رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الجمعة 1 مارس 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
لم تختر لبكي في "كفرناحوم" الطريق السهل بالصور والكلام المبسط عن لبنان ومشاكله

جويس كرم/

حين يطابق وجع الفن وجع الحياة، وحين تفضح السينما اللبنانية ما أراده المجتمع والسياسيون أن يبقى وراء الستار، يصبح الحديث عن فيلم "كفرناحوم" لنادين لبكي كإنجاز على المستوى الداخلي والدولي ومحطة تستحق التكريم في حفل جوائز الأوسكار هذا الأحد.

لم تختر لبكي في "كفرناحوم" الطريق السهل بالصور والكلام المبسط عن لبنان ومشاكله. فلا حروب ولا إطلاق نار، ولا تسخيف وتجريد لأهله أو سياسته كما رأينا في أفلام أخرى بينها "بيروت" للمخرج براد أندرسون الذي لم يزر بيروت لتصوير فيلمه.

ليس بالمفاجئ أن تستفز هذه الحقائق الشوفينيين وأصحاب الشعارات الفارغة في لبنان

"كفرناحوم" أو الفوضى، كما قالت لبكي، يخوض في أعمق مشاكل البنية الاجتماعية اللبنانية بعد الحرب، ويتحدث عن آفات اجتماعية واقتصادية لا تنحصر بالضرورة بلبنان، إنما يرفض اللبناني كشفها والحديث عنها.

أول هذه المشاكل هي أحياء الفقراء في بيروت التي يدخلها قلة من السائحين المتجهين إلى "سويسرا الشرق" لالتقاط الـ"سيلفي" بين الجبل والبحر من دون التمعن بمآسي مئات الآلاف العالقين بينهما.

زين
زين

​في هذه الأحياء نتعرف إلى زين (زين الرفيع)، ابن الاثنتي عشرة سنة، وهو يدفع عربة صغيرة بها قوارير غاز وماء تارة، ويبيع العصير تارة أخرى. في زواريب بيروت الفقيرة، تكشف لبكي عبر زين، عن مشاكل المخدرات، العنف المنزلي، زواج الأطفال، وعدم تحديد النسل وكيف دمرت هذه العوامل مجتمعة حياة كثيرين من جنسيات مختلفة عالقة في ذلك الواقع.

"كفرناحوم" يسلط أيضا الضوء على مشاكل العاملات في الخدمة المنزلية ومعاناتهن في بلد لا يقر بأدنى حقوقهم المدنية. معاناة العاملات تلخصها حياة "راحيل" العاملة الإثيوبية والتي تلعب دورها يوردانوس شيفراو، في مواجهة مشاكل الحرمان من الأمومة، المتاجرة بالأطفال، السجن والإساءة في العمل.

ويأتي لقاء الصدفة بين "زين" و"راحيل" لتتقاطع خلاله مآسي الطبقة المهمشة والفقيرة في لبنان. فلا أوراق ثبوتية لأي منهما أو لابنها يوناس ولا عقد إيجار ولا حتى ضوء في المنزل (الغرفة) في أحد المخيمات. الضوء الوحيد هو في شخص "آسبرو" (علاء شوشنية) التاجر الحذق والمهرب الماكر الذي أوهم "راحيل" بالأوراق الثبوتية وخدع "زين" بإمكانية الإبحار إلى تركيا أو حتى السويد.

بعض هؤلاء حاول كم أفواه المخرجين والصحافيين ورسامين الكاريكاتير ظنا منهم أن التسلط يساوي الانتصار

يستعرض الفيلم مشاكل السجون في لبنان والفوضى والإهمال في سجن رومية والذي يشهد منذ فترة إشكالات أمنية، وقد وعدت وزيرة الداخلية الجديدة ريا الحسن بالنظر فيه وبواقع السجون عموما. وهو يطرح أسئلة حول واقع اللاجئين السوريين، ولو أن "زين" ابن عائلة لبنانية، ومستقبلهم في لبنان من دون أوراق عمل أو أفق تأهيلي أو خطط ولو في المدى القصير لاستياعبهم في المجتمع.

أجمل ما في فيلم "كفرناحوم" هو أنه واقعي لدرجة أنه اعتمد على شخصيات من واقع الحياة وليس على ممثلين. فزين الرفيع، اللاجئ السوري من درعا، لعب دور زين؛ ويوردانوس، اللاجئة من أريتريا، لعبت دور راحيل. عدا عن جائزة مهرجان "كان" ومشاركات في مهرجانات عدة، فإن نجاح "كفرناحوم" الإنساني هو في انتشال عائلة زين الرفيع من أزقة بيروت إلى أقصى الشمال في هامرفيست في النروج وإعطائه فرصة لأن يكون طفلا ويلتحق بعد 13 سنة بالمدرسة.

حين تدخل لبكي وفريقها قاعة الأوسكار يوم الأحد، ستملأ التناقضات المشهد بجلوس اللاجئين على منصة هوليوود وإمكانية فوز أول مخرجة لبنانية وعربية بجائزة الأكاديمية. إنما حتى إذا لم يفز "كفرناحوم" فهو حقق انتصارا بالخروج عن السرب التقليدي، واستعرض بشجاعة آفات مجتمع وأوجاع طبقة مهمشة من الفقراء والمسنين.

ليس بالمفاجئ أن تستفز هذه الحقائق الشوفينيين وأصحاب الشعارات الفارغة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في لبنان. وبعض هؤلاء حاول كم أفواه المخرجين والصحافيين ورسامي الكاريكاتير ظنا منهم أن التسلط يساوي الانتصار.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)
صورة جوية للدمار الناتج عن هجوم النظام السوري على مدينة درعا عام 2017

عمران سلمان/

يقول المتصوفة بأن عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. ويمكن القول نفسه إن عدد الروايات بشأن الأحداث الجارية في أي منطقة من العالم هو بعدد المهتمين بها.

حدث واحد وروايات متعددة

يفاجئني كثيرا أن الواحد منا، ولا أستثني نفسي من ذلك، يتصور دائما بأن فهمه لأي حدث هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.

ويفاجئني أكثر حين أكتشف أن مجرد دردشة بسيطة مع أحد الأصدقاء أو الزملاء أن لدى كل واحد منهم فهمه الخاص والمختلف بهذه الدرجة أو تلك لنفس الحدث. فأتساءل إذا كان الحدث هو نفسه والتفاصيل التي وثقتها وسائل الإعلام وعدسات المصورين هي نفسها، فلماذا لكل شخص روايته المختلفة لهذه الأحداث؟

كل جدل بشأن صحة الأحداث هو عبث لا طائل من وراءه

يصدق ذلك بالنسبة للأحداث الحالية كما يصدق على الأحداث البعيدة في الزمن.

لكن الملفت هنا هو أنه إذا كان الناس يختلفون في رواياتهم للأحداث الراهنة إلى هذا الحد، وهم من معاصريها فكيف يمكن الوثوق في الروايات التي تركها لنا الزمن عن أحداث تعود إلى مئات وربما آلاف السنين؟

بل الأكثر من ذلك لماذا يستثمر الإنسان في روايات تاريخية، تسلمها من دون أن يكون له أي قدرة فعلية أو موضوعية على التحقق منها.

ليس المقصود من هذه الأسئلة هو تقديم إجابات، ولكنه دعوة للتأمل والتفكر. والأهم عدم أخذ كل ما يقال على محمل الجد.

الاستثمار في التاريخ

طبعا مثل هذه الدعوة من الصعب أن تجد العديد من الآذان الصاغية. فنحن في منطقة يقوم معظم البناء السياسي والاجتماعي والمعرفي فيها على أساس التاريخ والروايات التاريخية. الناس يتصارعون على إثبات صحة أو دحض أحداث وقعت منذ مئات السنين. ويعرّفون أنفسهم ويبنون مواقفهم على ما سمعوه أو قرأوه في كتب التأريخ. إنهم يستثمرون بكثافة في الأحداث التاريخية ويتركونها تصنع وتشكل حاضرهم.

في العديد من دول العالم تترك مهمة كتابة التاريخ لمجموعة من المؤرخين والمحللين (رغم اختلافهم) والناس تتعامل مع ما ينتجونه وينتهي الأمر. لا أحد من المعاصرين في هذه الدول يشغل نفسه بإثبات أو دحض ما حدث عبر التاريخ. بل من النادر أن يكون ذلك موضوعا عاما للنقاش، إلا حينما تظهر وثيقة جديدة أو يتم العثور على مخطوط قديم، يعيد صياغة الرواية أو يدخل عليها بعض التعديلات. وحتى هذا الأمر يبقي في الغالب محصورا في دوائر معينة مهتمة به، لكنه قلما يصبح موضوعا عاما أو يؤثر على مسار الأحداث.

بينما في مجتمعاتنا فإن كل شخص هو مؤرخ قائم بذاته. يسعى ويجاهد من أجل إثبات صحة روايته للأحداث وخطأ روايات الآخرين. وتصل الأمور في بعض المجتمعات إلى حد الصراع والاقتتال لمجرد أن شخصا قام بالطعن في صحة هذه الرواية أو تلك.

إن معظم الشتائم والسباب والتخوين الذي نصادفه في الإعلام العربي يأتي في الغالب ردا على محاولات الطعن في بعض الروايات "الرسمية" أو "المعارضة" للأحداث وليس بسبب أفعال حقيقية اتخذت للإضرار بهذه الأطراف نفسها.

الأزمة السورية مثالا

غير أن الأمر الملفت هنا هو أن الأمر لا يتعلق بالتاريخ فحسب، ولكنه يمس الحاضر والذي يفترض أن الناس جميعا يتابعون ما يجري فيه ولديهم إمكانيات لا بأس بها في التحقق منه.

على سبيل المثال لو سألت مجموعة من الأشخاص عن ما يجري في سوريا مثلا، حيث أنها الأزمة الأبرز اليوم والتي يدور معظم الحديث فيها وعنها، لسمعت روايات في جميع الاتجاهات.

فمؤيدو النظام لهم رواياتهم والمعارضون لهم رواياتهم والجماعات الإرهابية لها رواياتها وكل شخص في الشارع العربي له روايته هو الآخر عما يجري في سوريا.

في مجتمعاتنا فإن كل شخص هو مؤرخ قائم بذاته

بعض الروايات تتقاطع مع بعضها وبعضها يقترب أو يبتعد (كثيرا أو قليلا) من بعضها الآخر، لكنها في الأخير روايات لأشخاص أو جهات لا تتواني، إذا تطلب الأمر، عن الحلف بأغلط الإيمان، بأن ما تقوله هو الصحيح وسوف تسرد عشرات "الأدلة" و"البراهين" وتشير إلى "تجارب شخصية" كي تدعم وجهة نظرها وتثبت صحة روايتها للأحداث.

الملفت أن الأفراد أو الجهات التي تستميت في إثبات صحة هذه الرواية أو تلك، لا تعير، رغم ذلك، أي انتباه إلى الطرف الآخر.

برمجة سابقة على الأحداث

خلاصة القول إنه من المستحيل تقريبا الحصول على إجماع الناس على رواية واحدة لأي حدث، سواء وقع قبل يوم أو قبل ألف عام. حتى لو جمعت الناس كلهم في دار عرض سينمائي وعرضت عليهم أزمة من الأزمات كما حدثت بالفعل، فلن تحصل على رواية واحدة أو تأريخ واحد لها. والسبب أن المشكلة ليست في الأحداث أو طريقة عرضها ولكنها في الإنسان نفسه. فالإنسان لديه ذاكرة سابقة وهو في الأغلب مبرمج (بحكم النشأة والانتماء والمصالح) على قبول رواية معينة ورفض أخرى.

لذلك، فإن كل جدل بشأن صحة الأحداث هو عبث لا طائل من وراءه. قد يصلح لإنجاح برنامج تلفزيوني، لكنه لا يغير من قناعات أحد، وهو لا يمكن أن يثبت أو يدحض هذه الرواية أو تلك.

على العكس هو في الغالب يزيد من تمسك الناس برواياتهم ويمدهم بحجج إضافية للدفاع عنها.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG