رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 7 فبراير 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
طالبات في إحدى الثانويات في صنعاء

سناء العاجي/

اليوم العالمي للحجاب...

مبادرة أطلقها البعض، تضامنا مع النساء اللواتي يتعرضن للاضطهاد بسبب ارتدائهن للحجاب. ممتاز... جميل أن نتضامن مع كل شخص يتعرض للاضطهاد بسبب معتقده أو ملبسه. لكن، هل لنا مثلا أن نفكر في يوم عالمي لصالح ملايين النساء اللواتي يتعرضن للاضطهاد... بسبب عدم ارتدائهن للحجاب؟

بين الفينة والأخرى، وبشكل منتظم، تطلق أذرع التنظيمات الإسلامية حملات تشجع النساء على ارتداء الحجاب. نسخ متكررة من حملة "حجاب عفتي" يحاولون عبرها تسويق الربط المباشر بين التدين وبين الحجاب. بين الأخلاق وبين الحجاب.

إذا اعتبرنا ارتداء الحجاب حرية شخصية، فعلينا أيضا أن نقبل أن خلعه أو عدم ارتدائه حرية شخصية أيضا

لذلك، فلعلنا، في موضوع الحجاب وحملات الدعاية المباشرة وغير المباشرة له، نحتاج للتوقف عند نقطتين أساسيتين:

أولا، يمكننا أن نتفق على مبدأ أساسي، وهو أن الاضطهاد في جميع الأحوال مرفوض. بذلك، فاضطهاد النساء المحجبات مرفوض. لكن، لماذا لا يناقش أصحاب حملات "حجابي عفتي" وما شابهها، الاضطهاد الذي تعاني منه ملايين النساء اللواتي يرفضن ارتداء الحجاب؟ بل هل ننسى أن بلدانا كإيران والسعودية وأجزاء من أفغانستان وغيرها، لا يعطى للنساء فيها حتى حق الاختيار، لأنهن جميعا مجبرات على ارتداء الحجاب؟

في بلدان أخرى كالمغرب ومصر والعراق وغيرها، الحجاب ليس مفروضا على النساء. لكن تصورا غير معلن ينتشر في هذه البلدان، مفاده أن الفتيات غير المحجبات أقل تخلقا من المحجبات. أن المحجبات وحدهن "النقيات" "الطاهرات". بل إن الفتيات والنساء اللواتي يقررن خلع الحجاب، يتعرضن لضغط مجتمعي رهيب. أحيانا، وفي حالات المشهورات منهن، فهن يتعرضن لحملات شنيعة على المواقع الاجتماعية.

الزميل منصور الحاج، في مقال له على موقع الحرة، سلط الضوء على حالات متعددة لأسر مسلمة تعيش في كندا وإيطاليا، قتلت بناتها اللواتي رفضن الحجاب، أو عرضتهن لعقاب جسدي ونفسي قاس.

فهل يكون ارتداء الحجاب حرية شخصية، وخلعه أو رفضه جريمة تتعرض بسببها النساء للعنف اللفظي والجسدي؟

النقطة الثانية التي تستحق نقاشا رصينا، تتعلق بسؤال الحرية الفردية في علاقتها بالحجاب. إلى أي مدى يمكن اعتبار الحجاب حرية فردية، حين تتعرض النساء على مدى سنوات لغسيل دماغ من طرف عدد من الخطباء والمؤسسات الدعوية والقنوات الفضائية؛ لكن أيضا من خلال تنشئة اجتماعية تجعل الحجاب قيمة رمزية عليا وتربط مباشرة بينه وبين التخلق؟

هناك الملايين من النساء في مجتمعاتنا ممن لم يفرض عليهن القانون ولا الزوج ولا الأب ولا الأخ الحجاب؛ لكنهن مع ذلك استبطن أن الحجاب يمكنهن من اكتساب صورة إيجابية للمرأة "المحترمة" و"المتخلقة"، ومن تفادي غيرة الزوج، ومن التقليل (ولو نسبيا) من تعرضهن للتحرش الجنسي في الشارع، وربما يمكنهن من إقناع زوج مستقبلي باختيارهن (ما دمنا مجتمعات تربط الحجاب بالأخلاق).

هناك أيضا حالات كثيرة لنساء ارتدين الحجاب تحت إكراه مجتمعي غير مباشر، بحيث يجدن أنفسهن في وسط عائلي أو مهني لا يشمل إلا النساء المحجبات. كثيرات يضعن الحجاب فقط لأنهن يشعرن بأنهن نشاز في هذا الوسط، ولأنهن لا يملكن بالضرورة القدرة النفسية والفكرية على ممارسة حقهن في الاختلاف. يضعن الحجاب حتى ينصهرن وسط الجماعة. حتى يشبهن غيرهن...

الفتيات والنساء اللواتي يقررن خلع الحجاب، يتعرضن لضغط مجتمعي رهيب

لذلك، فحين تقول امرأة إنها وضعت الحجاب باختيارها، يمكننا أن نصدق أن زوجها وأخاها وأباها لم يفرضوا عليها ذلك؛ وفي الغالب ستكون صادقة. لكن، بالمقابل، فهناك عشرات الميكانيزمات المجتمعية والنفسية والتربوية والإعلامية، المرتبطة بالتنشئة، والتي تساهم بشكل كبير في صناعة ذلك القرار، سواء بالترهيب (الإساءة اللفظية والتحرش مثلا) أو الترغيب (صناعة صورة مثالية عن المرأة المحجبة).

من جهة أخرى، وحتى إذا اعتبرنا ارتداء الحجاب حرية شخصية، فعلينا أيضا أن نقبل أن خلعه أو عدم ارتدائه حرية شخصية أيضا. لا يمكن للأصوليين أن يدافعوا عن حرية ارتداء الحجاب، ويرفضوا حرية اختيار زي آخر مختلف.

أم أن الحرية الشخصية، مرة أخرى، ليست مقبولة إلا إذا صبغت بألوان الجماعات والأفكار المتطرفة؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الحجاب

منصور الحاج/

من الفترات المزعجة من سنين مراهقتي تلك الفترة التي تحولت فيها من مراهق عادي "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ويعيش حياته كغيره من المراهقين إلى سلفي متشدد يحرص على تغيير واقع أمته على الطريقة "الوهابية" من خلال فرض مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن والمنكر.

وكان من أول القرارات التي اتخذتها بعد دخولي إلى نفق التشدد أن استبدلت أشرطة الكاسيت الغنائية بأناشيد ومحاضرات إسلامية ثم منعت الاستماع إلى الموسيقى في المنزل وأجبرت شقيقتي على ارتداء النقاب أي تغطية وجهها كاملا بحكم أن ذلك هو حكم الشرع ومنحت نفسي ـ نسبة لكوني الأخ الأكبر ـ سلطة تطبيق أوامر الله في بيتنا.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها

تذكرت تلك المرحلة المزعجة من حياتي وأنا أتابع الحملة التي دشنتها منظمات وجمعيات ومراكز دينية إسلامية في أكثر من 20 دولة لجعل أول يوم في شهر شباط/فبراير من كل عام يوما عالميا للحجاب يشجعن فيه غير المحجبات على ارتداء الحجاب كبادرة رمزية تهدف إلى التأكيد على حق النساء في ارتداء الحجاب وللتنديد بالتصرفات والأحداث العنصرية التي يتعرضن لها في المجتمعات الغربية.

وعلى الرغم من تجسيد الحجاب لكل أوجه التسلط الذكوري والتخلف المجتمعي والظلم، إلا أن منظمات حقوق الإنسان وجدت نفسها مجبرة على تأييد حق النساء في ارتدائه دون اعتبار لمعاناة الملايين اللواتي يجبرن على ارتدائه واللواتي يعنفن بل ويتعرضن للقتل بسبب رفضهن ارتدائه، في تجاهل تام لأجندات المنظمات الإسلامية التي تحرص على الترويج للحجاب على أنه حق وحرية شخصية؛ وهو فعلا كذلك في الحالات التي تملك فيها الإناث الحق في الاختيار بعيدا عن النصوص الدينية التي تتوعد "الكاسيات العاريات" وتسلط العائلة والمجتمع لكنها في الحقيقة تسعى إلى تحجيم دور المرأة وحقها في الاختيار.

لست هنا لأنفي تعرض الكثير من المسلمين والمسلمات لاعتداءات عنصرية بسبب ديانتهم أو طريقة لبسهم، شملت حتى بعض الهنود من طائفة السيخ لتشابه زيهم التقليدي مع المسلمين؛ إلا أن القوانين في الدول الغربية تتصدى بقوة لجرائم الكراهية وتنصف المؤسسات العدلية أولئك الذين تعرضوا للتمييز بسبب ديانتهم أو لارتدائهم للحجاب، الأمر الذي يجعل تخصيص يوم عالمي للحجاب فكرة سخيفة خاصة وأن هناك ملايين النساء في الدول الإسلامية والعربية كالسعودية وإيران يجبرن على ارتدائه ويعاقبن إن لم يفعلن.

إن من الأولى أن تنتصر تلك المنظمات التي تدعي الحرص على حق المرأة في ارتداء الحجاب لملايين النسوة اللواتي لا يملكن الحق في الخروج بدون حجاب، ودعم الحملة التي تقودها الناشطة ياسمين محمد، وهي كندية من أصول مصرية وتهدف لتخصيص يوم عالمي بدون حجاب تتضامن فيه المحجبات اللواتي اخترن الحجاب عن قناعة وإرادة حرة مع بنات جنسهن اللواتي لا يملكن الحق على خلعه وقد يفقدن حياتهن إن قررن ذلك.

فعلى سبيل المثال، في كانون الأول/ديسمبر 2007، قتلت المراهقة أقصى برويز (16 عاما) خنقا على أيدي شقيقها ووالدها في مقاطعة أونتاريو الكندية بسبب إعلانها رغبتها عدم ارتداء الحجاب. في حزيران/يونيو 2103، قتلت مراهقة مصرية تدعى أميرة نفسها بعد تعرضها للعنف على يدي والدها بسبب رفضها ارتداء الحجاب. في آذار/مارس 2017، أقدمت أم في مدينة بولونيا الإيطالية على قص شعر ابنتها البالغة من العمر 14 عاما بعد علمها أن ابنتها تكشف شعرها بمجرد خروجها من المنزل.

هذه فقط ثلاثة أمثلة من آلاف الحوادث المؤسفة التي تابعتها وسائل الإعلام العالمية، أما حالات القمع والاضطهاد المسكوت عنها فهي أكثر من أن تعد وتحصى، وتنتشر في العديد من دول العالم وليس فقط الدول العربية والإسلامية، كما هو ملاحظ من مأساة أقصى برويز في كندا وقصة المراهقة الإيطالية؛ إذ نقل بعض المسلمين ثقافة الإكراه والتسلط معهم إلى الدول التي لجأوا إليهم هربا من القمع والاضطهاد، وبدلا من الاستفادة من الثقافة التربوية في الدول المضيفة نظروا إليها بازدراء ولم يكتفوا فقط بالتمسك ببعض العادات والتقاليد والسلوكيات المتخلفة بل أردوا إجبار أطفالهم عليها.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها. فأعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات.

إن النساء في الدول الغربية لسن بحاجة إلى ارتداء الحجاب لتأييد حق المحجاب في ارتدائه، بل إن كثير من النسويات يعارضن الحجاب ويرونه تكريس للنظرة الدونية للمرأة، إلا أنهن في الوقت نفسه يدافعن عن المحجبات وعن حقهن في عدم التعرض للتمييز والعنصرية بسببه.

أعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات

وبمتابعة الحملتين على موقع "تويتر" عبر الأوسمة المخصصة لكل حملة كـ "حريتي في حجابي" و"التحرر من الحجاب" و"يوم بلا حجاب" و"يوم عالمي للحجاب" نرى بوضوح أن قصص اللواتي قررن خلع الحجاب بعد أن تحررن من قيود الأسرة والمجتمع عبر الهروب أو الهجرة أكثر إلهاما وتجعل من تخصيص يوم عالمي تحتفل فيه من تحررن من أغلال الحجاب المفروض عليهن أمرا ملحا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'تسقط تسقط تسقط بس'

وبالنظر إلى عشرات الصور التي نشرنها محجبات سابقات في وسم "التحرر من الحجاب" ومئات التغريدات لمؤيدات للحملة لكنهن يخشين على أنفسهن من التعرض لسوء إن هن نشرن صورهن بلا حجاب ندرك بلا أدنى شك مدى عبثية الحملة المطالبة بتخصيص يوم عالمي للحجاب في الوقت الذي تفرض فيه الأنظمة الدكتاتورية والجماعات الجهادية الحجاب على النساء وتعطي الذكور سلطة فرضه على ذويهم بالقوة.

تقول منظمة حملة "يوم بلا حجاب" إن حملتها لا تهدف إلى معاداة المسلمين بأي شكل من الأشكال، وإنما هي حملة للتضامن مع النساء اللواتي ينشدن الحرية. وأنا أضيف إلى قولها إن أعداء الحرية فقط هم يعارضون منح النساء الحق في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه.. فاختر أن تكون من أنصار الحرية تربت يداك.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG