رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأربعاء 6 مارس 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
من احتجاجات الجزائريين في باريس

جويس كرم/

لن يكون الحراك الشعبي المدني الواسع الذي تشهده الجزائر عابرا، ولن ينحصر بشخص الحاكم الغائب عبد العزيز بو تفليقة، ولو أن إعادة ترشيحه لولاية خامسة وهو على كرسيه المتحرك، هو الاندفاعة وراء التظاهرات والاحتجاجات الطلابية والنقابية ضد نظام مرهق وعاجز عن جس وفهم نبض الشارع.

تناقضات المشهد الجزائري تبدأ بالساحات الشابة التي غصها الآلاف وسيعودون إليها يوم الجمعة، وتعبر عن شجاعة ومدنية هؤلاء؛ يقابلها تخبط أهل الحكم واختفاء الرئيس الذي لم يخاطب الشعب الجزائري مرة واحدة منذ 2013.

بغض النظر عن موعد الانتخابات، وما سينتظر بوتفليقة في 18 نيسان/أبريل المقبل، وما إذا كان النظام سينجح بإعادة تنصيبه بـ 80 أو 90 أو 75 في المئة، فإنها لنهاية بائسة لزعيم جزائري بدأ مشروعه السياسي بالمقاومة الوطنية ضد الاستعمار وسينتهي وهو يقاوم شعبه ويتمسك بالسلطة.

أزمة النظام الجزائري هي في عدم لحاقه بالحداثة وبتطلعات شعبه

اختار عبد العزيز بوتفليقة ـ أو نظامه اختار له ـ أن يكون إرثه السياسي إرث فساد ودولة بوليسية وانتخابات زائفة. ها هو في عقده الثامن غير قادر على مواجهة شعبه، وبياناته السياسية لا يكتبها ولا يقرأها ومليئة بالتناقضات مع ممارسات النظام. فالوعود بدستور جديد، واستفتاء وديمقراطية وإصلاح سمعها الجزائريون منذ انتخاب بوتفليقة للولاية الأولى في العام 1999... ولم تتحقق. المرة الأخيرة التي تحدث فيها بوتفليقة في 2013 قال لشعبه إن "جيلي انتهى"، وحض الشباب على تولي مسؤولية أكبر في إدارة البلاد والسعي للعمل السياسي.

أين هو بوتفليقة اليوم؟ هل هو في مشفى في العاصمة السويسرية؟ هل أخفاه النظام؟ لم تعد تهم الإجابة، إذ أن ما يحدث في الجزائر هو أكبر من مكان وجود بوتفليقة، وعما إذا كان على سرير أو كرسي متحرك. الأزمة التي يواجهها النظام لا تنحصر بشخص بوتفليقة أو سلطته الرمزية، بل هي حول أداء النظام عموما والأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، وقد ساعد التضخم والتراجع في أسعار النفط في تظهيرها.

صحيح أن الشعب الجزائري لم يعد يهوى الانخراط السياسي أو الغوص بتفاصيل الحياة السياسية، إنما صحيح أيضا أن تفاقم الوضع الاقتصادي وارتفاع نسب البطالة إضافة إلى فرض ترشيح بوتفليقة أوصلت إلى الأزمة الحالية.

تعكس الأرقام ذلك: ثلثا الجزائريين (يصل عدد سكان الجزائر إلى نحو 41 مليون) هم من فئة الشباب (ما دون سن الـ30)، ومن ضمن هذه الفئة فإن 30 في المئة يعانون من البطالة. وفاقم هبوط أسعار النفط من أزمة النظام الذي أهدر مبالغ كبيرة من المال العام على الفساد ولصالح الطبقة الحاكمة بدلا من تعزيز النمو وإيجاد بدائل وتنويع الاقتصاد الذي يعتمد على النفط بشكل رئيسي. وما من مؤشر قريب أن أسعار النفط ستعود للارتفاع لنسب 2013 مع دخول أميركا في عام انتخابي قريبا، واستمرار منح الاستثناءات في العقوبات المفروضة على إيران.

ماذا يعني كل ذلك للسلطة في الجزائر؟ أولا أن لا نهاية قريبة للاحتجاجات، ووعود النظام على ورقة لم يقرأها بوتفليقة هي حبر على ورق، لا يصدقها ولم يعد ينتظرها المتظاهرون.

إصرار النظام على ترشيح بوتفليقة يعني أزمة أطول للبلاد

أزمة النظام الجزائري هي في عدم لحاقه بالحداثة وبتطلعات شعبه في أدنى المعايير السياسية والاقتصادية. فليس هناك نظام في العالم اليوم يرشح رئيسا مختفيا عن الأنظار في ظل أزمة اقتصادية وسياسية في البلاد. حتى آل كاسترو في كوبا استدركوا أزمتهم وأجروا تعديلا على وجه النظام؛ وحتى إيران التي عاشت النقمة الشعبية في عام 2009 أتت بوجه "معتدل" للرئاسة في 2013.

هناك من يستحضر الربيع العربي عند الحديث عن الجزائر، لكن ليس بالضرورة أن تكون التظاهرات هناك مرتبطة بأي من أحداث 2011 وموجة التحركات في العالم العربي حينها. فللجزائر استثنائية خاصة في ديناميكيتها السياسية والثقافية والاقتصادية تختلف عن نماذج سوريا ومصر وليبيا. والجيش الجزائري أثبت هذه الاختلافات بالبقاء على الحياد حتى الساعة وضمان سلمية التحركات.

أسابيع حاسمة وامتحان تاريخي ينتظر الجزائر شعبا ونظاما قبل الانتخابات الشهر المقبل. إصرار النظام على ترشيح بوتفليقة يعني أزمة أطول للبلاد، ومؤشرات اقتصادية قاتمة لن يكون بوسعها أن تحتوي الاحتجاجات أو موجة التغيير التي بدأت منذ أعوام ولم يستدركها النظام.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الحرية في البلدان المغاربية

دارا عبد الله/

يُختصَر مفهوم من الحرية في يومنا الحالي بمسألة تنوع الخيارات.

كلما ازدادت إمكانياتنا على الاختيار نصف قُطْر، كلما خفت قيودنا، وتحسّنت فرصنا في اختيار الوظيفة ومكان السكن والسلع الشرائية وأنماط الحياة، وربما حتى شريك الحياة. كلما استطعنا أن نسافر أبعد، وأن نستهلك أكثر؛ بالتالي، كلما كنا أكثر حرية.

هذه هي بالضبط، الحرية المهيمنة بمعناها الشائع والمتداول في عالمنا المعاصر الحالي. لكن، هذا المفهوم "الكمي" للحرية، له مزالق ومشاكل كثيرة. إذ تصبح الطبيعة، وفقا لهذا المفهوم "الكمي" للحرية، عبارة عن ساحة من أجل تحقيق رغباتنا. وإذا حاولت الطبيعة أن تقاوم رغبتنا في تحقيق هذه الحرية الكمية، نقوم بترويضها وإخضاعها وإيذائها بالتكنولوجيا.

الحرية الكمية تتحول إلى هوية ضدية مغلقة، أما الحرية النوعية فهي عبء والتزام أخلاقي

إذ كلما اشتدت الرغبة في زيادة الخيارات، زادت قبضة التحكم في البيئة والعالم، من أجل التقليل من "أثر البيئة المزعج". ولا يسوء الموقف من الطبيعة فحسب بسبب الحرية الكمية، بل يدمر حس التعاطف الإنساني أيضا، إذ أن الناس الذين يأتون إلى الغرب، من أجزاء أخرى من العالم، خاليي الوفاض، وفارغي الأيدي، هاربين من الحروب والأزمات، يصبحون في دول النموذج الكمي للحرية، مصدرا لتهديد محتمل لأنماط حياتهم ونزعاتهم الكمية.

ربما هذا ما يفسر، ولو بشكل جزئي، تركيز اليمين الصاعد حديثا في سياق وقوفه ضد الهجرة على "قيم الحرية"، إذ أن المقصود بها، غالبا، هو هذه الحرية الكمية بالذات، أي أنها عنصرية "الحرية الكمية". لذلك، فإن النضال من أجل الحرية الكمية المحضة يكون لدى أولئك الذي لا يسعون إلى الحرية بشكلها الحقيقي، وإنما لزيادة قدرتهم على تنويع الخيارات.

يؤكد الفيلسوف من جامعة تورينغن في ألمانيا، كلاوس ديريكس ماير، على أن الليبرالية مهددة في معقلها بـ"الموت الأخلاقي البارد". إذ أن أولئك الذين كانوا يدافعون عن القيم الليبرالية، أو ما يسميها ماير بـ"الحرية النوعية"، صاروا يتخلون عن الحرية النوعية (الليبرالية)، بمجرد أن تتحقق شبكة مصالحهم بشكل أفضل مع الحرية الكمية (النيوليبرالية).

ويشير ماير بأن مكمن الخطورة، هو في صعود أنظمة سياسية، وأنماط اجتماعية في الغرب، تقدم أهمية الحرية الكمية على الحرية النوعية. بل تنتصر لسيادة الأولى على حساب إهمال الثانية. وهذا بالضبط ما يسميه بـ"الموت الأخلاقي البارد".

ويكمل ماير بأن الحرية الكمية شديدة الفردية والأنانية، وهي مدمرة للبيئة وغير قادرة على التفكير في أفق إنساني أوسع، وهي فئوية وخاصة، ومن الممكن جدا أن تصبح سندا أيديولوجيا للأفكار القومية واليمينية، وهي تغرق الفرد في فوضى دوافعه وغرائزه بسبب لهاثه لإكثار الخيارات.

أما الحرية النوعية فهي تطلعية نحو مصير العالم أجمع، ومستقبل البشرية والبيئة، وهي متواضعة و"متقشفة" بل تسعى إلى تقليل الخيارات لتخفيف الاستهلاك والتحكم بحرقة غريزة الشراء، وبالتالي زيادة أعداد الأفراد المتنعمين بالحرية النوعية.

الحرية النوعية فهي تطلعية نحو مصير العالم أجمع، ومستقبل البشرية والبيئة

الحرية الكمية تتحول إلى هوية ضدية مغلقة، أما الحرية النوعية فهي عبء والتزام أخلاقي، وتسعى إلى كرامة الاستقلال الذاتي لكل فرد على سطح هذه الأرض.

السؤال الأساسي الحاسم حول فلسفة الحرية، هو ليس عدد الخيارات التي أمتلكها، بل هو عدد الأشخاص الذين يمتلكون بعدالة نفس الخيارات؛ حتى لو كان هؤلاء الأشخاص يعيشون في أمكنة بعيدة عنا.

فهل العالم الذي نعيش فيه يتجه حول انتشار هذه العدالة؟ النظرة إلى منطقتنا وبلداننا لا تبدو متفائلة. لربما يبادر أي منا إلى جواب سريع: النقاش الدائر في بلداننا لا يزال في مرحلة البحث عن الحرية، ولا ترف في التمييز بين حرية "نوعية" و"كمية". هذا صحيح في الشكل، لكن في المضمون، إن ما تقدمه الأنظمة المختلفة في بلداننا من خيارات ينحصر بين القمع الشديد وصولا إلى نوع من الحرية الكمية. حرية ترتبط بالاستهلاك لا بالقيم والخيارات السياسية والاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG