رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأحد 21 أبريل 2019

جانب من احتجاجات "الجمعة السابعة" في الجزائر العاصمة

عريب الرنتاوي/

ما إن اندلعت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة وكل من دول الرباعي العربي (مصر، السعودية، الإمارات والبحرين) من جهة ثانية، حتى تحولت دول الأزمات المفتوحة في العالم العربي إلى ساحات جديدة لحروب وكالة من نوع جديد، تدور رحاها هذه المرة بين حلفاء الغرب والولايات المتحدة، بعد أن ظل هذا النوع من الصراعات مرتبطا بتلك الدول والمجتمعات التي تحظى فيها إيران بنوع خاص من النفوذ كسوريا والعراق واليمن.

ونبدأ باليمن، حيث نشطت قطر في إطار التحالف العربي بقيادة السعودية في بدايات تشكيله، وأرسلت ما يقرب من الألف جندي للمرابطة على الحدود السعودية اليمنية، قبل أن تسارع إلى سحب قواتها والانسحاب من التحالف، بل والبدء بتلقي الاتهامات عن دعمها "السرّي" لجماعة الحوثي، حتى وهي تدعي القتال ضدهم في إطار التحالف.

اليوم، ثمة ما يكفي من المعطيات الدالة على تموضع قطري جديد، أقرب إلى موقع سلطنة عمان، إن في علاقتها مع الحوثيين، أو في دعمها لبعض قبائل المهرة المناهضة للوجودين السعودي والإماراتي في المحافظة الحدودية مع عمان، وانتهاء بالعلاقة النشطة مع التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)، ومحاولاتها إبعاده عن التحالف (وربما تقريبه من الحوثي)، مع كل ما ترتب أو يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات ميدانية على حرب السنوات الخمس في هذا البلد المنكوب وعليه.

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها

ليبيا تنهض شاهدا على حرب الوكالة بين الغرب ودوله وحلفائه. هنا بخلاف اليمن، لا دور لإيران وحلفائها على الإطلاق. هنا تحضر تركيا، عضو الناتو وحليفة قطر، بوصفها لاعبا له تأثير. هنا يتحرك الرباعي العربي الذي يحاصر قطر، دعما للجنرال خليفة حفتر، فيما تكثّف الدوحة وأنقرة من دعمهما لحكومة الوفاق وطرابلس والغرب الليبي. هنا تُخترق القرارات الأممية دون ضجيج، فيستمر إرسال السلاح والمرتزقة و"المجاهدين" إلى هذه البلاد، بأقل قدر من "التغطية الإعلامية". هنا، يجد الموفد الأممي غسان سلامة نفسه في ذات المكان الذي وجد ستيفان ديمستورا نفسه فيه من قبل، وفي نفس الموقع الذي يجد مارتن غريفيث نفسه فيه اليوم، مع فارق رئيس واحد: في سوريا واليمن، كان من السهل إلقاء اللائمة والتبعية على إيران وحلفائها. هنا جُرْح الغرب في كفّه، فالمتقاتلون هم بيادق بيد دول حليفة للغرب، والصراع الفرنسي الإيطالي في ليبيا وعليها، يجعل الدبلوماسية والإعلام الدوليين، معطلين عن الحركة والحراك. هنا سيتعين على الشعب الليبي أن يدفع الأثمان الباهظة للصراع على بلده بموقعه وثرواته، من دون أن يأمل بحل سريع لأزماته، أو بمرحلة انتقال أكثر يسرا وسلاسة، أو بعدالة انتقالية لا يفلت منها مقترفو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أياً كان الفريق الذي ينتمون إليه.

ومن ليبيا إلى السودان، الذي يشهد واحدة من أكثر ثوراته الشعبية السلمية ندرة في تاريخه. "الأخوة الأعداء" لا يطيقون صبرا ولا ينتظرون طويلا. صراع على "مرحلة الانتقال" بأهدافها و"رموزها".. بعد أشهر من المماطلة والتسويف، عملت فيها أطراف عديدة على "تعويم" عمر حسن البشير، الرجل الذي نجح في الرقص على مختلف حبال المحاور الإقليمية المشدودة، فأعطى هذه المحاور بعض أو كثير مما تريده.

أعطى السعودية والإمارات جيشا في اليمن لقتال أذرع إيران في "عاصفة الحزم".. وأعطى تركيا، غريمة الدولتين الخليجيتين الحليفتين جزيرة "سواكن" لتسكن إليها.. انفتح على قطر، وأدار علاقة طبيعية نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتطوع لقيادة وساطة بين دول الرباعي العربي ودمشق.. كل هذه الحركة "البهلوانية" لم تنفع البشير، ولم تغفر له، عندما خرج شعبه عن بكرة أبيه مطالبا بالحرية والكرامة والعيش الكريم.. لن يمضي وقت طويل قبل أن يبدأ حلفاء البشير بالتخلي عنه، والبحث عن بدائل له تحفظ لكل محور مصالحه وما يحتاجه.

بتنا نعرف اليوم، أن الصراع بدأ منذ اللحظة الأولى التي نصّب بها الجنرال ابن عوف نفسه رئيسا للمجلس الانتقالي، الرجل متهم بجرائم حرب في دارفور، والعلاقة معه عبء إضافي على حلفائه وأصدقائه.. إلى أن جاء الجنرال عبد الفتاح البرهان، الرجل مقرب من السعودية والإمارات، وهو قائد سابق للقوات السودانية العاملة في اليمن، ومن خلال موقعه، نسج جملة علاقات مع الرياض وأبوظبي، وهو ما يؤهله لأن يكون رجل هذا المحور في الخرطوم، فاستحق قرارات الدعم الفورية والمساعدات السخية، واستدعى وجوده على رأس الهرم القيادي العسكري في الخرطوم، حجيجا من الوفود العسكرية والأمنية والسياسية، كل واحد منها يريد ضمانات وتعهدات ببقاء السودان على علاقة طيبة مع هذه العاصمة أو ذاك المحور، وتحولت التغطيات الإعلامية للحدث السوداني، إلى ساحة صراع، بين قنوات ومحطات ووسائط إعلامية محسوبة على كل من الدوحة والرياض وأبو ظبي والقاهرة وأنقرة..

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها، ويشف عن محاولة مصرية ـ خليجية لتفريغ الانتقال نحو الديمقراطية من أي مضمون، بالالتفاف على مطالب المحتجين وشعارات الحراك الشعبي غير المسبوق، وإبقاء السلطة بين يدي "الدولة العميقة"، تماما مثلما كانت وظيفة "المبادرة الخليجية" لحل الأزمة اليمنية في بدايتها.

بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي

وفي الجزائر، تدور الصراعات ذاتها، وربما بالأطراف ذاتها، ولكن بقدر أقل من التأثير.. فالأطراف الجزائرية الخارجة من مأساة "العشرية السوداء" تبدو أكثر حذرا في مقارباتها، والجزائريون الفخورون بتضحياتهم في حرب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، يبدون أكثر حساسية حيال التدخلات الخارجية في شؤونهم الداخلية، حتى وإن جاءت من أطراف عربية أو إسلامية شقيقة.. و"الدولة العميقة" في البلاد، تبدو أكثر "عمقا" من غيرها من دول الأزمات المفتوحة.. ولقد أدت هذه العوامل مجتمعة، إلى تقليص أثر "العامل الخارجي" في الأحداث الجزائرية قياسا بما هو عليه الحال في دول الأزمات المفتوحة الأخرى في المنطقة.

لكن هذا الحال قد لا يستمر طويلا، إن عجز الجزائريون عن التوافق على "خريطة انتقال سياسي"، من نظام بوتفليقة و"شرعيته الثورية" كما توصف، إلى نظام جديد، مدني ديموقراطي، يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.

والخلاصة أنه بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي، لتطاول مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في المنطقة برمتها، وتتهدد بتفاقمها وارتفاع تكاليفها، وسط انخراط مباشر متزايد من قبل دول غربية في بعضها، إن لم نقل جميعها، وتحديدا تلك التي تندلع على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

آثار الحريق على كاتدرائية نوتردام دو باريس

سناء العاجي/

بعد يومين فقط من احتراق كاتدرائية نوتردام دو باريس، وصلت تبرعات رجال ونساء الأعمال في فرنسا لأكثر من 600 يورو، بهدف إعادة بنائها (وصل المبلغ إلى مليار دولار بعد أيام).

بغض النظر عن الجانب المادي البحث، دعونا نقارن، بكل موضوعية، بين "واقعهم" و"واقعنا":

كم معلمة أثرية تحطمت في سوريا والعراق وأفغانستان؟ من سعى أو حتى فكر في بنائها أو ترميمها؟

بل، حتى خارج الدول التي تعيش في حالة حرب: المآثر التاريخية التي تتدمر تدريجيا في المغرب وتونس ومصر وغيرها، هل تفكر الحكومات وهل يفكر رجال ونساء الأعمال في ترميمها وإصلاحها؛ أم أنهم (وربما نحن جميعا) يعتبرون ذلك ترفا؟

البعض بيننا ذهب إلى شماتة مرضية في الحريق

كم بناية تاريخية جميلة وكم قاعة سينمائية تاريخية في المغرب تحطمت بفعل الزمن أو بفعل الأطماع الرأسمالية، لتتحول لمركبات سكنية ضخمة أو لمراكز تجارية "عصرية"، رغم أنف الفاعلين في المجتمع المدني، ممن يحرصون على حماية الإرث الحضاري للبلد؟

لذلك، وبعيدا عن الحريق نفسه، على واقعة نوتردام أن تجعلنا نفكر مليا في علاقتنا، شعوبا وحكومات، بالإرث الحضاري لبلداننا.

أتذكر زيارة لفرنسا ضمن وفد ضم عددا من الصحافيات من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كانت معنا صحافية يمنية فوجِئت حينها بحجم وعظمة الإرث المعماري والتاريخي الفرنسي، لأنها كانت تتوقع بلدا عصريا حديثا.

في متخيلنا المشترك، رسخت مناهج التعليم وبعض الإعلام فكرة مفادها أن بلداننا وحدها تملك تاريخا عظيما ومآثرا تاريخية. الحقيقة أن الدول الغربية لا تتوفر فقط على إرثها التاريخي والمعماري العظيم، بل إنها تحافظ عليه بقوانين صارمة وبتنظيم للإعمار الحديث، لكن أيضا بالترميم والصيانة المستمرة (روما، باريس، برلين...).

باختصار، لأن تلك الحكومات والشعوب أدركت أن تاريخها وإرثها الحضاري جزء من تطورها السياحي والاقتصادي والثقافي.

بينما نحن نكتفي بنشر صورة لمسجد سوري عريق تم تدميره بسبب الحرب ونتساءل: "ها هو مسجد أقدم من كاتدرائية نوتردام، فمن يحزن له؟".

الحقيقة أن السؤال المشروع الحقيقي هو التالي: ما الذي جعلنا نستهين بهذا الإرث الحضاري وندمره في إطار "ثورة" يفترض أنها جاءت أساسا لبناء بلد أفضل؟

السؤال المشروع الثاني هو الآتي: هل كانت هناك مبادرات في أفغانستان وسوريا والعراق لإعادة ترميم تماثيل بوذا المدمرة أو غيرها من المساجد والمآثر التاريخية؟ هل فكرت في ذلك الحكومات أو رجال ونساء الأعمال؟ هل صدرت من أحد "الثوار" مبادرة على المواقع الاجتماعية لإنقاذ تلك المآثر؟

بعد خمس سنوات، ستعود لباريس كاتدرائيتها... وسنبقى نولول ونعتبرها مؤامرة

وهنا يكمن كل الفرق: شعوب وحكومات تتباكى على واقعها (حتى حين تكون مساهمة في تدميره) وشعوب وحكومات ورأسمال يفكر في الحلول وفي البناء.

بل إن البعض بيننا ذهب إلى شماتة مرضية في الحريق وإلى اختلاق نظريات عجيبة تجعل الحريق مفتعلا لدعم المسيحية عبر العالم ضدا في الإسلام والمسلمين!

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزم بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات. رجال ونساء الأعمال تبرعوا بالملايين لأجل نفس الهدف (حتى لو كانت خلف تبرعاتهم مصالح اقتصادية). هل نستطيع أن نمنح لأنفسنا، في المغرب مثلا، خمس سنوات لاستعادة قبر ابن رشد الذي مات هنا وتم ترحيل جثمانه لإسبانيا؟ هل نستطيع أن نمنح لأنفسنا خمس سنوات لإعادة ترميم قبر يوسف بن تاشفين، مؤسس الدولة المرابطية، وقبر المعتمد بن العباد وغيرها من المآثر التي تتآكل تدريجيا؟ هل نستطيع، في سوريا والعراق، أن نتخيل حتى بعد استقرار الأوضاع، خمس أو عشر سنوات لإعادة بناء الإرث الحضاري الضائع؟ هل سيلتزم رجال ونساء الأعمال السوريون والعراقيون والمغاربة التزام رجال ونساء الأعمال في فرنسا؟ هل ستلتزم الحكومة بنفس القدر من المسؤولية والجدية؟

هذه هي الأسئلة المشروعة الحقيقية. أما المزايدات الشعبوية الفارغة على المواقع الاجتماعية، فهي لا تعطي أكلا ولا تحمي إرثا حضاريا...

بعد خمس سنوات، ستعود لباريس كاتدرائيتها... وسنبقى نولول ونعتبرها مؤامرة ضد الإسلام ودعما للمسيحية "الكافرة"... وسيستمر إرثنا الحضاري في التآكل، ولا من منقذ أو مهتم!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG