رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 8 نوفمبر 2019

طالبة فنون عراقية ترسم جدارية تضامنا مع المتظاهرين

سناء العاجي/

منذ سنوات طفولتنا الأولى، نشأنا بفكرة مفادها أن القضية الفلسطينية جزء من هويتنا ومن الهم المشترك الذي يجب أن نحمله كـ "عرب"، مع الفلسطينيين.

ثم تمدد الوجع، فشملت معاناة الحرب والثورات الدامية اليمن والعراق وسوريا ودولا أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط... مع فارق جوهري أن القتلة اليوم ليسوا إسرائيل، بل هم "الإخوة" و"الجيران"، وأحيانا أهل البلد نفسه!

القتلة هم أشخاص يشبهون الضحايا، في اللكنة واللهجة والهوية والانتماء.

ثم يأتي عليك فاعل في المجتمع المدني أو الفكر والثقافة من العراق أو سوريا، ليلوم "صحفيي ومثقفي باقي بلدان المنطقة لأنهم لا يتابعون تفاصيل الحرب في بلده ولا يتضامنون مع الضحايا".

التضامن يجب أن يكون إنسانيا، أولا وقبل كل شيء

لطالما اعتبرت أن أكبر ظلم يمكن أن نقدمه للفلسطينيين هو التضامن معهم بمنطق الانتماء العربي أو الإسلامي أو حتى الشرق أوسطي. التضامن مع الفلسطينيين ضد المحتل الإسرائيلي وجرائمه يجب أن يكون تضامنا إنسانيا بالدرجة الأولى. أن نتضامن معهم باسم اللغة أو الدين أو الانتماء الجغرافي هو اعتداء على عدالة قضيتهم. أن نتضامن معهم باسم المشترك الثقافي أو الجغرافي أو الديني يحرمهم من تضامن أشخاص من أوروبا وأستراليا وأميركا يؤمنون بعدالة قضيتهم خارج الانتماء العرقي أو الديني؛ بل وحتى من تضامن أشخاص يدينون باليهودية ولا يتفقون مع الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل. في قلب إسرائيل نفسها، هناك أقليات لم تخضع للتعتيم الإعلامي وحافظت على قدرتها على الموضوعية والانتقاد ضد جرائم المحتل. إن أردنا التضامن مع الفلسطينيين باسم العروبة أو الإسلام، فهذا يعني أن تضامن كل هؤلاء لا قيمة له!

التضامن يكون أولا من باب الإنسانية... كما نتضامن مع ضحايا الإرهاب في كينيا أو الولايات المتحدة أو فرنسا أو الهند، سنتضامن في اليمن أو سوريا. كما قد التقتيل في بورما، سنرفضه في العراق والصومال. كما نرفض قتل المسلمين باسم التطرف أو المصالح السياسية، يجب أن نرفض قتل اليهود أو المسيحيين أو الملحدين باسم الجهاد! من باب الإنسانية أولا...

من جهة أخرى، فإن الاهتمام بقضايا معينة يفترض أن ينبع من الداخل ولا يمكن استجداؤه. اللبناني المشغول بقضيته الداخلية اليوم، هل من حقنا أن نلومه لأنه يركز اهتمامه على ما يحدث وما قد يحدث في بلده، أكثر من تركيزه على هموم الجيران؟ الجزائرية التي تخرج للشارع كل جمعة وتتابع تطورات الأحداث في بلدها، هل من حقنا أن نلومها لأنها لا تهتم بأخبار اليمن وتداعيات الحرب فيها؟

هذا لا يعني القبول بانعزال الفرد عن محيطه والتركيز على قضياه الداخلية. لكنه من واجبنا أيضا أن نتفهم أن كل بلد من بلدان المنطقة غارق في دماء الثورات أو في أشكال أخرى من الظلم التي تستنزف الكثير من طاقاته لمواجهتها.

الاهتمام بقضايا معينة يفترض أن ينبع من الداخل ولا يمكن استجداؤه

من ناحية أخرى، فالفاعلون في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها من البلدان يعبرون عن أصواتهم و/أو عن معاناتهم بالشكل الذي يجعلها تصل للعالم. قد يسمعها الآخرون بالشكل المناسب وقد لا يفعلون. لكننا لا نستطيع أن نلوم هذا الآخر لأنه لا يتابع قضايانا ولأننا لم نوصلها له ربما بالشكل الذي يثير اهتمامه... وخصوصا حين يكون هذا الآخر نفسه غارقا في واقع لا يختلف كثيرا عما نعيشه.

الأساسي والأهم في النهاية هو أن نسعى لإثارة اهتمام العالم لقضيتنا ومعاناتنا والظلم الذي نتلقاه... ليس من باب الاستجداء العاطفي لمن نعتبرهم إخوة في الدم أو الدين أو العرق أو اللغة... بل من باب الإنسانية.

كإنسان، لا يمكننا أن نشجع القتل والتدمير والاحتلال والعنف، سواء كان الضحية مسلما أو بوذيا. عربيا أو كرديا. قريبا أو بعيدا... بل حتى حين يكون القاتل منا، فإن التضامن الإنساني مع الضحية واجب. هذا ما يفترض أن يحدث حين يقتل مسلمون من بلداننا أبرياء في بروكسيل أو مدريد أو نيويورك. هذا ما يفعله بعض اليهود والإسرائيليين حين يتضامنون مع حق الفلسطينيين في دولة وفي الكرامة والسلم. هذا ما يفترض أن يحدث حين يقتل السوريون أو اليمنيون بعضهم باسم تصور معين للوطن وللحقوق... التضامن يجب أن يكون إنسانيا، أولا وقبل كل شيء.

اقرأ للكاتبة أيضا: فقهاء الجنس والنساء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

طالبة طب ترفع لافتة تقول: "نريد وطن" خلال التظاهرات المعارضة للحكومة

د. عماد بوظو/

مشهد الدراجات النارية وعناصر "حزب الله"، وهي تقتحم ساحات الاعتصام لترهيب المتظاهرين اللبنانيين السلميين، والتي تزامنت مع قتل عشرات المتظاهرين العراقيين وإصابة آلاف منهم بجراح على يد ميليشيات موالية لإيران، وما سبقها من تقرير رسمي اعترفت فيه الحكومة العراقية بمقتل 149 متظاهر في بداية شهر أكتوبر الماضي على يد الميليشيات نفسها، كشف عن المدى الذي أوصل إليه النظام الإيراني الأحزاب الموالية له، وكيف دفعها إلى القيام بممارسات تتناقض مع تاريخ وجوهر الفكر الشيعي.

فقبل النظام الإيراني الحالي كان تاريخ الشيعة هو سلسلة من النضال والثورات ضد الحكام المستبدين، استلهم فيها الفكر الشيعي الكثير من منطلقاته ومبادئه من ما حدث في كربلاء يوم عاشوراء، عندما أقدم جيش من آلاف الجنود على قتل الحسين حفيد الرسول مع ثلّة صغيرة من أهله وأصحابه والتمثيل بجثثهم. صاغ استنكار هذه الجريمة والندم على عدم القيام بما يكفي لمنعها، التقاليد الفكرية والروحية عند الشيعة، التي دعت إلى الالتزام بنصرة الحق والوقوف مع المظلوم، ونتيجة لذلك وجد شيعة العصر الحديث أن هناك الكثير مما يجمعهم مع الحركات الوطنية واليسارية في إيران والعراق ولبنان والخليج.

ترافق السلوك الدموي للميليشيات والأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران مع فساد وإثراء وبذخ

ففي إيران تبنى رجال الدين الشيعة قضايا شعبهم ودافعوا عن مصالحه ووقفوا ضد سيطرة الشركات البريطانية على الاقتصاد فدعموا ثورة التبغ عام 1890 ضد الاتفاق الذي أبرمه الشاه ناصر الدين، وحصر فيه تجارة التنباك بيد شركة بريطانية، ثم تحالفوا في خمسينيات القرن الماضي عبر آية الله كاشاني مع الزعيم الوطني محمد مصدّق، وكان لهذا التحالف الدور الرئيسي في تسلّم مصدق رئاسة الوزراء بصلاحيات كاملة وقيامه بتأميم النفط الإيراني، وعندما وقع الخلاف بين مصدّق وكاشاني حاول آية الله طالقاني التوسط بين الإثنين.

وبعد ربع قرن في بدايات الثورة الإسلامية اعترض طالقاني على محاولات المتطرفين اعتقال ومحاكمة اليساريين والليبراليين، ولكن مساعيه لم يكتب لها النجاح لأنه توفي عام 1979 ويقال إنه لو بقي حيا ربما لتغير الكثير من الممارسات القمعية للنظام الإيراني.

وفي ذلك الوقت كان جنوب العراق يأوي المحرومين الريفيين وهم في أغلبيتهم من الشيعة، بينما كانت الفئات الميسورة تتواجد في بغداد والمنطقة الوسطى، في استمرار للسياسة العثمانية والبريطانية التي كانت تعطي للنخبة المدينية السنيّة امتيازات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ساعد هذا الغبن على انتشار الأفكار التي تدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والنضال ضد الظلم في صفوف الشيعة، ومن هؤلاء أتت أبرز الوجوه الثقافية والفكرية في العراق من محمد مهدي الجواهري ومحمد صالح بحر العلوم وجعفر الخليلي وجواد علي حتى مظفر النواب والكثير جدا من الأسماء التي من الصعب حصرها، وتعرّض جميع هؤلاء للسجن والملاحقة نتيجة إخلاصهم لقيمهم وصلابة مواقفهم.

وفي لبنان تعرّض جبل عامل أيضا للاضطهاد من قبل العثمانيين وولاة دمشق وأمراء صفد وجبل لبنان، ولذلك وجدت الحركات السياسية في الجنوب تربة خصبة لنشاطها خاصة تلك التي كانت تدعو للعدالة الاجتماعية، ولم يقتصر تميّز شيعة لبنان على الأمور الفقهية بل برز من أعلامهم الدكتور شريف عسيران والمخترع حسن كامل الصباح، والإعلامي كامل مروة مؤسس عدة صحف بينها الحياة، والدكتور والباحث والسياسي حسين مروة، والدكتور في الفلسفة مهدي عامل.

رجال دين من الطائفة الشيعية خلال تظاهرات في النجف
رجال دين من الطائفة الشيعية خلال تظاهرات في النجف

ولكن هذه الحيوية الفكرية والثقافية والمرجعية الأخلاقية التي ميزت الشيعة في القرن العشرين تعرضت إلى انتكاسة كبيرة بعد الثورة الإسلامية. ففي إيران تحولت بعض القوى التي كانت تناضل لنصرة المظلومين والمحرومين إلى سلطة بطش بدأت عهدها بإعدام عشرات آلاف المعترضين على نظام ولاية الفقيه، وتحول ضحايا الأمس إلى قتلة ينفذون أبشع الجرائم بدم بارد، ودفعهم تمسكهم بالسلطة خلال العقود الماضية إلى ارتكاب مجازر بحق شعبهم فاقت في دمويتها ما ارتكبته الأنظمة السابقة.

وفي العراق بمجرد وصول أحزاب ولاية الفقيه إلى السلطة، أقصيت الأصوات المعتدلة والحضارية من الساحة السياسية والثقافية العراقية، وبرزت قيادات جديدة جاهلة ومتعصّبة قامت بتصفية خصومها من المثقفين والسياسيين والمفكرين.

وفي لبنان اعتمدت التنظيمات الشيعية الموالية لإيران على الاغتيالات كوسيلة للتخلص من أصحاب الرأي الحر، فاغتالت حسين مروة وهو على أبواب الثمانين من عمره، ثم مهدي عامل وأضافت بعد سنوات قائمة جديدة لضحاياها حيث تتهم من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باغتيال رفيق الحريري وجورج حاوي ومحاولة اغتيال الياس المر ومروان حمادة، ويتهمها كثيرون باغتيال سمير قصير وجبران تويني وغيرهم من الرموز الثقافية والسياسية المعروفة في لبنان وخارجه.

وترافق السلوك الدموي للميليشيات والأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران مع فساد وإثراء وبذخ، بشكل بعيد عن الزهد في متاع الدنيا الذي لازم المذهب الشيعي منذ أيام أبو ذر الغفاري. فرؤوس الفساد في إيران اليوم هم كبار رجالات الدين ومسؤولي الجمهورية الإسلامية.

أما العراق فقد تحوّل أغلب قادة الأحزاب المعارضة لنظام صدام بعد الوصول للسلطة إلى لصوص، قاموا بسرقة عشرات مليارات الدولارات واحتموا بالنظام الإيراني من المطالبات الشعبية بالتحقيق معهم ومحاسبتهم.

وفي لبنان مع استمرار زعماء الشيعة الموالين لإيران في مناصبهم الحزبية والرسمية لعقود، أصبح نمط حياتهم الباذخ لا يختلف عن الإقطاعيات السياسية الأخرى، وقال الدكتور ماثيو ليفيت مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن "فساد حزب الله يستشري أعمق بكثير مما يمكن لنصر الله الاعتراف به، وهو أعقد مما يمكن للجنة مكافحة الفساد التابعة للحزب أن تعالجه".

رؤوس الفساد في إيران اليوم هم كبار رجالات الدين ومسؤولي الجمهورية الإسلامية

ولم تكتف هذه الطبقة السياسية الفاسدة في إيران والعراق ولبنان بإفقار شعوبها، بل عمدت إلى استغلال فقر شباب الشيعة لإلحاقهم في ميليشيات مسلّحة تحمي بها سلطتها وفسادها، بحيث تحولت كوادر الأحزاب الشيعية الموالية للنظام الإيراني إلى مرتزقة، حيث أن المال وليس الإيمان بالفكر هو السبب الرئيسي في دخولهم إلى هذه الميليشيات والأحزاب.

حتى تجارة المخدرات أصبحت وسيلة مقبولة عند الأحزاب المرتبطة بالنظام الإيراني، يمكن إيجاد مبررات سياسية وفتاوى دينية لممارستها، لأنها من المصادر المهمة لتمويل هذا المحور من إيران إلى العراق حتى لبنان.

ترافق كل هذا مع قحط ثقافي وفكري بحيث لم يبرز من "شيعة" ولاية الفقيه طوال العقود الأربعة الماضية أي وجه ثقافي أو فكري أو علمي أو سياسي، ولكن الإساءة الأكبر التي ألحقتها ممارسات وسياسات قيادة الثورة الإسلامية بالحركات الشيعية كانت الخسارة الأخلاقية، فبعد أربعة عشر قرنا من التراث الشيعي الذي ارتكز على رمزية "انتصار الدم على السيف"، أو الحق على القوة، أصبح "شيعي" ولاية الفقيه هو المعتدي والظالم الذي شملت قائمة ضحاياه الشعب الإيراني والسوري والعراقي واللبناني.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG