابة مواقفهم.

وفي لبنان تعرّض جبل عامل أيضا للاضطهاد من قبل العثمانيين وولاة دمشق وأمراء صفد وجبل لبنان، ولذلك وجدت الحركات السياسية في الجنوب تربة خصبة لنشاطها خاصة تلك التي كانت تدعو للعدالة الاجتماعية، ولم يقتصر تميّز شيعة لبنان على الأمور الفقهية بل برز من أعلامهم الدكتور شريف عسيران والمخترع حسن كامل الصباح، والإعلامي كامل مروة مؤسس عدة صحف بينها الحياة، والدكتور والباحث والسياسي حسين مروة، والدكتور في الفلسفة مهدي عامل.

رجال دين من الطائفة الشيعية خلال تظاهرات في النجف
رجال دين من الطائفة الشيعية خلال تظاهرات في النجف

ولكن هذه الحيوية الفكرية والثقافية والمرجعية الأخلاقية التي ميزت الشيعة في القرن العشرين تعرضت إلى انتكاسة كبيرة بعد الثورة الإسلامية. ففي إيران تحولت بعض القوى التي كانت تناضل لنصرة المظلومين والمحرومين إلى سلطة بطش بدأت عهدها بإعدام عشرات آلاف المعترضين على نظام ولاية الفقيه، وتحول ضحايا الأمس إلى قتلة ينفذون أبشع الجرائم بدم بارد، ودفعهم تمسكهم بالسلطة خلال العقود الماضية إلى ارتكاب مجازر بحق شعبهم فاقت في دمويتها ما ارتكبته الأنظمة السابقة.

وفي العراق بمجرد وصول أحزاب ولاية الفقيه إلى السلطة، أقصيت الأصوات المعتدلة والحضارية من الساحة السياسية والثقافية العراقية، وبرزت قيادات جديدة جاهلة ومتعصّبة قامت بتصفية خصومها من المثقفين والسياسيين والمفكرين.

وفي لبنان اعتمدت التنظيمات الشيعية الموالية لإيران على الاغتيالات كوسيلة للتخلص من أصحاب الرأي الحر، فاغتالت حسين مروة وهو على أبواب الثمانين من عمره، ثم مهدي عامل وأضافت بعد سنوات قائمة جديدة لضحاياها حيث تتهم من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باغتيال رفيق الحريري وجورج حاوي ومحاولة اغتيال الياس المر ومروان حمادة، ويتهمها كثيرون باغتيال سمير قصير وجبران تويني وغيرهم من الرموز الثقافية والسياسية المعروفة في لبنان وخارجه.

وترافق السلوك الدموي للميليشيات والأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران مع فساد وإثراء وبذخ، بشكل بعيد عن الزهد في متاع الدنيا الذي لازم المذهب الشيعي منذ أيام أبو ذر الغفاري. فرؤوس الفساد في إيران اليوم هم كبار رجالات الدين ومسؤولي الجمهورية الإسلامية.

أما العراق فقد تحوّل أغلب قادة الأحزاب المعارضة لنظام صدام بعد الوصول للسلطة إلى لصوص، قاموا بسرقة عشرات مليارات الدولارات واحتموا بالنظام الإيراني من المطالبات الشعبية بالتحقيق معهم ومحاسبتهم.

وفي لبنان مع استمرار زعماء الشيعة الموالين لإيران في مناصبهم الحزبية والرسمية لعقود، أصبح نمط حياتهم الباذخ لا يختلف عن الإقطاعيات السياسية الأخرى، وقال الدكتور ماثيو ليفيت مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن "فساد حزب الله يستشري أعمق بكثير مما يمكن لنصر الله الاعتراف به، وهو أعقد مما يمكن للجنة مكافحة الفساد التابعة للحزب أن تعالجه".

رؤوس الفساد في إيران اليوم هم كبار رجالات الدين ومسؤولي الجمهورية الإسلامية

ولم تكتف هذه الطبقة السياسية الفاسدة في إيران والعراق ولبنان بإفقار شعوبها، بل عمدت إلى استغلال فقر شباب الشيعة لإلحاقهم في ميليشيات مسلّحة تحمي بها سلطتها وفسادها، بحيث تحولت كوادر الأحزاب الشيعية الموالية للنظام الإيراني إلى مرتزقة، حيث أن المال وليس الإيمان بالفكر هو السبب الرئيسي في دخولهم إلى هذه الميليشيات والأحزاب.

حتى تجارة المخدرات أصبحت وسيلة مقبولة عند الأحزاب المرتبطة بالنظام الإيراني، يمكن إيجاد مبررات سياسية وفتاوى دينية لممارستها، لأنها من المصادر المهمة لتمويل هذا المحور من إيران إلى العراق حتى لبنان.

ترافق كل هذا مع قحط ثقافي وفكري بحيث لم يبرز من "شيعة" ولاية الفقيه طوال العقود الأربعة الماضية أي وجه ثقافي أو فكري أو علمي أو سياسي، ولكن الإساءة الأكبر التي ألحقتها ممارسات وسياسات قيادة الثورة الإسلامية بالحركات الشيعية كانت الخسارة الأخلاقية، فبعد أربعة عشر قرنا من التراث الشيعي الذي ارتكز على رمزية "انتصار الدم على السيف"، أو الحق على القوة، أصبح "شيعي" ولاية الفقيه هو المعتدي والظالم الذي شملت قائمة ضحاياه الشعب الإيراني والسوري والعراقي واللبناني.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
متظاهرة في بيروت ترفع لافتة تطالب بإلغاء النظام الطائفي

عمران سلمان/

مقتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي، بالشكل الذي تم فيه، ومن قبله بن لادن والزرقاوي وغيرهم، هو تذكرة بأن التنظيمات الإرهابية مهما بالغت في الإجرام وتفننت في أشكال الدعاية والتحشيد، فإن مصيرها في نهاية المطاف هو السقوط والتدحرج نحو الهاوية. لكن هذا السقوط يشكل من جانب آخر فرصة لمجتمعاتنا لبحث أعمق في هذه الظاهرة والاستنتاجات التي يمكن الخروج بها.

مشاريع لا مستقبل لها

بالطبع لا يعني القضاء على البغدادي وقياداته نهاية "داعش" نفسه، أو نهاية الإرهاب باسم الدين، ولكنه يعني انتهاء حقبة شهدت أسوء ما يمكن أن يتفتق عنه العقل البشري من إجرام حتى الآن. وأقول حتى الآن، لأنه يمكن لتنظيم إرهابي جديد أن يطل على الساحة، من بين رماد القرون الوسطى، ويزيد ويتفوق في إجرامه وإرهابه على "داعش" و"القاعدة".

إن سقوط التنظيمات الإرهابية، وإن كان يحدث مباشرة بسبب مواجهة الأجهزة الأمنية والعسكرية لها، إلا أن الحقيقة الأبعد هي أن مشاريع هذه التنظيمات لم يكن لها مستقبل، وهي غير قابلة للعيش في هذا العصر.

يتوق الكثيرون، وخاصة في المجتمعات المختلطة طائفيا ودينيا، إلى التخلص من الطائفية

لنتخيل لو تمكنت الدولة التي أعلن عنها "داعش" في العراق وسوريا من الصمود حتى الآن، فكيف ستتدبر أمرها من دون غزو أو نهب، وكيف ستتمكن من التعايش مع محيطها، أو مع العالم. إنها ستسير حتما إلى الصدام والقتال، وسوف يؤذن ذلك بنهايتها عاجلا أو آجلا.

هذا يعني أن مشاريع هذه التنظيمات بمختلف تلاوينها، ليست مشاريع لبناء دول أو تطوير مجتمعات مهما كانت الزخارف التي تستخدمها، ولكنها مشاريع تحركها الغرائز البدائية والرغبة في السيطرة على البشر وحيازة الثروة، حالها في ذلك حال اللصوص الذين يسطون على المنازل أو المحلات، ولكنهم يعلمون بأنهم سوف يقعون في قبضة رجال الشرطة آجلا أو عاجلا.

المسكوت عنه

لكن مكمن الخطورة في هذه التنظيمات، والمعاناة التي تجلبها للبشرية، من اللحظة التي تطل فيها على الحياة إلى حين القضاء عليها، إنما يكمن في العقائد الفاسدة التي تستند عليها. وهي عقائد تتماهى ظاهرا، مع عقائد غالبية المسلمين، لكنها في جوهرها منبتّة الصلة عنها.

إنها تشتغل في ذلك الحيز المسكوت عنه في وعي كل عربي ومسلم عن شكل الدولة التي يريد أن يحيى فيها، والموقف من التراث والآخر وأين يصطف حينما يتعلق الأمر بالانتماء المذهبي أو الديني أو القومي.

ولأن هذه القضايا لا يجري الحديث عنها عادة إلا همسا أو لمزا، ولم يتم وضعها على طاولة البحث والنقاش الحر والجاد والعلني حتى الآن، فإنها تظل قضايا صالحة يمكن توظيفها من قبل جميع الطامحين إلى السيطرة وسواء كانوا من التنظيمات الإرهابية أو الأنظمة السياسية وغيرها.

ويمكننا أن نرى كيف أن الصراع المذهبي، على سبيل المثال، قد برز بصورة كبيرة في الأزمات الحالية التي تجري في أكثر من بلد عربي، رغم أن الأساس في هذه الأزمات ليس طائفيا، والخلاف يدور في الغالب حول قضايا سياسية واقتصادية ومعيشية تهم السواد الأعظم من المواطنين.

الخروج من الدوامة

هذا يدفعنا إلى القول إن القضاء على تنظيم "داعش"، وإن كان فيه قضاء على آلة من آلات الموت والدمار، إلا أنه يجب أن يكون فرصة لهدف أكبر وهو أن يتمكن المزيد من العرب والمسلمين من البدء في إجراء نقاش حر وهادف حول القضايا المسكوت عنها.

فهذا النقاش هو الذي سوف يساعد الأجيال الحالية والمقبلة على التحرر من الدوران في نفس الحلقة المفرغة التي ندور فيها اليوم. بل يجعل التحركات المطلبية والسياسية المختلفة الذي تشهدها أكثر من ساحة عربية ذات مغزى وتصل إلى نتائج عملية.

مكمن الخطورة في هذه التنظيمات يكمن في العقائد الفاسدة التي تستند عليها

بعبارة أخرى، فإن أي حراك سياسي قد ينجح في رفع الغطاء عن الفساد والتجاوزات والعصبيات الطائفية والقبلية وما شابهها، لكنه بمفرده لا يمكنه أن يغير من تركيبة المجتمع، التي سوف تظل مرهونة لهذه العصبيات، بشكل أو بآخر، ما لم يتم في الوقت نفسه إجراء حوارات مجتمعية معمقة حول هذه القضايا، باتجاه مقاربة تعلي من الشأن المدني والمواطنة الجامعة.

يتوق الكثيرون، وخاصة في المجتمعات المختلطة طائفيا ودينيا، إلى التخلص من الطائفية، وهم محقون في ذلك، ولكن الطوائف لن تزول، والانتماء الطائفي لن يزول، ولكن المطلوب والممكن هو تحويل هذا الانتماء إلى قيمة إضافية إيجابية، بدلا من أن يكون قيمة سلبية وعبئا على هذه المجتمعات. وهذا يحدث فقط عبر فتح الأبواب على مصراعيها للنقاش والحوار حول القضايا الأساسية وليس التحزب والهمس وراء الأبواب المغلقة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG