رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 1 فبراير 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر

أبطال حقيقيون

أنور الشميري

"حنين"..

زاوية يكتبها رابح فيلالي

ـــــــــــــــــــــ

لا شيء في قلبه سوى ذلك الحنين المعلن والجارف لوطنه الأم اليمن، ولا شيء في حياته سوى ذلك القلب الذي ينبض محبة وبلا انقطاع لأهله هناك.

قرأت حكايته كاملة في صحيفة اليمني الأميركي، للزميل العزيز رشيد النزيلي، قبل أن أعمل على تحويل قصته من مقال صحافي إلى قصة تلفزيونية لامست قلوب آلاف من مشاهدينا الكرام.

إنه أنور الشميري، يمني يعيش في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان. منذ اندلاع الحرب في بلاده قبل أربع سنوات انقطع عن أهله بالكامل، ولم يعد في إمكانه زيارة العائلة الكبيرة والصغيرة في مدينته تعز. لكنه اختار أن يعوض ذلك الحنين بصنيع لا يقل جمالا وإبداعا وإدهاشا عن لقاء الأحبة، وذلك من خلال اختياره العمل في وظائف ثلاثة طيلة أيام الأسبوع السبعة لأجل جمع المال الكافي وإرساله لأهله في اليمن، في محاولة منه لمساعدتهم على تجاوز آثار الحرب المدمرة في حياتهم.

واجهت ممانعة معلنة من أنور لأجل إظهار قصته على التلفزيون، وهو الرجل الذي يفضل دوما أن يظل بعيدا عن الضوء، ويقول بنبرة صوت عميقة ومتدفقة إنه يفضل أن يجعل صنيعه بينه وبين الله ولا يريد لأحد أن يعرف قصته الشخصية.

العزيز رشيد النزيلي الذي يرتبط بمحبة صادقة بأنور، وكلاهما من أبناء اليمن الذين مسهم الضر جراء ما يحدث في بلادهم، وجد الطريق أخيرا لترتيب جلسة مصورة لي مع أنور.

يقول أنور وهو يتحرك وسط انشغاله في وظيفته الثانية كمشرف على قاعة للأفراح بديربورن بعد الفراغ من وظيفته الأولي في محلات الأسواق العربية، وقبل أن ينتقل في نهاية الأسبوع للعمل في أحد مطاعم المدينة إنه يفعل ذلك وفي قلبه مرارة عميقة أنه لا يستطيع الوفاء بكل ما في عنقه من دين ومحبة لأهله في تعز، ومع هذا الجهد العملي العظيم لا يجد أنور لنفسه ما يكفي من مال لأجل شراء أو كراء سيارة لتنقله بين وظائفه الثلاث، لذلك عادة ما يستعين بالأصدقاء كما هو الحال مع رشيد أو آخرين أو اللجوء إلى استعمال وسائل النقل العمومي بين المحطات الثلاث.

يعمل أنور جاهدا لأجل مساعدة الأهل هناك في الوطن الجريح، ولا يتوقف عن إعلان أمنياته بأن يكون الجميع بخير في كل الوقت.

ولأن انور رياضي ولاعب كرة قدم سابق في مراحله الباكرة من العمر، لا يزال يرتبط بمشاعر فياضة تجاه شركائه في تلك التجربة التي عمرت شبابه الباكر في تعز.

ووفاء منه لهؤلاء راح يجمع المال في ديربورن، ويعمل على تمويل دورات وبطولات لكرة القدم في مدينة تعز، ويجهز الفرق المحلية بما يلزمها من معدات رياضية مقاومة لظروف الحرب، لأن الغاية كما يقول أنور هي ألا يتسلل اليأس إلى قلوب اليافعين وشباب تعز جراء أهوال الحرب ومخلفاتها من فقر وعوز هناك.

لا ينزعج أنور أن يكتفي بلباس واحد وحداء واحدا، وأن يعيش في شقة بسيطة وصغيرة مستأجرة، ولا يحزن قلبه كثيرا أن تتأخر عائلته الصغيرة في المجيء إلى ديربورن لتقاسمه سعيه الحثيث لخدمة عائلته الكبيرة في تعز المدينة وفي اليمن الوطن.

أنور وهو يفعل هذا صنع من قصته ملحمة إنسانية حركت المشاعر في ديربورن، وجعلت منه علامة لبطل حقيقي ليس بعطائه لما يملك، بل بإصراره على تسخير جهده اليومي خدمة للآخرين ومن غير انقطاع أو تعب أو من أو سلوى أو حتى ضجيج.

قال لي أنور أيضا إنه يسعى إلى لفت انتباه ميسوري الحال من أبناء اليمن في الخارج، وهم كثر، إلى تلك الأوضاع المؤلمة التي يعيشها اليمنيون في الداخل، وأن أي عطاء أيا كان حجمه صغيرا أو كبيرا، سيكون قطعا نافعا للمحتاجين هناك من أطفال ويافعين وشيوخ ونساء وعجزة، وما أكثر هؤلاء في محنة اليمن القائمة حاليا.

لا ينسى أنور أبدا أن يكرمك في محل عمله كما يفعل أهل اليمن عامة وأنت ضيف بينهم، لكن الأهم عنده هو أن يحدثك بعيون غارقة في وجعها عن أوجاع أهله في اليمن بمحبة لا تخطئها العين المقابلة.

تجلى ذلك في وضوح بين وأنا أسأل أنور عن اللحظة التي لامست قلبه أكثر من غيرها وهو يسمع شكر أهل مدينته تعز وعرفانهم بحهده الإنساني اللافت، إلى الحد الذي جعل بعضهم يعتقد أن أنور صاحب أملاك واسعة، وهم لا يعرفون أن أنور لا يملك من الدنيا سوى سعة قلبه وكريم إنسانه وجهد يومه ليجعل من الابتسامة الدائمة طريقه إلى قلوب الآخرين.

أسأل أنور عن اللحظة التي لامست قلبه فلا يتردد في أن يقول لي إن أحد أهالي مدينة تعز كان ضريرا ووصله جزء من المساعدات التي أرسلها انور من مدينة ديربورن، وخاطبه عبر كاميرا الهاتف داعيا له بالخير والسلامة والصحة والعافية.

يقول أنور إن رؤية عيون الرجل الضرير الغارقة في دموعها، ولسانه يكرر الدعاء من غير انقطاع كانت اللحظة الأكثر هزا لقلبه ومشاعره.

أنور يعيش حياته البسيطة، يكرمك عندما تقصده، يدعو لك وأنت تغادر مجلسه، ويمضي إلى صمته في خدمة دائمة للآخرين، لكن حنينه يظل دائما مقيما ومعلنا على لسانه وفي قلبه لأهله في اليمن، وأكثر من كل ذلك لعائلته الصغيرة التي يؤمل نفسه ان يتسع جهده لإحضارها قريبا من تعز إلى ديربورن.

وأنا أمد يدي مصافحا للاستئذان قالت خواطري وأنا أرى ذلك البريق في عيني أنور: كم في الحياة من أبطال حقيقيين لكنهم ولسوء الحظ لا يجدون الطريق ليكونوا في عناوين نشرات الأخبار، لكن ومع ذلك لا شيئ يغير من حقيقة بطولاتهم.

أخجلتنا يا أنور بسعة إنسانك.

نساء هنديات يقرأن القرآن في حيدر آباد

سناء العاجي/

النقاشات الدائرة حاليا في مجموعة من دول المنطقة حول مجموعة من القضايا، كقداسة "البخاري" و"مسلم" وإمكانية مراجعة عملهما أم لا؛ المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة؛ حقوق المرأة عموما؛ الحريات الفردية (حرية المعتقد، الحريات الجنسية، إلخ)؛ علاقة الدين بالحياة اليومية... كل هذه نقاشات إيجابية وصحية، رغم كمّ العنف والتوتر الذي يحيط بها في الكثير من الأحيان.

لقرون طويلة، اعتبر معظم المسلمين أن "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" هما "أصحّا كتاب بعد القرآن". إن هذه المقارنة في حد ذاتها تشكل نوعا من الاعتداء على الدين وتزويره، فكيف يقارن مؤمن كلام الله بكلام نقله شخصان عاديان لا هما برسولين ولا نبيين ولا مقدسين؟ "البخاري" و"مسلم"، شئنا أم أبينا، هما بشر، شخصان قاما بمجهود بشري يحتمل الصحيح ويحتمل الخطأ؛ بينما القرآن كلام إلهي منزل. فكيف نقارن الاثنين، حتى لو وضعنا "الصحيحين" في مرتبة تالية بعد القرآن؟

عمر بن الخطاب، على سبيل الذكر لا الحصر، ألغى العمل بقطع يد السارق، وألغى نصيب المألفة قلوبهم

إلى غاية السنوات السابقة، كان مجرد انتقاد الكتابين يعتبر كفرا... وهذه بدورها مغالاة عظيمة. فهل مناقشة وانتقاد كتابين بشريين، مهما بلغ إيمان صاحبيهما ومهما بلغ حسن نيتيهما، يعدّ كفرا؟

اليوم، يناقش الكثير من الباحثين والمفكرين كتابي البخاري ومسلم، منتقدين المنهجية، والمحتوى وبناءه التاريخي وأحيانا تناقضه مع القرآن، إضافة إلى غياب النسخ الخطية الأصلية لصاحبيهما، وغيرها من النقاط المرتبطة بالكتابين.

أي نعم، هذا الانتقاد يصحبه في الغالب عنف من طرف الجهة المعارضة (التي ما زالت تفكر بمنطق تكفير كل من يناقش "أصح كتابين بعد القرآن"). لكن هذا النقاش في حد ذاته صحي وإيجابي، حتى لو أخذ عقودا أخرى ليأتي أُكله.

نفس الشيء بالنسبة لنقاش المساواة في الإرث. نستطيع أن نتصور ببساطة أن أولى المجتمعات المسلمة التي ألغت تفاصيل مذكورة في القرآن (العبودية، ملك اليمين، الجهاد والفتوحات، "المؤلفة قلوبهم"، الحدود، إلخ) واجهت نفس العنف الذي نواجهه اليوم في نقاش المساواة في الإرث؛ رغم أن الذي حدث بكل بساطة أن تلك المجتمعات تماشت مع تطورات عصرها وواقعها آنذاك. هذا، مثلا، ما فعله معظم الخلفاء، سنوات قليلة بعد وفاة الرسول.

عمر بن الخطاب، على سبيل الذكر لا الحصر، ألغى العمل بقطع يد السارق، وألغى نصيب المألفة قلوبهم، إلى أن أعاد عمر بن عبد العزيز العمل به (علما أن سهم المؤلفة قلوبهم هو فريضة في القرآن؛ فهل نتخيل أن تلغى فريضة، تماشيا مع تطور الزمان آنذاك، سنوات قليلة بعد وفاة الرسول؟) وهذه مجرد نماذج من بين حالات أخرى كثيرة.

اليوم، الواقع الاقتصادي والاجتماعي يقول بأن تقسيم الإرث بصيغته الحالية مجحف في حق المرأة. النساء اليوم يساهمن فعليا في الاقتصاد الأسري، كما أنهن يؤدين نفس نسب الضرائب ونفس الأسعار في كل المحلات ووسائل النقل وغيرها. على سبيل المثال، في المغرب، خمس الأسر تعولها امرأة فقط؛ دون احتساب الأسر التي يعولها رجل وامرأة.

قدر المجتمعات، حين تأخذ منعرجات مهمة، أن تقضي فيها وقتا أطول من تحول الفرد أو المجموعة الصغيرة

لكن، مرة أخرى، وحتى لم يحدث التغيير خلال السنوات القليلة المقبلة، فمجرد بدأ النقاش في الموضوع، مهما كان هذا النقاش متشنجا، هو في حد ذاته أمر إيجابي لأنه يعني أن "الثوابت" القديمة بدأت تتزعزع... أن أسئلة جديدة بدأت تطرح، رغم إصرار البعض على تقديم نفس الأجوبة دائما، حتى لو كان الدهر قد أكل وشرب على تلك الأجوبة.

وقس على ذلك في نقاشات حرية المعتقد، الحريات الجنسية، حقوق المرأة، وغيرها من الحقوق التي يرفض حراس المعبد وأتباعهم الإيمان بها.

شئنا أم أبينا، نحن نعيش اليوم في مجتمعات متحولة تناقش تحولاتها. هذا النقاش كثيرا ما يكون متشنجا... لكنه لا محالة سيفضي للتغيير. تغيير قد يأخذ سنوات وقد يأخذ عقودا حتى... لكنه آت لا محالة.

قدر المجتمعات، حين تأخذ منعرجات مهمة، أن تقضي فيها وقتا أطول من تحول الفرد أو المجموعة الصغيرة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG