رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 11 أبريل 2019

مسلمون يمارسون شعيرة الحج

سناء العاجي/

هي بعض من حكاية رفضنا المزمن للاعتراف بتقدم الكون والممارسات والعلاقات.

هي حكاية انفصام مزمن في علاقتنا بالعالم وتطوراته.

هي وجع إصرارنا على العديد من أشكال التخلف، التي (ربما) كانت مفهومة ومقبولة في زمن ما وفي إطار مجتمعي ما... والتي ما عاد يقبلها عقل أو منطق ونحن نعيش تطورات العالم في ألفيته الثالثة.

هي حكاية شابة مغربية غير متزوجة. ناجحة في حياتها المهنية، ملتزمة ونشيطة في المجتمع المدني، تعيش مع والدتها وأخيها بعد وفاة الوالد.

من غير المقبول اليوم أن نمنع نساء مستقلات ماديا، يرغبن في ممارسة شعيرة دينية خاصة بهن، من تحقيق ذلك

قررت هذه الشابة، ولنسمها زينب، أن تسافر مع والدتها لقضاء العمرة هذ السنة. دبرت كل التفاصيل والمبلغ اللازم... وبقي تفصيل "مهم": بما أن زينب شابة في مقتبل العمر، فهي لا تستطيع أن تسافر لقضاء العمرة رفقة والدتها فقط. السيدتان تحتاجان لمحرم.

قررت الشابة أن تدفع مقابل عمرة أخيها أيضا، حتى يتسنى له أن يرافقما كـ "محرم".

حكاية تتكرر بالمئات، لنساء يتوفرن على الإمكانيات المادية لقضاء الحج أو العمرة، ويجدن أنفسهن مضطرات لدفع مقابل عمرة أو حج شخص آخر، حتى يستطعن استيفاء الشروط الإدارية للسلطات السعودية، التي تستلهم هذه الشروط من قراءة معينة للدين.

طبعا، في المطلق، يمكن لأي امرأة أن تدفع عن أخيها أو والدها أو زوجها مصاريف العمرة... قد يكون الأمر هدية مثلا. المشكلة في حالة زينب والحالات المشابهة لها، وهي كثيرة، أنها تصبح نوعا من الضريبة الإجبارية؛ باسم الدين!

هل يمكننا اليوم، في زمن تسافر فيه المرأة وتقود الطائرة والقطار وتدير مؤسسات اقتصادية، وتشتغل في الطب والهندسة، وتنفق كليا أو جزئيا على الأسرة... هل يمكننا والحال هذه، أن نستمر في التعامل بثقافة الولاية والوصاية عليها، من طرف رجل/ذكر، لعلها تنفق عليه ولعلها أَفْقَه منه في أمور الدين والدنيا؟

لعل إجبارية وجود المحرم كانت مقبولة في زمن معين، كان فيه الرجل المحرم يتكفل ماديا بزوجته وأمه وأخته وابنته... يدفع عنهن الحج أو العمرة ويرافقهن كـ "محرم"، وصي، ولي. رغم أن هذا الأمر في حد ذاته فيه نقاش؛ حيث يزعم كتبة التاريخ الإسلامي أن المرأة سابقا كانت دائما تحت الوصاية الاقتصادية للرجل، رغم أن الرسول نفسه كان يشتغل عند امرأة غنية متمكنة اقتصاديا، هي خديجة، قبل أن يتزوجها... بمعنى أن النساء، حتى قبل الإسلام وفي بدايات هذا الأخير، لم يكنّ دائما تحت وصاية الرجل، بل كانت كثيرات منهن تشتغلن وتدرن التجارة وتمتهنّ الطب وغيره من المهن.

من غير المقبول اليوم أن نرهن عمرتهن وحجهن بإجبارية مرافقة رجل لهن

ومع ذلك، وعلى فرض الوصاية الاقتصادية للرجل على المرأة في زمن معين، وإجبارية الإنفاق التي تلزمه بها أغلب المدارس الإسلامية، فإنه من واجبنا اليوم أن نراجع بعض تصوراتنا التي لم تعد تتماشى مع العصر الحالي، حيث تشتغل النساء وتساهمن في الإنفاق. بل أنهن، في أحيان كثيرة، يكن معيلات وحيدات للأسرة، كما هي حالة زينب في المقال أعلاه... وكما هي حالة خمس الأسر المغربية (18 في المئة) ونسبة مهمة من الأسر المصرية على سبيل المثال لا الحصر.

ثم، كيف يعقل أن تسافر المرأة المسلمة الماليزية أو المغربية أو السينغالية أو التركية وغيرها من الجنسيات التي لا تمنع سفر المرأة بمفردها، إلى كل دول العالم بكل حرية... وأن تكون مجبرة على البحث عن رفيق رجل/ذكر للعمرة أو الحج، هي التي يفترض أنها تزور هناك أقدس الأماكن الإسلامية؟

من غير المقبول اليوم أن نمنع نساء مستقلات ماديا، يرغبن في ممارسة شعيرة دينية خاصة بهن، من تحقيق ذلك؛ وأن نرهن عمرتهن وحجهن بإجبارية مرافقة رجل لهن، رغم أنهن قد يكن أكثر كفاءة ومسؤولية وجدية وإيمانا ومعرفة دينية من ذلك الرجل...

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

قوات الأمن الجزائرية تستدم المياه لتفريق متظاهرين

حسين عبدالحسين/

مع استقالة رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، رحل الطاغية العربي السادس، منذ انهيار نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أيدي القوات الأميركية، قبل 16 عاما. مع ذلك، لم يصل الربيع إلى الشرق الأوسط، بل إن اهتزاز الطغاة واقتلاعهم شهد إراقة دماء أكثر، وتشريد الملايين، وعودة الطغيان بأشكال أكثر تشددا وبطشا.

وإذا كان الربيع لا يأتي برحيل الحاكم، فكيف يأتي؟ ومن المسؤول عن استمرار البؤس والشقاء؟

لا بد أن المشكلة هي في المحكومين (أو بعضهم)، ومنهم من تسلموا الحكم في عدد من دول الطغيان المنهار، أو حتى في أجزاء من هذه دول. ولكن بدلا من أن يقدم المحكومون السابقون أداء ديموقراطيا مقبولا، قدموا أداء هابطا، ونافسوا أسلافهم في الحكم في الجشع والانتقام من الماضي الظالم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان

ولا بد أن المشكلة هي في المحكومين، في مجتمعهم، الذي لا يقدر على إنتاج منظومات حكم مبنية على الحرية والمساواة وتداول السلطة، بل إن مفهوم غالبية المحكومين في الشرق الأوسط للحكم هو سباق على تقاسم موارد الدولة، الشحيحة أصلا.

في الماضي كنا نعتقد أن المحكومين يصبون للحرية، التي لا يعيق تحقيقها إلا حفنة من الحكام الدمويين وأزلامهم. رحل الطغاة والأزلام، وأسقط العراقيون تماثيل صدام وصوره، ورشقوها بالأحذية والنعال. ثم رفع بعض العراقيين، مكان صور صدام، صور ملالي إيران والعراق، وأظهر العراقيون أن البعث ليس حزبا، بل هو شخصية فردية وجماعية، وثقافة عامة، وأن الحياة والرأي فيها للأقوى، وما على الأضعف إلا الخضوع للأقوى، ورفع صوره، والتظاهر بعبادتها.

وفي مصر، سقط حسني مبارك، فدارت معركة بين الجيش والإسلاميين. حكم الإسلاميون، فأظهروا فظاظة مقرونة بالهبل: حوّلوا مبنى البرلمان إلى مسجد، وراحوا يتبارون في رفع الآذان داخله. مزقوا الدستور، وحاولوا استبداله بوثيقة تطوبهم حكاما أبديين، على نسق الحاكم المنتخب دائما وأبدا في تركيا. عاد الجيش، فعاد المصريون إلى الصاق الجزمات العسكرية على رؤوس أولادهم، وراحوا يصفقون ويهتفون. يقول العسكر إن باراك أوباما عدو مصر، تخرج بعض الراقصات في لوحات راقصة هابطة وعنصرية ضد الرئيس الأميركي السابق، وتتنافس مصريات في تقذيع أوباما أمام الإعلام: "شت يور ماوس يا أوباما".

والأسى وصل تونس الجميلة، التي أسقط شعبها، لا قوات أميركا، طاغيته. في تونس، وقف قادة عرب يتبارون في هجاء الربيع العربي. وفي تونس، خرج تونسيون يحملون صورا لرئيس سوريا بشار الأسد، الذي حاولت حكومة الربيع العربي التونسية إعادته إلى عضوية "جامعة الدول العربية" بكل ما أوتيت من قوة. لماذا يعتقد التونسيون أنه يحق لهم الإطاحة ببن علي ولا يحق للسوريين الإطاحة بالأسد؟

وفي ليبيا، انهمك أرباب الربيع الليبي، الذي أطاح بالقذافي، بنسف قانون الزواج المدني، وتشريع زيجات أربع لكل رجل، بما في ذلك زواج من القاصرات من عمر التاسعة.

وحتى لا نعقد آمالا أكثر من المعقول، وحتى نتعلم من الدروس الماضية، لن يأتي ـ وللأسف ـ الربيع إلى الجزائر. استقالة بوتفليقة هي انقلاب عسكري عليه، زينته تظاهرات شعبية صادقة. سيختبأ الإسلاميون خلف الحشود الشعبية، وسيختبأ العسكر خلف المجلس الانتقالي، وسيتسابق الاثنان للسيطرة على الحكم، مع ترجيح انتصار العسكر، حتى لو دمويا.

لم تختلف الثورة الجزائرية على بوتفليقة عن نظيراتها في دول الشرق الأوسط. هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير. سيطالب الجزائريون، كأقرانهم في تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا، بأمور غريبة عجيبة لا تمت إلى الحرية ولا الديموقراطية بصلة، بل إنهم سيعتقدون أن للغالبية قدرة على إملاء رأيها على الآخرين، وأن الأقليات ليسوا من يخالفونهم بالرأي فحسب، بل هم خونة للثورة والوطن.

هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير

مشكلة الشرق الأوسط هي في المحكومين، هي في الناس، جميعهم، مسلمين وغير مسلمين، عربا وغير عرب. في لبنان الذي ناضلت فيه مجموعة معروفة بـ "تحالف 14 آذار" من أجل الحرية والديموقراطية، قامت المجموعة نفسها بتطويب قادتها زعماء لها إلى الأبد، وساهمت في منع مسلسلات تلفزيونية لم تعجبها. وفي كردستان، طال حكم الكاك مسعود برزاني حتى صار أطول من حكم صدام نفسه، وأثرى قادة كرد أنفسهم، مثل من اضطهدوهم من قادة العرب، وقضى قادة الكرد على الحرية، وسجنوا وضربوا معارضيهم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان. هؤلاء هم أبناء الثقافة الفاسدة العنفية نفسها، التي لا تقبل الرأي الآخر، والتي تتمسك بالحكم عنوة، وتقضي على المعارضين وتتهمهم بالخيانة، وتنهب مقدرات الحكم. كل منهم، حافظ الأسد وصدام وأردوغان، خرجوا من رحم الظلم، ورفعوا أصواتهم في وجه السلاطين، ودخلوا السجون. ثم خرجوا منه، وتحولوا هم إلى سجانين. كيف الخلاص من دورة المظلومين الذين يتحولون إلى ظالمين؟ كيف الخلاص من ثقافة لا تحتمل أي رأي مغاير؟ كيف الخلاص من استقواء القوي وتزلف الضعيف؟

هو ربيع لن يأتي. نحن آسفين يا جزائر. تخالوه ربيعا، ونوده لو كان كذلك، لكننا اكتوينا بنار الطغاة والثورات. ربما التغيير في مكان آخر.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG