رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 22 فبراير 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
تعمل في إحدى مزارع الفراولة في الريف المغربي

سناء العاجي/

يتغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي... ولا تتغير كثير من الممارسات، مهما كانت ظالمة. من ضمن تلك الممارسات، هناك تقسيم الأدوار بين الأزواج في تدبير حياتهم المشتركة.

في عهود سابقة، كان التقسيم كلاسيكيا واضحا: الرجل يشتغل خارج البيت وينفق على الأسرة، والمرأة تشتغل داخل البيت وتهتم بشؤونها.

هذا التقسيم في حد ذاته غير عادل، مهما بدا غير ذلك. الشخص الذي يشتغل خارج البيت تكون له ساعات عمل محددة خلال اليوم وأيام عمل محددة خلال الأسبوع، وهو بذلك يستفيد من عطلة أسبوعية وعطلة سنوية ومن فترة راحة خلال اليوم؛ بينما، حين تتكفل امرأة بمسؤولية البيت، فهي لا تستفيد من عطلة سنوية (لأنها "تخدم" أسرتها حتى خلال عطلة الزوج والأبناء) ولأنها تشتغل خلال ساعات طويلة من الليل والنهار.

ليس من المنطقي ولا من العدل أن يغير الرجل ملابسه ولا يهتم بتنظيفها لاحقا

حتى عبارة "زوجتي/أمي لا تشتغل" هي في حد ذاتها مجحفة، لأن تلك الزوجة/الأم، في أغلب الحالات، تشتغل وتشتغل كثيرا.

الآن، تغير الوضع وأصبحت كثير من النساء عاملات خارج البيت. على سبيل المثال، 24 في المئة من النساء المغربيات عاملات، علما أن هذا الرقم لا يشمل النساء اللواتي يشتغلن في القطاع غير المهيكل. بمعنى أنه، على الأقل، هناك امرأة من كل أربع نساء تشتغل وتساهم في الإنفاق على الأسرة. كما أن 18 في المئة من الأسر المغربية (مما يشكل الخمس) تنفق عليها امرأة فقط.

في ظل هذا التغير الكبير، لم يحدث إلا تغيير طفيف على مستوى تقسيم الأدوار داخل البيت. اليوم، حين يشتغل الأخوان أو الزوجان، وبعد يوم العمل، يعود الرجل إلى البيت كي "يرتاح من يوم عمل منهك"؛ بينما يكون على الزوجة أو الأخت أن تبدأ يوم عمل جديد من خلال الاعتناء بشؤون البيت والطهي والأطفال والتنظيف.

نحن هنا لا نتحدث عن الأسر الغنية والتي توجد بها عاملة نظافة، تساعد الزوجة في تدبير شؤون البيت؛ بل نتحدث عن أغلبية الأسر، حيث تتكفل الزوجة بمعظم المهام. بل وحتى حين تكون هناك عاملة نظافة تساعدها، فسيكون عليها الإشراف عليها ومتابعتها دونا عن الزوج أو الأخ.

لنتخيل إن كانت كل النساء العاملات، بعد يوم عمل مضن، يعدن إلى البيت "كي يرتحن من يوم عمل شاق!".

حتى لغويا، وحين يتكفل زوج أو أخ ببعض التفاصيل الخاصة بالبيت، فنحن نعبر عن ذلك بكونه "يساعد زوجته/أخته في أعباء البيت"، وكأن تلك من مسؤوليتها الصرفة، وهو "يساعدها" فقط.

في عدد من الحالات الواقعية، قد يكون الزوج أو الأخ عاطلا عن العمل، وتكون الزوجة هي المعيل الأساسي للأسرة، لكنه مع ذلك لا يقتسم معها مسؤوليات البيت. بل إن الإنصاف في هذه الحالة يقتضي أن يتكفل كليا بمسؤوليات البيت لأنه "جالس بالبيت"، كما تقول الأغلبية في وصفها للنساء اللواتي لا يعملن خارج البيت، وكأنهن في عطلة وحالة استرخاء دائم.

الكارثة هي حين يستمر الرجال المتعلمون، في ممارسة دور "سي السيد"

بل إن عددا من الباحثين يذهبون اليوم إلى الحديث عن إدماج مساهمة النساء ربات البيوت، في حساب الدخل الوطني الداخلي، باعتبار مساهمتهن غير المباشرة في الإنتاج.

الكارثة هي حين يستمر الرجال المتعلمون، الواعون بكون هذا الوضع غير منصف، في ممارسة دور "سي السيد"... الرجال الذين تهتز كرامتهم حين يتكفلون بـ "أعمال نسائية"؛ والذين يستعملون شعار "أنا لا أحسن الطهي"، "أنا لا أجيد نشر الغسيل".

الإنصاف الحقيقي والمنطق يقتضيان أن هناك عددا من الأشخاص يقتسمون العيش في بيت مشترك. مهما كانت طبيعة العلاقة بينهم (إخوة، أزواج، إلخ)، فإن تقسيم الأعمال المنزلية يجب أن يكون مشتركا. لسنا مضطرين لوضع جداول تقسم المهام بالتفصيل، لأننا ندبر علاقات إنسانية.

لكن الأكيد أنه من الظلم أن يتناول عدد من الأشخاص وجبتهم، وأن يعتبر الجميع أن الطبيعي أن يتربع الرجال بعد ذلك حول المائدة بانتظار الشاي والقهوة، وأن تقوم النساء وحدهن بغسل الأواني وتنظيف المطبخ، بينما أكلوا جميعا. ليس من المنطقي ولا من العدل أن يغير الرجل ملابسه ولا يهتم بتنظيفها لاحقا. ليس من العدل ولا من المنطقي أن لا يفكر الرجل بتاتا في إعداد الوجبات... وليس من المنطقي أن يتم هذا التقسيم بهذا الشكل، لا لكفاءات معينة لأحدهما، بل لمجرد انتماء جنسي لم يختاراه، وهو بالتالي لا يمثل تميزا لأحدهما.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
طالبان لم تتغير، وربط قضية حرية وحقوق المرأة بما تسميه الحركة "الشريعة الإسلامية" لا يعكس شيئا سوى التدليس والمراوغة المتعمدة، حيث أن جميع ممارسات القمع والتنكيل والحرمان السابقة تمت أيضا تحت اسم تلك الشريعة

بابكر فيصل/

تواترت الأنباء عن إحراز تقدم ملحوظ في المفاوضات التي تجري بين الإدارة الأميركية وحركة طالبان في العاصمة القطرية من أجل التوصل لاتفاق سلام يمهد للانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد مرور أكثر من سبعة عشر عاما على دخول قواتها للانتقام من تنظيم القاعدة ومستضيفيه عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001.

اللافت في أمر تلك المفاوضات أن طالبان رفضت إجراء محاورات مع الحكومة الأفغانية التي لا تعترف بشرعيتها إذ تعتبر أنها حكومة نصبها الاحتلال الأميركي, وقررت الدخول في تفاوض مباشر مع الإدارة الأميركية, وهو أمر ستكون له دلالة كبيرة حال التوصل لاتفاق سلام لأنه سيعطي طالبان اليد الطولى في تشكيل مستقبل الحكم والدولة على اعتبار أنها الحركة التي قاومت الاحتلال الذي خضعت له بقية الفصائل الأفغانية.

العقلية الطالبانية لا تزال ترفض أسلوب الحكم المدني الديمقراطي

وقد بدأت بوادر هذا الأمر تتضح منذ الآن في التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، عقب انتهاء جولة المفاوضات الأولى في الدوحة، حيث قال في حوار مع وكالة "فرانس برس" إن الهدف الأول لحركته هو انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وأضاف "ثانيا، نريد إقامة نظام إسلامي".

وشرح مجاهد ماهية النظام الذي يرغبون في إقامته بالقول إنه "سيقام على مبدأ الشورى الذي سيتخذ على أساسه الخبراء الإسلاميون القرارات بمشاركة ممثلي الشعب والعلماء"، وأوضح أن الحركة "لديها أمل مئة في المئة بإمكانية تأسيس نظام من هذا النوع".

الحديث أعلاه يوضح أن طالبان ستعود إلى أساليبها القديمة نفسها، ذلك لأن النظام الذي يتحدث عنه بلا أسس معلومة، فالكلام عن الشورى هو مجرد شعار لا يمكن إنزاله على أرض الواقع، وقد سبق أن تحدث عنه نظام الملالي في إيران ونظام الإخوان المسلمين في السودان ولكنه في خاتمة الأمر لم ينتج سوى دول استبدادية تتحكم فيها حفنة من رجال الدين (الخبراء الإسلاميون والعلماء) وتقصي جميع فئات الشعب باسم الشريعة.

وهذا الأمر قد اتضح بجلاء أكثر في تصريح آخر لكبير مفاوضي طالبان شير محمد عباس ستانيكزاي الذي قال إن حركته تطالب بتعديل الدستور لأنه "غير شرعي"، وأضاف أن الدستور يجب أن يعتمد على "مبادئ الإسلام والمصالح الوطنية والمجد التاريخي والعدالة الاجتماعية".

من الجلي أن الهدف الذي تسعى طالبان لتحقيقه هو صياغة دستور مستمد من فهمها للشريعة الإسلامية، لا يكون بالضرورة متضمنا لمبادئ تنظم الحرية وتضمن تداول السلطة وتؤسس للحقوق والواجبات على أسس المواطنة، فهي تعتبر الدستور الحالي مخالفا للشريعة لأنه ينبني على مبادئ الديموقراطية التي تقول الحركة إن الدولة الإسلامية لا تعترف بها وتعتبرها نظاما مستوردا من الغرب.

لا بأس أن يتذكر الناس أن تجربة حكم طالبان السابقة قد اتسمت بممارسات سياسية وثقافية ودينية تنتمي إلى العصور الوسطى ولا علاقة لها بما يجري في عالم القرن الحادي والعشرين، كما أنها أظهرت الجهل الفاضح للحركة وقياداتها بأصول الحكم والإدارة الحديثة وقواعد السياسة المعاصرة.

لقد تركزت أولويات الحركة على التطبيق العنيف للقوانين والعقوبات الجسدية من شاكلة الجلد والرجم، كما أنها ركزت جل جهودها في تنفيذ الفتاوى الانصرافية مثل قياس لحى الرجال بالمسطرة، وإجبار الزوجات على وشم أذرعهن بأسماء أزواجهن، وتحطيم التماثيل البوذية وأجهزة التلفزيون وأشرطة الفيديو، في الوقت الذي كانت فيها غالبية الشعب الأفغاني تعاني من الفقر والمرض والجهل!

ليس هذا فحسب، بل إن أبرز معالم نظام الحكم الطالباني قد تجلت في القسوة الشديدة وتطبيق أبشع صور الكبت والتنكيل وقمع الحريات، حيث عانت كافة قطاعات الشعب الأفغاني من العسف والملاحقة، وخصوصا المرأة التي تم حبسها في المنزل، وسلبت حقوقها في العمل والتعليم والعلاج على أيدي الأطباء الذكور.

إذا إن المخاوف من عودة دولة الرعب الطالباني تعتبر مشروعة، على الرغم من تصريحات قادة الحركة بأنهم قد تغيروا، إذ أكد مجاهد على سبيل المثال أن الحركة الآن "لا تعارض تعليم النساء وستحاول إيجاد بيئة آمنة لتعليمهن وعملهن" وأضاف قائلا: "كل ما هو متاح للنساء ضمن الشريعة الإسلامية سيسمح به".

الحديث أعلاه يؤكد أن طالبان لم تتغير ولم تبارح مربعها الأول، ذلك لأن ربط قضية حرية وحقوق المرأة بما تسميه الحركة "الشريعة الإسلامية" لا يعكس شيئا سوى التدليس والمراوغة المتعمدة، حيث أن جميع ممارسات القمع والتنكيل والحرمان السابقة تمت أيضا تحت اسم تلك الشريعة، فما الذي تغير إذا؟

تركزت أولويات الحركة على التطبيق العنيف للقوانين والعقوبات الجسدية من شاكلة الجلد والرجم

العقلية الطالبانية لا تزال ترفض أسلوب الحكم المدني الديمقراطي وتتمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية، وعليه فإن التغيير الذي تتحدث عنه الحركة لن يكون تغييرا حقيقيا يطال المفاهيم والمنطلقات الفكرية الأساسية التي حكمت بها في الماضي، بل سيكون تبديلا شكليا وصوريا في بعض الأمور الثانوية البسيطة بينما يظل جوهر الحكم الأصولي الإقصائي موجودا.

ومن ناحية أخرى, فإنه من غير المؤمل أن يقع تغييرا حقيقيا في خبرة ودراية الحركة بأصول الحكم وطرق إدارة الدولة الحديثة، حيث ظلت طالبان في حالة حرب متواصلة منذ عام 2001، وبالتالي فإنه لم تتح لها فرصة حقيقية للتدريب وتطوير المعرفة العلمية والعملية بأساليب تسيير دولاب الدولة وإدارة شؤونها في مختلف الجوانب، مما ينذر بأن عودة الحركة لن تحمل جديدا يذكر في هذا الإطار أيضا.

حقق الشعب الأفغاني خلال السنوات الماضية مكاسب كبيرة في مجالات الدستور والحريات وتداول السلطة رغم استمرار العنف وعمليات التفجير من قبل طالبان، وقد كانت المرأة من أكثر المستفيدين من هذه المكاسب، حيث منحها الدستور حقوقا كثيرة ووفر لها ضمانات قانونية للمشاركة في السياسة والحصول على التعليم والرعاية الصحية، وهو الأمر الذي جعل النساء يقتحمن مجال العمل كموظفات ومعلمات وطبيبات وصحافيات ومقاولات وناشطات مجتمع.

علمتنا التجارب ودروس التاريخ أن الدخول في العملية الديمقراطية والتظاهر بقبول أشراطها لن يثني الطغاة وأصحاب العقلية الاستبدادية عن الانقضاض عليها وإقامة أسوأ أنواع الديكتاتوريات، ودوننا تجربة الرايخ الثالث في ألمانيا، وليس ببعيد عنها انقلاب الإخوان المسلمين على النظام الشرعي الذي كانوا جزءا منه في السودان، ولذلك فليس من المستبعد أن تبدي طالبان التزاما بالحكم التعددي الذي يشمل كل ألوان الطيف الأفغاني، ثم تنقلب عليه وتعود لممارسة ذات الأساليب التي حكمت بها في السابق.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG