رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الثلاثاء 5 فبراير 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
الحجاب

منصور الحاج/

من الفترات المزعجة من سنين مراهقتي تلك الفترة التي تحولت فيها من مراهق عادي "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ويعيش حياته كغيره من المراهقين إلى سلفي متشدد يحرص على تغيير واقع أمته على الطريقة "الوهابية" من خلال فرض مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن والمنكر.

وكان من أول القرارات التي اتخذتها بعد دخولي إلى نفق التشدد أن استبدلت أشرطة الكاسيت الغنائية بأناشيد ومحاضرات إسلامية ثم منعت الاستماع إلى الموسيقى في المنزل وأجبرت شقيقتي على ارتداء النقاب أي تغطية وجهها كاملا بحكم أن ذلك هو حكم الشرع ومنحت نفسي ـ نسبة لكوني الأخ الأكبر ـ سلطة تطبيق أوامر الله في بيتنا.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها

تذكرت تلك المرحلة المزعجة من حياتي وأنا أتابع الحملة التي دشنتها منظمات وجمعيات ومراكز دينية إسلامية في أكثر من 20 دولة لجعل أول يوم في شهر شباط/فبراير من كل عام يوما عالميا للحجاب يشجعن فيه غير المحجبات على ارتداء الحجاب كبادرة رمزية تهدف إلى التأكيد على حق النساء في ارتداء الحجاب وللتنديد بالتصرفات والأحداث العنصرية التي يتعرضن لها في المجتمعات الغربية.

وعلى الرغم من تجسيد الحجاب لكل أوجه التسلط الذكوري والتخلف المجتمعي والظلم، إلا أن منظمات حقوق الإنسان وجدت نفسها مجبرة على تأييد حق النساء في ارتدائه دون اعتبار لمعاناة الملايين اللواتي يجبرن على ارتدائه واللواتي يعنفن بل ويتعرضن للقتل بسبب رفضهن ارتدائه، في تجاهل تام لأجندات المنظمات الإسلامية التي تحرص على الترويج للحجاب على أنه حق وحرية شخصية؛ وهو فعلا كذلك في الحالات التي تملك فيها الإناث الحق في الاختيار بعيدا عن النصوص الدينية التي تتوعد "الكاسيات العاريات" وتسلط العائلة والمجتمع لكنها في الحقيقة تسعى إلى تحجيم دور المرأة وحقها في الاختيار.

لست هنا لأنفي تعرض الكثير من المسلمين والمسلمات لاعتداءات عنصرية بسبب ديانتهم أو طريقة لبسهم، شملت حتى بعض الهنود من طائفة السيخ لتشابه زيهم التقليدي مع المسلمين؛ إلا أن القوانين في الدول الغربية تتصدى بقوة لجرائم الكراهية وتنصف المؤسسات العدلية أولئك الذين تعرضوا للتمييز بسبب ديانتهم أو لارتدائهم للحجاب، الأمر الذي يجعل تخصيص يوم عالمي للحجاب فكرة سخيفة خاصة وأن هناك ملايين النساء في الدول الإسلامية والعربية كالسعودية وإيران يجبرن على ارتدائه ويعاقبن إن لم يفعلن.

إن من الأولى أن تنتصر تلك المنظمات التي تدعي الحرص على حق المرأة في ارتداء الحجاب لملايين النسوة اللواتي لا يملكن الحق في الخروج بدون حجاب، ودعم الحملة التي تقودها الناشطة ياسمين محمد، وهي كندية من أصول مصرية وتهدف لتخصيص يوم عالمي بدون حجاب تتضامن فيه المحجبات اللواتي اخترن الحجاب عن قناعة وإرادة حرة مع بنات جنسهن اللواتي لا يملكن الحق على خلعه وقد يفقدن حياتهن إن قررن ذلك.

فعلى سبيل المثال، في كانون الأول/ديسمبر 2007، قتلت المراهقة أقصى برويز (16 عاما) خنقا على أيدي شقيقها ووالدها في مقاطعة أونتاريو الكندية بسبب إعلانها رغبتها عدم ارتداء الحجاب. في حزيران/يونيو 2103، قتلت مراهقة مصرية تدعى أميرة نفسها بعد تعرضها للعنف على يدي والدها بسبب رفضها ارتداء الحجاب. في آذار/مارس 2017، أقدمت أم في مدينة بولونيا الإيطالية على قص شعر ابنتها البالغة من العمر 14 عاما بعد علمها أن ابنتها تكشف شعرها بمجرد خروجها من المنزل.

هذه فقط ثلاثة أمثلة من آلاف الحوادث المؤسفة التي تابعتها وسائل الإعلام العالمية، أما حالات القمع والاضطهاد المسكوت عنها فهي أكثر من أن تعد وتحصى، وتنتشر في العديد من دول العالم وليس فقط الدول العربية والإسلامية، كما هو ملاحظ من مأساة أقصى برويز في كندا وقصة المراهقة الإيطالية؛ إذ نقل بعض المسلمين ثقافة الإكراه والتسلط معهم إلى الدول التي لجأوا إليهم هربا من القمع والاضطهاد، وبدلا من الاستفادة من الثقافة التربوية في الدول المضيفة نظروا إليها بازدراء ولم يكتفوا فقط بالتمسك ببعض العادات والتقاليد والسلوكيات المتخلفة بل أردوا إجبار أطفالهم عليها.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها. فأعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات.

إن النساء في الدول الغربية لسن بحاجة إلى ارتداء الحجاب لتأييد حق المحجاب في ارتدائه، بل إن كثير من النسويات يعارضن الحجاب ويرونه تكريس للنظرة الدونية للمرأة، إلا أنهن في الوقت نفسه يدافعن عن المحجبات وعن حقهن في عدم التعرض للتمييز والعنصرية بسببه.

أعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات

وبمتابعة الحملتين على موقع "تويتر" عبر الأوسمة المخصصة لكل حملة كـ "حريتي في حجابي" و"التحرر من الحجاب" و"يوم بلا حجاب" و"يوم عالمي للحجاب" نرى بوضوح أن قصص اللواتي قررن خلع الحجاب بعد أن تحررن من قيود الأسرة والمجتمع عبر الهروب أو الهجرة أكثر إلهاما وتجعل من تخصيص يوم عالمي تحتفل فيه من تحررن من أغلال الحجاب المفروض عليهن أمرا ملحا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'تسقط تسقط تسقط بس'

وبالنظر إلى عشرات الصور التي نشرنها محجبات سابقات في وسم "التحرر من الحجاب" ومئات التغريدات لمؤيدات للحملة لكنهن يخشين على أنفسهن من التعرض لسوء إن هن نشرن صورهن بلا حجاب ندرك بلا أدنى شك مدى عبثية الحملة المطالبة بتخصيص يوم عالمي للحجاب في الوقت الذي تفرض فيه الأنظمة الدكتاتورية والجماعات الجهادية الحجاب على النساء وتعطي الذكور سلطة فرضه على ذويهم بالقوة.

تقول منظمة حملة "يوم بلا حجاب" إن حملتها لا تهدف إلى معاداة المسلمين بأي شكل من الأشكال، وإنما هي حملة للتضامن مع النساء اللواتي ينشدن الحرية. وأنا أضيف إلى قولها إن أعداء الحرية فقط هم يعارضون منح النساء الحق في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه.. فاختر أن تكون من أنصار الحرية تربت يداك.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

أبطال حقيقيون

أنور الشميري

"حنين"..

زاوية يكتبها رابح فيلالي

ـــــــــــــــــــــ

لا شيء في قلبه سوى ذلك الحنين المعلن والجارف لوطنه الأم اليمن، ولا شيء في حياته سوى ذلك القلب الذي ينبض محبة وبلا انقطاع لأهله هناك.

قرأت حكايته كاملة في صحيفة اليمني الأميركي، للزميل العزيز رشيد النزيلي، قبل أن أعمل على تحويل قصته من مقال صحافي إلى قصة تلفزيونية لامست قلوب آلاف من مشاهدينا الكرام.

إنه أنور الشميري، يمني يعيش في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان. منذ اندلاع الحرب في بلاده قبل أربع سنوات انقطع عن أهله بالكامل، ولم يعد في إمكانه زيارة العائلة الكبيرة والصغيرة في مدينته تعز. لكنه اختار أن يعوض ذلك الحنين بصنيع لا يقل جمالا وإبداعا وإدهاشا عن لقاء الأحبة، وذلك من خلال اختياره العمل في وظائف ثلاثة طيلة أيام الأسبوع السبعة لأجل جمع المال الكافي وإرساله لأهله في اليمن، في محاولة منه لمساعدتهم على تجاوز آثار الحرب المدمرة في حياتهم.

واجهت ممانعة معلنة من أنور لأجل إظهار قصته على التلفزيون، وهو الرجل الذي يفضل دوما أن يظل بعيدا عن الضوء، ويقول بنبرة صوت عميقة ومتدفقة إنه يفضل أن يجعل صنيعه بينه وبين الله ولا يريد لأحد أن يعرف قصته الشخصية.

العزيز رشيد النزيلي الذي يرتبط بمحبة صادقة بأنور، وكلاهما من أبناء اليمن الذين مسهم الضر جراء ما يحدث في بلادهم، وجد الطريق أخيرا لترتيب جلسة مصورة لي مع أنور.

يقول أنور وهو يتحرك وسط انشغاله في وظيفته الثانية كمشرف على قاعة للأفراح بديربورن بعد الفراغ من وظيفته الأولي في محلات الأسواق العربية، وقبل أن ينتقل في نهاية الأسبوع للعمل في أحد مطاعم المدينة إنه يفعل ذلك وفي قلبه مرارة عميقة أنه لا يستطيع الوفاء بكل ما في عنقه من دين ومحبة لأهله في تعز، ومع هذا الجهد العملي العظيم لا يجد أنور لنفسه ما يكفي من مال لأجل شراء أو كراء سيارة لتنقله بين وظائفه الثلاث، لذلك عادة ما يستعين بالأصدقاء كما هو الحال مع رشيد أو آخرين أو اللجوء إلى استعمال وسائل النقل العمومي بين المحطات الثلاث.

يعمل أنور جاهدا لأجل مساعدة الأهل هناك في الوطن الجريح، ولا يتوقف عن إعلان أمنياته بأن يكون الجميع بخير في كل الوقت.

ولأن انور رياضي ولاعب كرة قدم سابق في مراحله الباكرة من العمر، لا يزال يرتبط بمشاعر فياضة تجاه شركائه في تلك التجربة التي عمرت شبابه الباكر في تعز.

ووفاء منه لهؤلاء راح يجمع المال في ديربورن، ويعمل على تمويل دورات وبطولات لكرة القدم في مدينة تعز، ويجهز الفرق المحلية بما يلزمها من معدات رياضية مقاومة لظروف الحرب، لأن الغاية كما يقول أنور هي ألا يتسلل اليأس إلى قلوب اليافعين وشباب تعز جراء أهوال الحرب ومخلفاتها من فقر وعوز هناك.

لا ينزعج أنور أن يكتفي بلباس واحد وحداء واحدا، وأن يعيش في شقة بسيطة وصغيرة مستأجرة، ولا يحزن قلبه كثيرا أن تتأخر عائلته الصغيرة في المجيء إلى ديربورن لتقاسمه سعيه الحثيث لخدمة عائلته الكبيرة في تعز المدينة وفي اليمن الوطن.

أنور وهو يفعل هذا صنع من قصته ملحمة إنسانية حركت المشاعر في ديربورن، وجعلت منه علامة لبطل حقيقي ليس بعطائه لما يملك، بل بإصراره على تسخير جهده اليومي خدمة للآخرين ومن غير انقطاع أو تعب أو من أو سلوى أو حتى ضجيج.

قال لي أنور أيضا إنه يسعى إلى لفت انتباه ميسوري الحال من أبناء اليمن في الخارج، وهم كثر، إلى تلك الأوضاع المؤلمة التي يعيشها اليمنيون في الداخل، وأن أي عطاء أيا كان حجمه صغيرا أو كبيرا، سيكون قطعا نافعا للمحتاجين هناك من أطفال ويافعين وشيوخ ونساء وعجزة، وما أكثر هؤلاء في محنة اليمن القائمة حاليا.

لا ينسى أنور أبدا أن يكرمك في محل عمله كما يفعل أهل اليمن عامة وأنت ضيف بينهم، لكن الأهم عنده هو أن يحدثك بعيون غارقة في وجعها عن أوجاع أهله في اليمن بمحبة لا تخطئها العين المقابلة.

تجلى ذلك في وضوح بين وأنا أسأل أنور عن اللحظة التي لامست قلبه أكثر من غيرها وهو يسمع شكر أهل مدينته تعز وعرفانهم بحهده الإنساني اللافت، إلى الحد الذي جعل بعضهم يعتقد أن أنور صاحب أملاك واسعة، وهم لا يعرفون أن أنور لا يملك من الدنيا سوى سعة قلبه وكريم إنسانه وجهد يومه ليجعل من الابتسامة الدائمة طريقه إلى قلوب الآخرين.

أسأل أنور عن اللحظة التي لامست قلبه فلا يتردد في أن يقول لي إن أحد أهالي مدينة تعز كان ضريرا ووصله جزء من المساعدات التي أرسلها انور من مدينة ديربورن، وخاطبه عبر كاميرا الهاتف داعيا له بالخير والسلامة والصحة والعافية.

يقول أنور إن رؤية عيون الرجل الضرير الغارقة في دموعها، ولسانه يكرر الدعاء من غير انقطاع كانت اللحظة الأكثر هزا لقلبه ومشاعره.

أنور يعيش حياته البسيطة، يكرمك عندما تقصده، يدعو لك وأنت تغادر مجلسه، ويمضي إلى صمته في خدمة دائمة للآخرين، لكن حنينه يظل دائما مقيما ومعلنا على لسانه وفي قلبه لأهله في اليمن، وأكثر من كل ذلك لعائلته الصغيرة التي يؤمل نفسه ان يتسع جهده لإحضارها قريبا من تعز إلى ديربورن.

وأنا أمد يدي مصافحا للاستئذان قالت خواطري وأنا أرى ذلك البريق في عيني أنور: كم في الحياة من أبطال حقيقيين لكنهم ولسوء الحظ لا يجدون الطريق ليكونوا في عناوين نشرات الأخبار، لكن ومع ذلك لا شيئ يغير من حقيقة بطولاتهم.

أخجلتنا يا أنور بسعة إنسانك.

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG