رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 4 مارس 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
جلد امرأة في إندونسيا بتهمة "قضاء وقت بالقرب من رجل ليس زوجها" (أرشيف)

د. عماد بوظو/

لا يوجد عبارة استغلها المتطرفون وأساؤوا استخدامها مثل "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، التي ورد ذكرها في القرآن عدة مرات: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" آل عمران 104؛ "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، آل عمران 110؛ وفي الحديث، عن أبي سعيد الخدري أن الرسول قال عن حقّ الطريق: "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" متفق عليه.

رغم أن المعروف يعني "الفعل المتعارف عليه للخير والإحسان" فقد كان فهم المتطرفين لأمر الأطفال بالمعروف هو توجيههم للصلاة والصوم من عمر سبع سنوات، وأمرهم بهما عند سن العاشرة فما فوق، وللولي أن يضربهما إن تخلّفا، اعتمادا على حديث منسوب للرسول "مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر".

وهي الطريقة نفسها التي يرون اتباعها لزجر الأطفال عن المعاصي، كما شمل نفس هذا الأسلوب بالأمر بالمعروف المرأة إذ حسب رأيهم، "من النساء من لا ترتدع إلّا بالضرب"، ورغم أن بعضهم يستدرك بأن الضرب هو آخر الطب بعد الوعظ والهجر، لكن الإمام ابن باز يؤكّد بأن هناك ترخيص من الله لممارسته عند اللزوم. وذهب بعضهم إلى أن للزوج أن يضرب زوجته على تركها لحقوق الله مثل الطهارة والصلاة أو إغلاق الباب دون الزوج، "رفض ممارسة الجنس معه"، وتتساوى المرأة في طريقة التعامل هذه حسب رأيهم مع الخادم والدابّة.

في هذا العصر ليس مسموحا ضرب الأطفال أو الزوجات تحت أي ذريعة

كما رأوا أن هناك ضرورة لإتباع وسائل أكثر تشددا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمعات هذه الأيام نتيجة ظهور "المعاصي والبدع والشرك وانتشار الشرور والفساد وكثرة دعاة الباطل"، وكانت وسيلتهم لتنفيذ ذلك هي "الإنكار باليد"، أي إراقة أواني الخمر وكسر آلات اللهو واستخدام كل الوسائل لدفع العامّة وخاصة النساء للتقيد باللباس الإسلامي وإلزام الناس بالصلاة، وإقامة الحدود والتعزيرات الشرعية حتى يستقيم الناس ويلزموا الحق، كما شددوا على أن تكون العقوبات علنية حتى يتعظ الناس، أو بمعنى أوضح حتى يخافوا.

أما عندما لا تسمح لهم الظروف بتنفيذ ذلك بالقوة، فعليهم الاكتفاء بدعوة الناس باللسان لإتباع أحكام الله، حيث يعظوهم ويتحرّون عن ما يقومون به من أفعال غير مقبولة حتى ينهوهم عنها. وابتكروا لذلك أساليب جديدة، مثل تقديم مساعدات وحوافز في المدارس والجامعات وأماكن العمل لكسب الشباب ولدفع الفتيات والسيدات للتقيد بالحجاب، أو حتى إغراءات مالية لسيدات مشهورات لارتداء الحجاب أو النقاب والترويج لذلك باعتباره انتصارا لتصورهم عن الإسلام، كذلك تقديم عروض مالية أو شراء الأمكنة أو المتاجر التي تعرض فيها منتجات يعتبرونها لا تتناسب مع الشرع أو النوادي المختلطة أو التي تقدم فيها مشروبات كحولية لتحويلها إلى مشاريع "حلال"، وغيرها من الحالات التي يستخدمون فيها أموال الجمعيات والجماعات الإسلامية لفرض نمط حياة اجتماعي واحد والقضاء على التنوع الذي تميزت به مجتمعات الشرق الأوسط طوال تاريخها، بحيث يصبح المختلف حالة شاذة معزولة.

كما ظهر ذلك في دول مثل مصر بأن يبحث أشخاص ليس لهم أي صفة رسمية عن تصريح لأحد المثقفين أو تدوينة على مواقع التواصل أو ما تضمنه أحد الكتب من أفكار أو ما ارتدته إحدى السيدات من ثياب لا تتماشى مع رؤيتهم للدين، لتقديم بلاغات للنيابة أو إقامة دعاوى قضائية، وتوجيه اتهامات لهم بازدراء الدين الإسلامي أو الخروج على عادات وتقاليد المجتمع أو الفجور، وشاركت مؤسسة الأزهر في بعض هذه الدعاوي وتعرّض بعض المستهدفين من هذه القضايا للسجن لأن لهم آراء أو ممارسات يعتبرها رجال الدين هؤلاء غير مقبولة.

كما ابتكروا استخداما جديدا مختلفا للحسبة، وهي بدعة لا وجود لها في القرآن أو الحديث الصحيح، كانت تستخدم في العصر العباسي للإشارة إلى الأشخاص الذين يراقبون غش المكاييل أو الأسعار في الأسواق، وجعلوا منها مسؤولية يمنحها الحاكم لرجال دين ليقوموا بمراقبة أخلاق وتديّن المجتمع، حيث يقوم المحتسب بحثّ الناس على أداء عباداتهم ومحاربة البدع و"الرذائل" مثل اختلاط الرجال بالنساء، ويعمل على عدم "هتك مبادئ المجتمع المسلم وأعرافه وآدابه العامة"، لأنهم يخشون من أن اعتبار الخروج على هذه المبادئ حرية شخصية قد يسهل على العصاة إغراء الصالحين بسلوك نهجهم! وحتى يستطيع المحتسب القيام بواجبه على أكمل وجه عليه التجسس على سلوك الناس في الطرقات والأسواق وداخل منازلهم لمعرفة درجة التزامهم بالتعاليم الدينية.

كشف هذا النمط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وجهه الحقيقي في إيران والسعودية

ونتيجة لاقتناع هذا النوع من رجال الدين بأن هناك عقاب إلهي على من يشاهد المنكرات ولا يفعل شيئا لمنعها، فقد جعلوا وظيفة المحتسب متاحة للعموم، أي يحق لكل مسلم بل من واجبه مزاولتها، ولعب دور المدعي العام بالشكوى على من يخرج عن القواعد الاجتماعية والدينية السائدة، كما أن من صلاحياته اقتحام أي مكان يظهر فيه المنكر أو يهجر فيه المعروف ليقوم بواجب الأمر والنهي، بإزالة كل ما لا يتماشى مع الدين، وتنفيذ "الوعد والوعيد" وهو إنزال العذاب بالمخطئ.

وخلال العقود الماضية كشف هذا النمط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وجهه الحقيقي في إيران والسعودية، على يد الباسيج في الأولى والمطاوعين في الثانية. وهذه عبارة عن أجهزة أمن تلعب دور شرطة دينية وظيفتها مراقبة الناس في الأماكن العامة من ناحية المظهر كعدم تغطية النساء لشعرها أو وجهها بشكل محكم أو أن تكون زينتها ظاهرة بما فيها وضع عطر أو طلاء أظافر، أو أن تكون العباءة غير واسعة بحيث تظهر بعض معالم جسمها، وكذلك مراقبة من لم يذهب للصلاة لدفعه بالعصا إلى المسجد، والتجسس على الناس داخل بيوتهم خصوصا إذا خرج منها صوت موسيقى أو شوهد دخول رجال ونساء إليها، أو صدر منها رائحة توحي بمشروبات كحولية أو عدم الصيام في رمضان وغيرها لتقدّم الشكل الأكثر تشددا للرقابة على التفكير والسلوك ولزرع الخوف في قلوب الناس، لتوضّح إلى أي حد يمكن أن يتمادى رجال الدين المتطرفين في قمعهم بشكل لا يختلف أبدا عن ممارسات داعش والقاعدة.

قامت الحضارة الحديثة على حرية الإنسان في تفكيره ومعتقداته، التي تتماشى مع الآية 256 من سورة البقرة "لا إكراه في الدين"، وتتضمن هذه الحرية حسب المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "حق أي فرد أو مجموعة بشرية في إظهار دينها أو معتقداتها وممارسة شعائرها بما فيها حرية تغيير الدين أو عدم إتباع أي دين"، والذي اعتمدته أغلبية دول العالم وكانت مصر وسوريا والعراق وإيران من أوائل الموقعين عليه.

وفي هذا العصر ليس مسموحا ضرب الأطفال أو الزوجات تحت أي ذريعة، ولا يحق لأي شخص أن يتجسس على محيطه ولا سؤال أي شخص عن درجة تدينه أو مدى التزامه بعباداته، ولم يعد مقبولا فرض قيود على الحرية الشخصية التي لا تلحق أذى بالآخرين، ومن حق الإنسان أن يؤمن بما يعطيه السكينة والسلام الداخلي، أي أن كل ما قام به دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلال العقود الماضية أصبح مرفوضا في عالم اليوم.

اقرأ للكاتب أيضا: أردوغان.. ازدواجية المعايير بين الأرمن والأويغور

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تظاهرات في الجزائر ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة

عمران سلمان/

عندما كنت شابا، مثل كثيرين غيري من الشباب، كنت أرى الثورات وتغيير الأنظمة أمرا جوهريا وملحا يستحق عناء المواجهة. بل ونظرت إلى الذين لا يشاطرونني نفس الرأي بأنهم جبناء ولا يتحملون أية مسؤولية.

مع الوقت ومع تقدم السن وتزايد الخبرات ومعاصرة الكثير من الأحداث، أصبحت أقرب إلى المحافظة السياسية. بعض الثورات ولا سيما "القهرية" منها تستحق المناصرة بالفعل، لكن كثيرا من الثورات، ليست أكثر من محاولة لنقل السلطة والثروة من يد إلى أخرى، قد تكون أفضل أو أسوء منها.

فشل الثورات في التغيير

لست في وضع يسمح لي بأن أحكم على أي بلد أو ظروف لا أعرفها، ولست أدعي أن ما أقوله هو الصواب دائما، لكن بإمكاني أن أري أن الثورات لا تحقق بالضرورة حلم مطلقيها أو الساعين إليها. وأنها في كثير من الأحيان تلتهم أبناءها كما يقال. بل أني أذهب أبعد من ذلك لأقول إن بعض الثورات لم تفشل فقط في دفع مجتمعاتها نحو التقدم ولكنها أخفقت في تحقيق حلم مطلقيها وربما أعادت الأمور في بلدانها خطوات بعيدة إلى الوراء.

إذا أردنا أن نغير في بيئتنا العربية فيجب أن نبدأ بالعمل على تغيير الإنسان العربي

الأمر المحير بالنسبة لي دائما هو أن الشعارات التي تطلق عند كل ثورة أو انتفاضة تبدو هي نفسها صالحة لكل زمان ومكان! مثلا لو أخذنا تاريخ أي بلد عربي خلال المئة عام الماضية وشاهدنا ما جرى فيها من ثورات أو تحركات مطلبية، سوف نجد أن الشعارات التي رفعت في بداية ذلك القرن أو منتصفه أو الآن هي نفسها: محاربة الفساد والمحسوبية والقمع السياسي والارتهان للأجنبي وما إلى ذلك. الغريب أن الأنظمة تتغير وتبقى هذه الشعارات.

طبيعة السلطة ومتطلباتها

لا أريد أن يفهم من كلامي أني أحابي أي نظام أو حكومة، معاذ الله، ولكني هنا فقط أبدي ملاحظات موضوعية.

اقول إن تلك الشعارات هي نفسها التي ترفع مع كل ثورة أو تحرك جماهيري، ولكن الأنظمة والحكومات التي تأتي في أعقابها، تفعل الشيء نفسه تقريبا وتؤول إلى نفس المصير: تحركات تتهمها بالفساد والقمع وتكميم الأفواه.. إلخ. وقد أضيف إلى القائمة في العصر الحديث مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة. وسوف تضاف إليها بعد قليل مسألة حقوق المثليين وحقوق المهاجرين وما إلى ذلك.

الأمر الملفت هنا هو كيف يمكن لأنظمة أو حكومات أتت إلى السلطة في أعقاب ثورات أو تحركات جماهيرية، أن تقوم بنفس ممارسات الحكومات التي سبقتها.

هل هو فقدان للذاكرة أم طبيعة عضوية مرتبطة بالسلطة ومن يمسك بها؟ لا أريد أن أتكهن هنا أو اترك انطباعات خاطئة. لكن الحقيقة التي أوقن بها هي أن السلطة، أي سلطة، لها سطوتها وربما أيضا لها طبيعتها التي تفرض على الممسكين بها أن يتصرفوا على نحو معين. هذه الطبيعة ربما ترضي الجمهور بعض الوقت لكنها تغضبهم مع استمرار الوقت لأنها تباعد بينهم وبين ما كانوا يطمحون إليه.

الحل يبدأ مع الفرد

الحل برأيي هو أن التغيير في الأنظمة كما في البلدان لا يجب أن يتركز فقط على السلطة السياسية. فكما رأينا أن تغيير الأنظمة لا ينتج بالضرورة حكاما أفضل. التغيير يجب أن يرافقه أيضا تغيير على المستوى الشخصي. بمعنى أنه يجب أن يتم أيضا على مستوى الأفراد وليس فقط الحكومة أو الدولة.

الشعارات التي تطلق عند كل ثورة أو انتفاضة تبدو هي نفسها صالحة لكل زمان ومكان

أدرك صعوبة تقبل هذا الأمر، خاصة مع انتشار ثقافة رمي كل المشاكل والأخطاء على عاتق الجهات الخارجية، لكن الحقيقة، التي ليست بعدها حقيقة ـ في نظري ـ هي أن التغيير في أي بلد لا يبدأ من الحكومة فقط ولكن من الأفراد أيضا. الأفراد هم من يصنعون حكوماتهم وليس العكس. إذا أردنا أن نغير في بيئتنا العربية فيجب أن نبدأ بالعمل على تغيير الإنسان العربي. ماذا يعني ذلك؟

إنه يعني أن نصنع إنسانا أفضل في بيئته المحلية. إنسانا أفضل في أسرته وفي محيطه الصغير، ثم في مجتمعه ودولته. إنسانا ينظر إلى عيوبه قبل عيوب الآخرين. في الواقع إذا بدأ الإنسان بإصلاح عيوبه لن يكون لديه الوقت أو الجهد أو الرغبة في النظر إلى عيب أي أحد آخر.

قد تحدث بعض الكبوات هنا وهناك، لكن ذلك جزء من التجربة البشرية، الهدف منها أن يتعلم الإنسان أنه ليس كاملا وأن الحاجة مستمرة للعمل على إصلاح نفسه.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG