رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

د. عماد بوظو/

في مرحلة ما من تطور البشرية برزت الحاجة لتنظيم العلاقات الجنسية بحيث يلتحق الأبناء بأب محدد يرثوا أملاكه، وهو ما أدى إلى نشوء الأسرة، وأصبح إشهار العلاقة بين الذكر والأنثى عبر الزواج هو شرط السماح بممارسة الجنس. كما لجأت بعض الديانات إلى ربط الفعل الجنسي بالخطيئة لمنع الإنسان من الانجرار وراء غرائزه وما زال هذا الارتباط راسخا في تفكير بعض المجتمعات حتى اليوم.

خلال العقود الأخيرة تعقدت ظروف الحياة مما أدى إلى تأخّر سن الزواج، الذي أصبح يتراوح وسطيا بين منتصف العشرينيات إلى ما بعد منتصف الثلاثينيات، مما خلق إشكالا حول كيفية التعامل مع الرغبة الجنسية في الفترة الفاصلة بين النضوج الجنسي والزواج والتي قد تتجاوز العقدين.

أكثر من نصف المراهقين في الغرب لم يكونوا متلهّفين لممارسة الجنس

في المجتمعات الغربية وكثير من دول العالم تم حل الإشكال من خلال القبول أو غض النظر عن إقامة علاقات بين المراهقين والمراهقات ذوات الأعمار المتقاربة بحيث يكتشفون الجنس سوية، مع محاولة إيجاد درجة من الإشراف تمنع حدوث حمل بسن مبكر أو انتقال بعض الأمراض. خصوصا أن هناك قناعة بأن من هم في الأعمار الصغيرة يميلون للحذر والتدرّج واللطف في ممارسة الجنس، ولأن كثير من المراهقين يعنيهم الحب "العذري" وأن يكونوا مقبولين من الطرف الآخر أكثر من العملية الجنسية بحد ذاتها.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف المراهقين في الغرب لم يكونوا متلهّفين لممارسة الجنس؛ ففي الولايات المتحدة 44 في المئة من الإناث و47 في المئة من الذكور مارسوا الجنس وهم في العمر بين 15 و19 عاما حسب دراسة أجريت خلال الأعوام 2011 حتى 2013.

كما أن الحمل بين المراهقات ليس بالانتشار الذي يردده بعض الإعلام العربي، ففي عام 2017 كانت نسبة الحمل عند المراهقات البيض في الولايات المتحدة 13.2 من كل ألف فتاة بين عمر 15 و19 عاما، وهذه النسبة كانت أعلى عند الأميركيين من أصول إفريقية أو أميركية لاتينية، كما سمحت المجتمعات الغربية لمن تجاوز سن الرشد بخوض علاقات طبيعية عاطفيا وجنسيا إلى أن يجد الشريك الذي يشعر أنه يريد متابعة حياته معه.

رفضت المؤسسات الدينية والمدنية في المجتمعات العربية هذه الحلول واعتبرتها انحلالا، دون تقديم بديل واقعي عنها، وبما أن التغلب على الرغبة الجنسية أمر بالغ الصعوبة، فلم تتمكن هذه المؤسسات من منع العلاقات بين الجنسين، ولكنها نجحت في جعلها سريّة.

وأشارت إحصاءات رسمية في تونس عام 2007 إلى أن 80 في المئة من الذكور و70 في المئة من الإناث قد مارسوا الجنس قبل الزواج، ورغم أن هذه الممارسة في المجتمعات العربية تراعي المحافظة على غشاء البكارة، لكن استمرار العلاقة لفترة طويلة يجعل التقيد بذلك صعبا، مما أدّى إلى انتشار عمليات ترقيع غشاء البكارة قبل الزواج، وهذا إجراء يكاد يكون مقتصرا على المجتمعات العربية، رغم صعوبة معرفة نسبة حدوثه.

يمكن أخذ فكرة عن تلك العمليات من الجراح الفرنسي مارك آبيكاسيه كشف عن تجربته معها، حيث قال إنه يجريها عدة مرات أسبوعيا لفتيات مسلمات أغلبهن من شمال إفريقيا، ولدى سؤاله عن رضاه عن ما يقوم به أجاب أنه "يقدم مساعدة لأشخاص لا يوجد أمامهم سوى خيارات صعبة". وقالت إحدى الفتيات التي أجرت هذه العملية دون الكشف عن وجهها، إنه كان عليها الاختيار بين العار وهو موضوع مكشوف اجتماعيا يشملها مع كامل أسرتها إن لم تجر العملية، وبين الخديعة المخفية التي لا يعلم بها أحد والتي تتحمل مسؤوليتها لوحدها أمام الله، وتابعت أنها لا تشعر بالندم ولا بأنها بدأت حياتها الجديدة بخديعة، فهي تحب زوجها وتريد سعادته وهي ترى أنها بعملها هذا تدخل الاطمئنان إلى قلبه.

كما تم السماح في الدول المتقدمة بأن يشترك رجل وامرأة بالسكن دون زواج، والتي يتحقق فيها الشرط الأساسي للعلاقة المشروعة وهو الإشهار والعلنية، لأن الأهل والمعارف والجوار يعرفون بهذه العلاقة، وفي حال حصول حمل فالوالدين معروفين، كما أن حقوق المرأة محفوظة حسب قوانين تلك البلاد، إذ بعد فترة من المساكنة أو عند توثيق عقود رسمية لها يصبح للمرأة حقوق مشابهة لحقوق الزوجة، حتى البابا فرنسيس قال في كنيسة لاتران عام 2017 "إنني رأيت وفاءا كبيرا في هذه المساكنات وأنا أكيد أنها زيجات حقيقية"، وفوق ذلك فإن 65 في المئة من حالات المساكنة في الولايات المتحدة تنتهي خلال خمس سنوات بالزواج.

كذلك رفض رجال الدين المسلمين المساكنة وقدموا بدلا منها أشكالا مختلفة من العلاقات بين الجنسين صنّفوها كزواج، مثل العرفي والمسيار والمتعة، لا يتوفر فيها العامل الرئيسي للعلاقات المشروعة وهو الإشهار، كما تشترط هذه العقود بشكل مسبق تنازل المرأة عن حقوقها بالنفقة والميراث والسكن المشترك، بحيث تكون هذه العلاقات مجرد رخصة "دينية" لممارسة الجنس.

كما أغمضت المجتمعات العربية عيونها عن المشتغلات بالجنس، ففي الغرب تخصّص لهنّ شوارع محددة يقفن فيها ويرتدين ثيابا معينة توحي بطبيعة مهنتهن التي تراقبها الدولة صحيّا، بينما في الدول العربية هذه المهنة في الظاهر ممنوعة قانونيا، لذلك تغيب الرقابة الصحية وترتدي الكثير من هؤلاء النسوة الحجاب والجلباب الواسع الذي يخفي ملامحها وتنتقل حسب الطلب عبر وسطاء، ولم يجعل هذا المنع عدد المشتغلات بالجنس في المجتمعات العربية أقل من دول الغرب.

ففي دراسة للمفوضية الأوروبية عام 2014 كان عدد المشتغلات بالجنس في فرنسا 37 ألفا، بينما قدرت وزارة الصحة المغربية عام 2015 عددهن بالمغرب بأكثر من خمسين ألف، كما أدت الاعتبارات الاجتماعية إلى اختيار بعض النساء أماكن بعيدة لممارسة عملهن كأن تعمل العراقيات في سوريا والسوريات في لبنان واللبنانيات والمغربيات في مصر والمصريات في الخليج وهكذا، وفوق ذلك تميّزت بعض البلاد العربية بما يسمّى السياحة الجنسية حيث تستقبل زوارا هدفهم ممارسة الجنس خصوصا مع القاصرات لغياب الرقابة القانونية على هذه المهنة.

كما أدّت الأجواء الاجتماعية المغلقة في البلدان العربية إلى مضاعفات أخرى مثل انتشار التحرش، فقد ذكرت دراسة للأمم المتحدة عام 2013 أن 99.3 في المئة من الفتيات المصريات تعرّضن للتحرش في الشوارع ووسائل النقل والأسواق والمنتزهات والمناطق الخالية، 64 في المئة منهن حدّدن اللمس باعتباره أكثر الوسائل رواجا بين المتحرشين، ورغم مظاهر التدين الخارجي ونسبة الحجاب العالية كان المتحرّش يضع اللوم على الفتاة، إما لملابسها أو ضحكتها أو طريقة مشيتها أو لمجرد خروجها من منزلها، بينما تحتل السعودية مركزا متقدما بنسبة التحرش بالسيدات في أماكن العمل.

الحمل بين المراهقات ليس بالانتشار الذي يردده بعض الإعلام العربي

وكذلك في انتشار حوادث الاغتصاب، إذ رغم أن أغلبية اللاتي يتعرضن للاغتصاب لا يصرّحن عنه في المنطقة العربية نتيجة الوسم بالعار عند الإعلان عن التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب بل قد يشكّل خطرا على حياة الفتاة أو المرأة. فقد قال المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في مصر عام 2006 أن حالات الاغتصاب المصرّح عنها كان 20 ألف حالة في السنة، وهو نفس الرقم الذي نقلته الأمم المتحدة عن وزارة الداخلية المصرية عام 2008، وهذا عدد غير قليل ويعطي فكرة عن حقيقة ما يحدث في الدول العربية، كما يمكن ملاحظة هذا الكبت في نسبة من يتصفح المواقع الإباحية، ففي عام 2016 نشر موقع بوستاوبر نقلا عن بورن إم دي قائمة أكثر عشر دول بحثا عن المواقع الإباحية في العالم، فكان بينها ست دول إسلامية وهي بالترتيب باكستان مصر إيران المغرب السعودية تركيا، وحسب ناشطة سعودية فإن ثلث الأزواج السعوديين مدمنون على المواقع الإباحية، كما أن 96 في المئة من مخترقي البروكسي في السعودية يبحثون عن المواقع الإباحية.

أفادت دراسة لجامعة هارفارد عام 2009 أن اشتراكات المواد الإباحية على الإنترنت أكثر شيوعا في الولايات المحافظة داخل أميركا، وتوصّل ماكلنيس وهادسن إلى نفس النتيجة في دراسة قاما بها عام 2015 اعتمادا على بيانات الإنترنت، ولكن عند إجراء نفس الاستبيان اعتمادا على سؤال نفس شريحة المتدينين شخصيا كانت النتائج مختلفة، أي أن بعض المحافظين والمتدينين كانوا يكذبون عند سؤالهم عن أمورهم الجنسية، قالت ماكلنيس "لن يكون من المفاجئ للأشخاص المتدينين أن ينكروا مشاهدتهم لمحتوى جنسي، لأنه يخرق قيمهم الأساسية"، هذا مثال بسيط من مجتمع منفتح، لكنه يفيد في فهم النفاق الذي أصاب المجتمعات العربية، التي تخوض في السر حياة غير بعيدة عن الهوس الجنسي وفي العلن تلقي محاضرات في العفّة والزهد.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الثورة التونسية شكلت حدثا تاريخيا

دارا عبدالله/

تسمية "الربيع العربي" العمومية، وانتقال عدواها من دولة عربية إلى أخرى، لا تصلح أن تكون دليلا دامغا في النقاش على التشابه بين الأنظمة والمجتمعات العربية. كما أن توصيف "الاستبداد"، وهو توصيف جامع فعلا، يصلح لوصف حال كل الأنظمة العربية، يكون أحيانا حاجبا للفروقات الجذرية بينها، ومدخلا للتهرب من التشريح التفريقي الدقيق بينها.

فرغم أن سوريا ومصر، تشاركتا "الربيع العربي" نفسه، وأناسها يعيشون تحت ظل نظامين توتاليتاريين، إلا أن النظام السوري في آلياته، والمجتمع السوري بتركيبته، يختلفان بشكل جوهري عن النظام والمجتمع المصريين. من نواحي الاختلاف، مثلا، شدة القمع الممارس، ودور الدولة في المسألة الطائفية، وعلاقة الأسرة الحاكمة مع الجيش، والتركيبة الاجتماعية الأهلية، وعمق الحريات الصحافية والإعلامية.

كما أن تونس، البلد الذي عاش التحول الأكثر أمانا والأقل دموية، تختلف أيضا عن سوريا ومصر (مكتسبات التجربة البورقيبية التحديثية، والاحتكاك المبكر مع الثقافة الغربية، ومؤسسة عسكرية وطنية إلى حد كبير، ووجود بنى نقابية مستقلة).

نستطيع أن نعتبر لحظة الانقلاب العسكري في مصر هي لحظة انتهاء مرحلة الإسلام السياسي في الربيع العربي، وبدء مرحلة الثورة المضادة

وجدير هنا بالذكر، بأن الثورة البحرينية، لم تتنفس كثيرا، وخنقت بسرعة، بسبب ضعف التعاطف الشعبي العربي معها، وهذا يعود باعتقادي، إلى تأثر المزاج العربي نفسه، بصخب ما يسمى بالنزاع الشيعي ـ السني، والـ"شيعوفوبيا" السائدة والممولة خليجيا، إذ إن شيعة البحرين كانوا العصب الأساسي للحركات الاحتجاجية في المملكة. كما أن التدخل العسكري السعودي ساهم بشكل أساسي في إسكات وقمع تلك الحركة الاحتجاجية المحقة.

أما في اليمن، فتعثر مسار الثورة والتحول الديمقراطي، وصار اليمن ساحة مفتوحة للنزاع السعودي ـ الإيراني.

وبالتالي، نستطيع أن نتحدث عن ثلاث مراحل أساسية من مراحل "الربيع العربي"، في كل الدول العربية، منذ اندلاعه عام 2011، وحتى هذه اللحظة، في مصر وسوريا واليمن وليبيا، وهي: أولا، مرحلة الشباب والأفكار الليبرالية؛ وثانيا، مرحلة صعود الإسلام السياسي؛ وثالثا، مرحلة الثورة المضادة وعودة النظام القديم. علما أن هذا التعميم يحتوي على الكثير من التبسيط القاتل للفروقات، والعابر للسياقات.

أولا، مرحلة الشباب والأفكار الليبرالية

في كل دول ثورات "الربيع العربي"، من خرجوا أولا إلى الشوارع هم شبان وشابات ينحدرون من مختلف الطبقات الاجتماعية والأصول الأهلية الإثنية والطائفية والمدن، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة. إلا أن نسبة جيدة من هؤلاء الشباب، تنحدر من الطبقة الوسطى المتعلمة، وامتازت بدرجة معقولة من الثقافة والتحصيل الجامعي.

ورغم أهمية النقاش حول إذا ما كانت ثورات "الربيع العربي"، ثورات خبز أم ثورات كرامة، وهو النقاش الذي يخوضه ماركسيون ويساريون، يريدون حصر دوافع الاحتجاج كتمثل مباشر من تمثلات الصراع الطبقي في إهمال معطى الحريات السياسية من جهة؛ والليبراليون الذين يختصرون الأمر برمته بسعي الشعوب نحو الديمقراطية، دون أخذ مسألة العدالة الاجتماعية بعين الاعتبار من جهة أخرى؛ إلا أنها كانت ثورات ذات مطالب مركبة "عيش" و"حرية" في مصر، و"خبز" و"كرامة" في سوريا، ولا يمكن اختصار دوافعها في سبب واحد.

تمكن شبان المرحلة الأولى من صياغة وبلورة خطاب، ليس صعبا ملاحظة تأثره بالخطاب الليبرالي الغربي الحديث، كالتركيز على الحريات السياسية، وإبعاد العسكر عن السياسة، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح بالحريات الصحافية والإعلامية، والتوزيع العادل للثروة. طبعا مع الخجل والتحسب من المطالبة بدولة علمانية بسبب سوء سمعة هذا المفهوم في العالم العربي، واقترانه بالإلحاد وأيديولوجية السلطات العسكرية الرسمية العربية التي حكمت المنطقة بعد الاستقلال.

إلا أن ثمة عطب بنيوي، حال دون تحول هؤلاء الشباب إلى قوى سياسية قادرة على المنافسة في اللحظة الانتخابية. مقتل المرحلة الشبابية في "الربيع العربي"، باعتقادي، هو تقديس الوعي النضالي واللحظة الثورية، كوعي أخلاقي طهراني متعال على السياسة، لا يجب تدنيسه في العمل السياسي الحزبي والتنظيمي الأيديولوجي المباشر. ولأن اللحظة الثورية هي لحظة انفعالية وارتجالية ومباغتة، واللحظة الانتخابية هي لحظة حسابية وعقلانية وتراكمية، فإن هذا يفسر، جزئيا، غياب الشباب عن اللحظة الانتخابية، وهيمنة التيارات السياسية التقليدية، أي الإسلام السياسي من جهة، والأحزاب التي تعبر عن مصالح النظام القديم، وفئاته الاجتماعية من جهة أخرى، على تلك اللحظة.

بقيت الحركات الإسلامية الطاقة الاحتجاجية الاعتراضية الأكثر تنظيما في كل من مصر وسوريا وتونس

ما ميّز المرحلة الشبابيّة أيضا، هو الطابع السلمي للاحتجاجات وغياب التدخلات الإقليمية والدولية إلى حد كبير، وهيمنة الخطاب الوطني الجامع الذي يتعالى على الحساسيات الطائفية والقبلية والجهوية والإثنية، وتردد وغياب حركات الإسلام السياسي عن المشاركة. الإخوان المسلمون السوريون والمصريون مثلا، لم يعلنوا موقفا واضحا وصريحا من الثورتين السورية والمصرية في مراحلها الأولى. انتهت المرحلة الشبابية من "الربيع العربي"، وصار رموزها إما في المقابر أو السجون أو المنافي.

ثانيا: مرحلة صعود الإسلام السياسي

قامت الأنظمة الاستبدادية العربية، أنظمة ما بعد الاستقلال، بإفراغ كل المجتمعات العربية من السياسة، مع ضرورة التنويه إلى تفاوت سوء الوضع من دولة عربية إلى أخرى. وبالتالي، فإن الطاقة الاحتجاجية التعبوية الوحيدة، التي استطاعت أن تلعب دورا سياسيا، كانت طاقة حركات الإسلام السياسي بكافة تشكيلاتها.

وقد صعدت هذه الحركات السياسية الإسلامية الحديثة، بسبب الطفرة النفطية في دول الخليج، وتصدير الوهابية السياسية علنا في فترة النزاع الأفغاني ـ السوفييتي، إذ كانت الوهابية "طاقة ثورية" كما كان يقول، بريجنسكي، مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر. إضافة إلى التأثير الإقليمي المدوي لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وبناء الأصولية الإسلامية الشيعية نظام حكم ثيوقراطي في إيران. إضافة، بالطبع، إلى انهيار المشروع القومي العربي واليساري. إذ لعبت هزيمة يونيو 1967 دورا أساسيا في تشييعه.

بقيت الحركات الإسلامية الطاقة الاحتجاجية الاعتراضية الأكثر تنظيما في كل من مصر وسوريا وتونس. ذروة الصعود الإسلامي، تجسدت بوصول حركة الإخوان المسلمين المصريين إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية، في 24 يونيو في عام 2012، وتقلد محمد مرسي منصب رئيس البلاد.

وتزامنت هذه الفترة من صعود الإسلام السياسي بـ"نزعة أوبامية" ما بعد حداثية في السياسة. هذه النزعة هي امتداد للفكر الفلسفي المنتشر في أجواء أوساط واسعة من اليساري الليبرالي الهوياتي في الولايات المتحدة الأميركية، والذي يرى حكم حركات الإسلام السياسي ضربا من ضروب "الخصوصية الثقافية" و"هويات تحتية تعبر عن نفسها". ساد أمل بأن تتمكن حركات الإسلام السياسي العربية من تقليد تجربة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، والذي صنع نهضة تنموية اقتصادية شاملة في تركيا، والتزم، إلى حد مقبول، بمبادئ اللعبة الديمقراطية التركية. لكن شره السلطة وقلة النقد الذاتي الإيديولوجي والتصلب العقيدي، وعدم وجود برنامج اقتصادي واضح لمصر، بالإضافة إلى غياب المشروع السياسي وبروز المشروع الاجتماعي الذي يدور فقط حول حصر الحريات الفردية عموما وحريات المرأة بشكل خاص لدى الإخوان المسلمين المصريين، أدى إلى تنامي سخط شعبي ضد تجربة الإخوان المسلمين في الحكم.

وفي 3 يوليو من عام 2013، ونتيجة تحرك اجتماعي واسع ضد "الإخوان"، استغل الجيش المصري والنظام القديم هذا الاحتجاج للقيام بانقلاب عسكري ضد الرئيس محمد مرسي الذي زُجَّ في السجن، وبدأت مصر حقبة دخول الثورة المضادة.

في سوريا، تذرى الإسلام السياسي بين إسلام إخواني وقاعدي وسلفي وجهادي وداعشي. وصارت هذه المجموعات الإسلامية مداخل للدول الإقليمية، كدول الخليج وتركيا من أجل التحكم بالشأن السوري، ولعب دور سياسي في سوريا التي تحولت إلى ساحة نزاع إقليمية شرسة، أدت إلى مئات آلاف القتلى، ولجوء أكثر من نصف الشعب السوري إلى خارج البلاد، ودمار البنية التحتية.

في تونس، الحالة مختلفة إلى حد كبير، إذ استطاعت حركة النهضة التونسية أن تضبط نفسها داخل إيقاع الوطنية التونسية، واللعبة الديمقراطية الداخلية. وفضلت مصلحة البلاد العامة على المصلحة الحزبية الخاصة. وخاض رئيس الحزب، راشد الغنوشي، مجموعة من التسويات والمساومات مع مختلف القوى السياسية التونسية، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي في التجربة.

ثمة عطب بنيوي، حال دون تحول هؤلاء الشباب إلى قوى سياسية قادرة على المنافسة في اللحظة الانتخابية

نستطيع أن نعتبر لحظة الانقلاب العسكري في مصر هي لحظة انتهاء مرحلة الإسلام السياسي في الربيع العربي، وبدء مرحلة الثورة المضادة وعودة النظام القديم.

وقد ارتاحت الدول الغربية إلى عودة النظام القديم، بسبب الأعداد الهائلة من اللاجئين الذين غزوا أوروبا، وتهديد النظام الليبرالي الديمقراطي في معقله بصعود الحركات الشعبويات اليمينية القومية. وسادت إيديولوجية الاستقرار والأمن ومحاربة الإرهاب، مكان أفكار التغيير والديمقراطية لدى النخب الغربية، الأوروبية منها والأميركية.

ثالثا: مرحلة الثورة المضادة

ثمة تحالف ثلاثي يمثل مرحلة الثورة المضادة، وعودة النظام القديم، أطرافه هي الإمارات العربية المتحدة بقيادة محمد بن زايد، والمملكة العربية السعودية بقيادة محمد بن سلمان، ومصر بقيادة عبد الفتاح السياسي. لهذا التحالف السياسي أذرع إقليمية، هي محمد دحلان في الساحة الفلسطينية، وجيش خليفة حفتر (رفيق معمر القذافي في "الثورة" على النظام الملكي الليبي عام 1969) في ليبيا.

لهذا التحالف، أيضا، أجندة سياسية واضحة في المنطقة، وهي قمع أي محاولة احتجاجية تكون امتدادا لثورات الربيع العربي، وقيادة مسار تطبيع تدريجي مع إسرائيل، والترويج لصفقة سلام في الساحة الفلسطينية وهي صفقة قد تتضمن تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة تدوير نظام بشار الأسد في المجتمع الدولي (أعادت الإمارات فتح سفارتها في سوريا في 27 كانون الأول من العام الماضي)، والتفاوض معه من أجل تخفيف النفوذ الإيراني في سوريا، والاستمرار في محاربة حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

ظهرت النواة الصلبة لهذا التحالف بشكل واضح في جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر من عام 2018. عناصر الثورة المضادة يحاولون الانقضاض على كل مكتسبات الربيع العربي.

هل فشل الربيع العربي؟

أعتقد بأن هذا السؤال غير دقيق، خصوصا بعد نشوب موجة احتجاجات جدية على نطاق واسع في السودان ضد حكم حسن البشير، بالإضافة إلى تظاهرات في الجزائر ضد حكم بوتفليقة. تعثّرت هذه الجولة في التغيير، ولكن التاريخ ليس جولة واحدة فقط. ومهما كان "العقل متشائما"، فإن ثمة "تفاؤلا بالإرادة"، كما قال غرامشي.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG